نازحو الفاشر… ترقّب استعادة الحياة في المدينة المنكوبة

المسار : يترقّب أهالي الفاشر السودانية، سواء النازحون أو هؤلاء الذين لازموها، استعادة حياتهم الطبيعية فيها، بعد انتهاء الحصار والقتال العنيف بين قوات الدعم السريع والجيش وسيطرة الأولى على المدينة المدمّرة.

تتواصل معاناة أهالي مدينة الفاشر السودانية، مركز إقليم شمال دارفور، منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليها، والذين عاشوا حصاراً مشدّداً على مدى 18 شهراً، عانوا خلاله نقصاً حادّاً في المواد الغذائية ومياه الشرب والرعاية الصحية، واضطرّوا إلى تناول علف الحيوانات وأوراق الأشجار ليسدّوا جوعهم. وتعرّض الأهالي لانتهاكات قاسية شملت القتل على أساس الهوية، والاغتصاب، والخطف لطلب دفع فدية، وتقييد الحركة، ومنع إدخال الغذاء والدواء إليهم.

وتحوّلت الفاشر التي كانت تؤوي، قبل اندلاع الحرب في السودان في منتصف إبريل/ نيسان 2023، نحو 1.5 مليون نسمة، من بينهم 800 ألف نازحون كانوا قد لجؤوا إلى مخيّمَي “زمزم” و”أبو شوك”، إلى مدينة أشباح وأطلال بسبب الدمار الذي لحق بها من شدّة المعارك العسكرية التي دارت في داخلها، والتي انتهت لمصلحة قوات الدعم السريع الذي ارتكب فيها أسوأ مجزرة في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

ويأمل آلاف من أهالي الفاشر الذين شرّدهم القتال بالعودة إلى منازلهم، ووضع نهاية لمعاناتهم، واستعادة حياتهم السابقة التي قطعتها الحرب وحولتهم إلى نازحين؛ في مخيمات عديدة بمدينة طويلة في ولاية شمال دارفور نفسها وبمدينة الدبة في الولاية الشمالية، مع العلم أنّ ثمّة مَن لجأ من الفاشر إلى دول جوار السودان، بحثاً عن الأمن والاستقرار والعيش الذي يفتقر إليه في وطنه.

ورغم الوعود التي أطلقتها قوات الدعم السريع ببعث الحياة من جديد في مدينة الفاشر والسماح لأهاليها بالعودة وممارسة يومياتهم من دون عنف أو تضييق، لم يتحقّق شيء من ذلك حتى بعد مرور أكثر من ثلاثين يوماً على سيطرة تلك القوات على المدينة؛ وما زالت المنازل خالية من سكانها والشوارع مغلقة بألغام ومخلفات حربية

قطعت السودانية نعمات إبراهيم نحو 60 كيلومتراً في رحلة نزوحها من الفاشر إلى طويلة، وتقول لـ”العربي الجديد” إنّ “قوات الدعم السريع لن تتمكّن من الوفاء بوعودها، والسماح للمواطنين بالعودة إلى منازلهم، إذ هي غير قادرة على الترميم بعد الدمار الذي لحق بأحياء المدينة، ولا على إصلاح مرافق الخدمات التي ألحق الضرر بها عمداً في أثناء القتال من أجل التضييق على السكان الذين تمسكّوا بالبقاء في من منازلهم ورفضوا النزوح”.

تضيف المرأة التي نزحت من الفاشر مع 25 فرداً من عائلتها: “نقيم في خيام مهترئة، في الوقت الراهن، ونحصل على الطعام بشقّ الأنفس، وذلك من التكايا (المطابخ الخيرية) القليلة التي يعتمد عليها آلاف النازحين الذين وصلوا إلى طويلة في حالة مزرية نتيجة الجوع والمرض بسبب الحصار الذي حرمهم من الطعام والخدمات الأساسية”. وتتابع إبراهيم: “نريد العودة إلى منازلنا في أسرع وقت، لأنّ عدم عودتنا تعني استمرار النزوح والجوع والفقر والأمراض المتفشية بين النازحين”، مشيرةً إلى أنّه “في منازلنا، في حال توفّر لنا الأمن، يمكننا تدبّر أمورنا المعيشية وتجاوز حالة الحرب التي سبّبت لنا كثيراً من المصاعب والمعاناة”.

