الصدام بين الاتحاد العام التونسي للشغل وقيس سعيد.. هل حانت ساعة الحساب؟

المسار :  منذ تأسيسه في قلب معركة التحرر الوطني، لم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل مجرد إطار نقابي مهني، بل فاعلاً سياسياً واجتماعياً يملك شرعية الشارع ووزن التاريخ. واليوم، وقد بلغ الصدام مع الرئيس قيس سعيّد ذروته، تُطرح أسئلة حاسمة: هل نحن أمام جولة جديدة من المد والجزر التقليدي بين السلطة والاتحاد، أم أمام لحظة مفصلية يستهدف فيها النظام الشعبوي إفراغ أكبر قوة مجتمعية وسيطة من دورها وإلحاقها بمصير الأحزاب والهيئات التي حيدها؟ إن معركة الاتحاد مع سعيّد ليست مجرد نزاع حول امتيازات أو ملفات فساد، بل اختبار حقيقي لمستقبل التوازن بين الدولة والمجتمع في تونس، ولما تبقى من إرث الحركة النقابية كحاجز أمام انزلاق السلطة نحو الشمولية.

وفي هذا الإطار، يكتب الدكتور أحمد القاسمي خصيصا لـ”عربي21″، مسلطاً الضوء على أهم نقاط الخلاف التي قادت إلى هذه المفاصلة، ومحللاً آفاقها المحتملة في ظل التحولات العميقة التي تعيشها تونس اليوم.

ـ 1 ـ يمكن أن نختزل العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل والسلطة في موجات متعاقبة من المدّ والجزر تضبط الأزمات الاجتماعية إيقاعها. فكلما تعمقت تحولت العلاقة إلى صدام. كما هو الحال في أزمة 1965 لمّا اتهمت السلطة الاتحاد بالعمل على عرقلة مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أو أزمة الاقتصادية والاجتماعية في العام 1978 التي انتهت إلى مواجهات دامية أُعتقلت قيادات الاتحاد إثرها أو أزمة 1985.

تأسس منذ 1946 في ظل الاستعمار الفرنسي لمّا انفصل زعيمه فرحات حشاد عن الكنفدرالية العامة للشغل الفرنسية. ومنذ ذلك التاريخ ضبطت مرجعيته. فكانت وطنية تصل الدفاع عن الشغّالين بالدفاع عن القضية الوطنية. ثم اتخذت بعد الاستقلال عنوانين جديدين هما الدفاع عن الحقّ في العمل النقابي ومقاومة الاستبداد والديكتاتورية.وكلما خفت وطأتها استجابت السلطة إلى بعض المطالب. ولم تكن محركات الصّدام لأسباب اقتصادية واجتماعية فحسب. فقد انخرط الاتحاد في مختلف المعارك السياسية وكان له الدور الفاعل في أغلبها. ويكفي أن نذكر دوره في انتفاضة الحوض المنجمي سنة 2008 وإضرابه العام الحاسم في مدينة صفاقس يوم 12 يناير 2011 الذي حوّل انتفاضة 17 ديسمبر 2010 إلى ثورة عارمة هزت أركان حكم بن علي بعد يومين فحسب.

ولا يمكننا فهم الدور الموكول للاتحاد العام للشغل وتماس المهني والاجتماعي فيه بالسياسي والاقتصادي إلا بالعودة إلى تاريخه البعيد. فقد تأسس منذ 1946 في ظل الاستعمار الفرنسي لمّا انفصل زعيمه فرحات حشاد عن الكنفدرالية العامة للشغل الفرنسية. ومنذ ذلك التاريخ ضبطت مرجعيته. فكانت وطنية تصل الدفاع عن الشغّالين بالدفاع عن القضية الوطنية. ثم اتخذت بعد الاستقلال عنوانين جديدين هما الدفاع عن الحقّ في العمل النقابي ومقاومة الاستبداد والديكتاتورية.

ـ 2 ـ للوصل بين الدفاع عن الحقّ في العمل النقابي ومقاومة الاستبداد والديكتاتورية في عمل الاتحاد أسبابه. فقد أسهمت عوامل عديدة في جعل تونس بلاد الحزب الواحد. وظل العمل السياسي المعارض عملا نخبويا مقصورا على الصالونات غير قادر على النزول إلى الشوارع. أما الإسلام السياسي الذي ظهر في المساجد وتغلغل في الأحياء الشعبية بداية من ثمانينات القرن الماضي فسريعا ما حوصر وحسم أمره أمنيا. ويبدو أنّ هذا التماس بين الهم الاجتماعي والمشغل السياسي في الأرضية الثقافية للاتحاد العام التونسي للشغل قد فرض ما يشبه التواطؤ الضمني: يكون الأمين العام من الحزب الحاكم ليضمن عدم الغلو في المطالب أو التدخّل السافر في الاختيارات السياسية الكبرى وتوزع بقية المناصب على النقابيين اليساريين المهيمنين على النقابات الأساسية.

هكذا أضحى الاتحاد مؤسسة رخوة صلبة في الآن نفسه. فقد طوّر معادلة ناجعة سمحت للقواعد المتحمسة بأن تنفس عن غضبها وتنقد السلطة بأقصى العبارات، في أطر مغلقة وضمن جمهور محدود، ومن هنا جاءت الكناية “الاتحاد خيمتنا”. وخوّلت لأمينه العام التعاطي مع الواقع بمرونة وعقد الصفقات مع السلطة. وأعطت لأمنائه المساعدين إمكانية نقده بشدة بما “يجبر خواطر” تلك القواعد النقابية المندفعة. ولكن مع انتفاضة 17 ديسمبر 2010 فقدت هذه المعادلة نجاعتها بفقدان قيادات الاتحاد العليا السيطرة على صغار النقابيين في القرى والمدن الصغرى ممن تولوا تأطير المظاهرات وتأجيج الغضب الشعبي وأسهموا إسهاما فاعلا في الإطاحة بالنظام.

ـ 3 ـ بعد الثورة تسرب إلى الاتحاد الكثير من الانتهازيين. ووجدوا في السياسيين الجدد انتهازية مماثلة همّها الوحيد المحافظة على مصالحها. فكان الجميع يستعجل تحقيق المكاسب السريعة على حساب مناعة الدولة وهيبتها وعلوية القانون. وتشكّل بين القيادات والسلطة تواطؤ جديد: فلتحافظ قيادات الاتحاد على مناصبها كان عليها أن تخضع للنقابيين الجدد الذين يرفعون في قطاعاتهم سقف المطالب عاليا ويقطعون الطرقات ويعطّلون الإنتاج في سبيل تحقيقها. ويغض الحكّام الطّرف عن هذه التجاوزات. فلا يطبقون القانون على المخالفين والمعطلين لعجلة الاقتصاد بحجة الحفاظ على السلم الاجتماعية ويحافظون على رصيدهم الانتحابي وعلى فرصهم في تقلّد المناصب من جديد.

“يريد الزعيم الشعبوي تجسيد إرادة وصوت الشعب.. ويريد فعل ذلك دون توسط، ودون تسويات لافتة للنظر مع الأحزاب القائمة الأخرى”.ورغم كل هذا التواطؤ كانت علاقة الاتحاد بالسلطة عبارة عن صدام مستمر. فذلك التجمع النقابي اليساري بالأساس، تحوّل إلى ملاذ لرجال النظام السابق ممن يخشون المحاسبة. ومن الرّافدين تشكل تحالف قوي يعمل على تقويض حكم الإسلاميين عبر الإضرابات القطاعية والعامة والاعتصامات المفتوحة والمواجهة في الشوارع. ويرى في تبعاتها على الاقتصاد ثمنا معقولا لتخليص تونس من حكم الإخوان و”نصرا” تهون معه كل الخسائر الفرعية.

ـ 4 ـ رغم الكم المهول من الإضرابات لم يكن الاتحاد قادرا على أن يقدّم شيئا ملموسا يغيّر من واقع منخرطيه الاجتماعي المتردي. فالزيادات في الأجور كانت تتآكل سريعا أمام ارتفاع نسب التضخم وعجز الدولة عن ضبط الأسعار. وهذا ما جعله يفقد الكثير من مصداقيته. وفي هذه الأثناء،حدّثت النفس الأمارة بالحفاظ على الكراسي أعضاء المكتب التنفيذي بالانقلاب على الفصل 20 من القانون الأساسي للاتحاد والتراجع عن تحديد الانتماء إلى المكتب التنفيذي، بدورتين على الأقصى كما هو مقرر في مؤتمر جربة 2002. فعقدوا مؤتمرا استثنائيا في 08 و09 جويلية 2021 خلّصهم من هذا العائق القانوني. وبديهي أن يخلق هذا الانقلاب شرخا داخليا. فقد رفضت تنسيقية “القوى النقابية الديمقراطية” هذا الانقلاب ورفعت شعار الدفاع عن المسألة الديمقراطية داخل الاتحاد. وبعد أن فقد مصداقيته لدى قطاع كبير من الرأي العام مزّقته الصراعات الدّاخلية وأفقدته الكثير من صلابته.