في قرية قرني، الواقعة على بعد نحو 20 كيلومتراً إلى شمال غرب الفاشر، تصف نازحة من بين ستة آلاف هجّرتهم الحرب ما يجري منذ سيطرة “الدعم السريع” على المدينة بأنّه “قاسٍ”. وتقول المرأة، التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها، لـ”العربي الجديد”: “نريد العودة إلى منازلنا وحياتنا الطبيعية بعد توقّف القتال الذي طال في الفاشر ودمّر بنيتها التحتية، من بينها شبكات المياه والمستشفيات والطرقات، واضطرّ آلاف السكان إلى النزوح أو اللجوء إلى دول الجوار”.

وتكمل: “لم نتمكّن من الوصول إلى طويلة، لذا نقيم في خيام بائسة في قرني وسط ظروف غير إنسانية”، شارحةً أنّ “الطعام يوزَّع علينا بكميات قليلة، كذلك نحصل على مياه الشرب بصعوبة. ننتظر اللحظة التي نعود فيها إلى منازلنا في الفاشر ونجمع أفراد أسرنا الذين تفرّقوا في مناطق كثيرة هرباً من الحرب والانتهاكات التي صاحبتها”.

بدورها، تقول نازحة أخرى إلى قرني لـ”العربي الجديد”: “نحن هنا لأنّ قوات الدعم السريع أجبرونا على البقاء، ولم يسمحوا لنا بالوصول إلى طويلة، أو إلى أيّ منطقة أخرى، في حين أخبرونا بأنّهم سوف يعيدوننا إلى الفاشر. إنهم يحاولون إبقاء النازحين، ومعظمهم من النساء والأطفال وكبار السنّ، في قرية قرني، مع تقديم القليل من المواد الغذائية ومياه الشرب، بينما ينفون إجبارنا على البقاء وعدم السماح لنا بمواصلة النزوح. ثمّة قادة يزعمون أنّ النازحين بقوا في المنطقة بإرادتهم، في الوقت الذي حُرمنا فيه من النزوح وأُجبرنا على البقاء في قرني”.

وتبيّن المرأة وهي أمّ لخمسة أطفال أنّ “الحياة في المخيمات العشوائية قاسية. ننام على التراب، إذ لا تتوفّر أسرّة ولا أغطية كافية، ونمضي النهار في ظلال الأشجار القليلة، ونقضي حاجتنا في العراء من دون أيّ خصوصية، ونحصل على طعام غير كافٍ في اليوم”.
واستحالت مدينة الفاشر ركاماً، فيما امتنع السكان القلائل الذين ما زالوا في داخلها من السير في طرقاتها، التي من المتوقّع أن تكون مزروعة بالألغام بعد محاولات الجيش السوداني والحركات المسلحة التي كانت تقاتل إلى جانبه منع قوات الدعم السريع من التقدّم نحو مقرّ القيادة العسكرية، في أثناء الحصار الذي فرضته تلك القوات.

ويتوزع نحو سبعة آلاف سوداني في الفاشر المنكوبة على مراكز إيواء، من بينها مبنى بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور (يوناميد) التي كانت قواتها منتشرة في الإقليم ما بين عامَي 2007 و2020، والتي تتّخذ من الفاشر مقراً رئيسياً لها، ومبنى “جامعة الفاشر”، وعدد من مدارس الحيّ الأول في المدينة.