ـ 5 ـ وكما تغيّر الاتحاد وفقد مخالبه تغيّرت السلطة، ولكنها اكتسبت جرأة وشراسة. فقد حملت انتخابات 2019 للتونسيين مفاجأة كبرى تمثلت في وصول قيس سعيد، الرجل الذي يفتقد إلى الماضي السياسي أو النضالي وإلى حزب داعم إلى الحكم، دون حملة انتخابية وتمويل عمومي أو خاص. ومع ذلك فقد كانت له خلفيات فلسفية سياسية. فهو مهوس بفكرة سلطة الشعب أو حكم الشعب لنفسه بنفسه الذي تقوم عليه الفلسفة الإغريقية، رافض للديمقراطية التمثيلية مناد باعتماد الديمقراطية القاعدية (أو الديمقراطية المباشرة أو التشاركية). ومن آلياتها المشاركة الشعبية في تشريع القوانين وانتخاب المسؤولين أو إقالتهم إن ثبت تقصيرهم. وهذا ما جعله رافضا لمنوال الحكم الذي كرّسه دستور 2014. فقد ظل يهاجم باستمرار مؤسسات الدولة “لانحرافها عن غاياتها” ويتحاشى التعاطي معها ما أمكن ويصوّب سهامه نحو أعضاء البرلمان واصفا عملهم بخيانة المؤتمن متهما إياهم بالعمل لصالح لوبيات نهب المال العام و”الجراد الذي يقتات من خيرات البلاد”.

ـ 6 ـ تقول الباحثة ناديا أوربيناتي في أثرها “أنا الشعب: كيف حوّلت الشعبوية مسار الديموقراطية؟”: “يريد الزعيم الشعبوي تجسيد إرادة وصوت الشعب.. ويريد فعل ذلك دون توسط، ودون تسويات لافتة للنظر مع الأحزاب القائمة الأخرى”.

وينطبق هذا الرأي على قيس سعيد تماما. فقد مثّلت الأجسام الوسيطة مرمى سهامه. فاتهمها بالكذب على الشعب لاستدراجه لانتخابها قائلا في حوار شهير له قبل انتخابه: “انتهى عهد الأحزاب. الشعب صار يتنظم بطريقة جديدة. انظروا ماذا يحدث في فرنسا بالسترات الصفراء وفي الجزائر والسودان …” وبعد تجميده للعمل بدستور 2014 واختصاره لمختلف السلطات في شخصه تحول حكمه “القاعدي” إلى أسلوب شعبوي صريح. فكان يعمل باستمرار على الاحتكاك بالشعب ويجدّ في ابتكار طرق تعطي الانطباع بمشاركة المواطنين المباشرة في صياغة البرامج السياسية والتنموية. وضمن هذا السلوك ردّد شعاره كثيرا قبل 25 جويلية “الشعب يريد”، مستلهما ذلك من شعار الثورة “الشعب يريد إسقاط النظام”،. وباسم هذه “الإرادة الشعبية” استولى على كلّ السلطات.

ـ 7 ـ بعد 25 تموز / يوليو، وإثر انقلاب قيس سعيد على دستور 2014 وجد الاتحاد نفسه محاصرا. فماضيه المحرف للعمل النقابي خلفه وطموحات قيس سعيد أمامه. وحاول أعضاء مكتبه التنفيذي التفصي من تبعات ما بات يعرف بالعشرية السوداء رغم أنهم كانوا لاعبا رئيسيا فيها. فتبنوا في بيانهم بتاريخ 26 أكتوبر 2021 ما أقدم عليه قيس سعيد معتبرين “ما حدث في 25 يوليو خطوة إلى الأمام نحو القطع مع عشرية غلب عليها الفساد والفشل ويمكن البناء عليها من أجل تعزيز الديمقراطية وترسيخ قيم الجمهورية وبناء الدولة المدنية الاجتماعية”.

وبعد أن فشلت مغازلتهم للحاكم الجديد انسحبوا من المشهد السياسي وتماوتوا أو خلدوا لسبات شتوي. ومع ذلك لم يسلموا من الصدام مع السلطة ولكن بقوانين لعب جديدة هذه المرّة وبتحولات عميقة في موازين القوى جعلتهم الطرف الأضعف الفاقد للشرعية والمسؤول شعبيا، عن تدمير اقتصاد البلاد.

ـ 8 -سريعا ما اكتشف الطبوبي ورفاقه أنهم قد حشروا في الركن وأنّ مشاركة الاتحاد في تسيير المؤسسات العمومية وتصعيد منظوريه إلى قيادتها التي فرضها في العشرية النهضوية تحت عنوان التسيير التشاركي للمؤسسات قد سلبت منه، وأنّ أصابع الاتهام بسوء التصرف في الموارد باتت توجه لهم علانية. وتحدث أنصار الرئيس عن وجود ملفات فساد تخصّ أعضائه.

بعد أن فشلت مغازلتهم للحاكم الجديد انسحبوا من المشهد السياسي وتماوتوا أو خلدوا لسبات شتوي. ومع ذلك لم يسلموا من الصدام مع السلطة ولكن بقوانين لعب جديدة هذه المرّة وبتحولات عميقة في موازين القوى جعلتهم الطرف الأضعف الفاقد للشرعية والمسؤول شعبيا، عن تدمير اقتصاد البلاد.ومع مضي لرئيس التونسي في تجريد مختلف مؤسسات المجتمع المدني من كل سلطة وفي إدارته لكل الشأن العام بنفسه، وبعد جمعه بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية أدرك أعضاء الاتحاد تصميمه على تحييد النقابيين. ومع قرار رئاسة الحكومة إلغاء التفرغ النقابي خالص الأجر الذي كانت تتمتع به بعض القيادات وتلميح الرئيس إلى عزم الدولة على ملاحقة الفاسدين وتخليها عن الاقتطاع الآلي لمعاليم انخراط العمّال لفائدة الاتحاد ممّا سيحرمه من مصادر تمويله الرئيسية، باتوا يستشعرون خطر المحاسبة وفتح الملفات التي كانت تغلق دائما بناءً على صفقات مع الحكّام السابقين. وها هم اليوم يحاولون أن يجعلوا من النقابيين دروعا بشرية تحميهم من المصير الذي انتهى إليه مختلف المعارضين.

وبالفعل فقد استجاب النقابيون الخلّص لنداء القيادة العامة. وتظاهروا بكثافة يوم 21 آب / أغسطس 2025.

ولكن يبدو أنهم فعلوا ذلك من منطلق الدفاع عن مؤسسة الاتحاد والوقوف دون نزعة السلطة الاستبدادية التي جرّدت مختلف مؤسسات المجتمع المدني وأجسامه الوسيطة من كلّ دور، لا من منطلق مناصرة قيادته. والشعارات التي رفعوها كانت تكشف بجلاء أنهم كانوا يناصرون الاتحاد باعتباره مؤسسة ضامنة لحماية التونسيين من نزوات السّاسة التي خبروها طويلا.

ـ 9 ـإذن كيف نفهم هذا الصدام الجديد بين الاتحاد والسلطة؟ وبمعنى آخر هل أنّ هذا الصدام موجة جديدة من موجات المد والجزر التي تنشط مع تفاقم الأزمات؟ وهل أنّ هجوم الرئاسة استهداف لأعضاء المكتب التنفيذي بشبهة الفساد والاستثراء غير المشروع أم أن العمل النقابي برمّته قد بات مستهدفا؟

 

لقد فرض الاتحاد نفسه بعد الثورة شريكا في الحكم على نحو ما اعتمادا على تدخل قياداته في الاختيارات الساسية الكبرى وعلى ما يسميه التسيير التشاركي للمؤسسات وما يمثّل في حقيقة الأمر نظام محاصصة وتقاسم للمكاسب بين أتباع الإدارة ومنخرطي النقابات الأساسية. فكيف يستقيم الحال والنظام الشمولي الذي يرسيه قيس سعيد لا يقبل بمن يشاركه الحكم؟

 

لدى الرئيس قناعة عبّر عنها مرارا هي أنّ دستور 2014 قد فكّك الدولة بما خلق من مؤسسات ذات استقلالية مطلقة وقصر دور الدولة في تمويلها دون أن يكون لها سلطة عليها لمراقبتها أو مراجعة قراراتها. هذا شأن هيئة الحقيقة والكرامة وهيئة مكافحة الفساد وهيئة النفاذ للمعلومة. ولكن تعامله مع الاتحاد سيختلف بكل تأكيد عن تعامله مع هذه الهيئات التي قرّر حلّها وتسريح موظّفيها. فنقدّر، رغم المشهد الغائم أن قيس سعيد سيعمل على تحييد الاتحاد وعلى جعله منظمة بلا فاعلية كما فعل بالأحزاب. أمّا قياداته فسيواجه “المورّطون” منهم قدرهم أمام قضاء الرئيس الذي يصرّ على وصفه بالوظيفة لا بالسلطة المستقلة.

المصدر … عربي21

Share This Article