يقول مشرف الإدارة المدنية في الفاشر التابع لقوات الدعم السريع، عبد الله جمعة لـ”العربي الجديد”، إنّ “كلّ المرافق الخدمية في المدينة مدمّرة بالكامل، والأحياء والطرقات مزروعة بالألغام والمتفجرات، فيما محطتا مياه الشرب والكهرباء تعرّضتا لتخريب وتدمير وتحتاجان إلى تأهيل قبل عودة المواطنين. المواطنين الذين ما زالوا في الفاشر جميعاً في مراكز إيواء، ومعظمهم من النساء والأطفال وكبار السنّ، إلى جانب ألفَي جريح، ونتكفّل بتقديم الغذاء ومياه الشرب والرعاية الصحية لهم، إلى حين تطهير المدينة من الألغام والمخلفات الحربية حتى يتمكّنوا من العودة إلى منازلهم”.

ويبيّن جمعة أنّ “الفرق الهندسية أزالت نحو 3.500 لغم ومئات العبوات والذخائر غير المنفجرة من أزقّة الفاشر وشوارعها”، مشيراً إلى أنّ المدينة “شهدت أطول وأعنف المعارك في الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من 31 شهراً”. ويوضح أنّ “الإدارة المدنية وضعت خططاً لإعادة الحياة إلى المدينة، من بينها إزالة الألغام والمتفجرات، وجمع الجثث التي تنتشر في المدينة ودفنها، وإعادة تشغيل المستشفيات الحكومية مثل المستشفى السعودي ومستشفى الفاشر التعليمي ومستشفى الأطفال الحكومي”.

ويؤكد تشغيل ثماني آبار مياه في المدينة، من أجل توفير المياه للمواطنين العالقين فيها، وذلك قبل عودة النازحين من المناطق التي نزحوا إليها؛ ومنها محلية مليط التابعة لولاية شمال دارفور وكتم والكومة وطويلة. ويكمل: “ما بين خمسة آلاف إلى ستة آلف نازح من الفاشر يقيمون في مخيّم بقرية قرني القريبة، ومن المتوقّع عودتهم إلى المدينة بعد توفير الخدمات وإزالة العوائق. الفاشر قد تكون صالحة لعودة المواطنين خلال فترة تراوح ما بين ثلاثة إلى أربعة أشهر على الأقلّ”.

وبعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، وصل مسؤولون أمميون إلى إقليم دارفور، لكنّهم لم يدخلوا الفاشر واكتفوا بزيارة مواقع النازحين في قرية قرني ومدينة طويلة. ويقول الخبير الإنساني صلاح الأمين لـ”العربي الجديد” إنّ “الفاشر غير صالحة للحياة في الوقت الراهن، لأنّ فيها مخلفات حربية كثيرة، وقد تكون بينها مخلفات سامة استُخدمت في القتال، لذلك تجنّب وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية توم فليتشر التوجّه إلى المدينة في الأيام الماضية، عندما قام بأوّل زيارة لمسؤول أممي رفيع المستوى للإقليم منذ بداية الحرب في السودان، مع العلم أنّه قصد مدناً أخرى”. يضيف الأمين: “أعتقد أنّ عدم زيارته الفاشر يعود إلى أنّها ما زالت مليئة بالألغام والمخلفات الحربية. كذلك، فإنّها وفقاً للوصف القانوني كانت مسرحاً لجريمة، وفي هذه الحالة لا بدّ من أن تزورها أوّلاً لجنة تقصّي حقائق قبل البدء بزيارات المسؤولين الأمميين”.

ويلفت الأمين الذي عمل لدى وكالات تابعة للأمم المتحدة، إلى أنّ “إعادة إعمار المدينة سوف تكون على قائمة أولويات المنظمات الدولية، علماً أنّ الأمر يتطلّب جهداً كبيراً وتمويلاً ودعماً لوجستياً، وهذه أمور لن تكون في وقت قريب. قوات الدعم السريع لن تسمح بعودة المواطنين إلى الفاشر لأنّها تريد التخلّص من بعض آثار الجرائم التي ارتُكبت بحقّ المدنيين، مثل دفن الجثث وإزالة المخلفات الحربية التي استُخدمت في القتال”.

Share This Article