تحقيق استقصائي : الملفات المظلمة.. غياب قانون حق الحصول على المعلومات وسيلة لانتشار الإشاعات والأخبار المضللة في فلسطين

رئيس هيئة مكافحة الفساد رائد رضوان :

المسودة النهائية للقانون ستكون جاهزة لإقرار مجلس الوزراء قريبا ومن ثم رفعها للرئيس محمود عباس للإقرار الرسمي

ائتلاف أمان: إخفاء المعلومات العامة يعني ضعف في منظومة النزاهة ويؤشر إلى وجود شبهات في إدارة الشأن العام

الهيئة المستقلة : وجود القانون بالغ الأهمية مهم لتعزيز الشفافية والثقة بالمنظومة السياسية.

المسار : غياب قانون حق الحصول على المعلومات يضرب الاستثمار في فلسطين

نقابة الصحفيين : إقرار القانون وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى بيئة قانونية وإجرائية مواتية غير متوفرة حاليًا قد تستغرق ٤ سنوات

المسار ـ أنصار اطميزه: لم يكن أمامَ الصَّحفيَّةِ الاستقصائيَّةِ وفاءَ عاروري خيارٌ آخر للحصولِ على المعلوماتِ المطلوبةِ بعد تعثُّرِ جميعِ السُّبُلِ الرسميةِ للحصولِ عليها، إلَّا أنْ تستخدمَ مكبِّرَ الصوتِ لتُطالِبَ بالمعلوماتِ أمامَ الجهاتِ المعنية خلال عملها على اعداد تحقيق استقصائي لـ وطن: ثمانون مترا.. ومكبرات الصوت الخيار الأخير! الذي يوثق محطات وقود مخالفة لشروط الترخيص أنشأت بموافقة هيئة البترول

حيث أن القانون في فلسطين حدد مجموعة من المعايير التي تضمن سلامة الناس أثناء إنشاء أو افتتاح أي محطة وقود جديدة ولكن على أرض الواقع لم يكن الأمر كذلك.

وتشير العاروري “ذهبنا لمواجهة هيئة البترول التابعة لوزارة المالية بوجود المخالفات وعدم الالتزام بالمعايير اللي حددها القانون لم يكن هناك أي استجابة. وتضيف “على مدار أربع شهور متواصلة لم نحصل على أي رد لا بالرفض ولا بالقبول بالحصول على المعلومات ورد الجهة على انتهاك القانون وهو ما دفعنا في وحدة الصحافة الاستقصائية في وطن لا ستخدام مكبر الصوت كوسيلة للحصول على المعلومات”.

قرار .. بعدم الانفتاح

واجهَ العديدُ من الصحفيِّين هذه المشكلةَ، المتمثِّلةَ في رفضِ الجهاتِ المختصَّةِ التعقيبَ أو منحِ المعلوماتِ، وكأنَّ الموضوعَ صندوقٌ أسودٌ.

حيث ان الصحفي الاستقصائي نزار حبش خلال تحقيقه عش الدبابير الذي كشف فيه عن خروقات في قطاع شبكات الفايبر في فلسطين، و اجه رفض عدة جهات في تزويد المعلومة التي تهم المواطن، وخصوصا من وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، حيث رفض الوزير الأسبق اسحق صدر أنذاك الإفصاح عن الأرقام والاحصاءات التي تخص الموضوع بذريعة عدم وجود قانون حق الحصول على المعلومات في فلسطين.

وليسَ ذلك فحسب، بل إنَّ مؤسَّساتِ المجتمعِ المدنيِّ أيضًا واجهت مشكلةً في الحصولِ على المعلوماتِ من الحكوماتِ المتعاقبة خلالَ إعدادِ الدراساتِ، والأوراقِ البحثية، وتقاريرِ تقصِّي الحقائق.

حيث يقول الباحث القانوني في ائتلاف امان بلال البرغوثي لوطن، إن هناك نوع من التذبذب في التعاون، في بعض الأحيان نجد هناك نوع من التعاون أو شبه التعاون ولكن في بعض القضايا الأخرى نجد إحجاما وحجبا للمعلومات من قبل الجهات الحكومية.

واضاف البرغوثي أن الباحثين في أمان واجهوا بشكل كبير صعوبة الوصول إلى المعلومة لدرجة أن كانت هناك معلومات قد تكون منشورة على مواقع على الشبكة العنكبوتية وكان يرفض تقديمها للباحثين، إلى أن يجدوها منشورة على المواقع وكأن لديهم قرار بعدم الانفتاح في هذا الجانب، وهذا كله شكل من أشكال تغييب مفهوم الشفافية ودوره في موضوع مكافحة الفساد ودوره في نشر القيم الديمقراطية.

منّة!

فيما يقول عمار دويك مدير الهيئة المستقلة لحقوق الانسان ” تواجهنا عقبات بعض المسؤولين الذين يعتقدون أن إعطائنا المعلومات هو نوع من أنواع المنة وليس الحق”.

ويشار الى أن قانونُ حقِّ الحصولِ على المعلومات هو قانونٌ ينظِّمُ حقَّ المواطنين في الوصولِ إلى المعلوماتِ العامةِ التي تحتفظُ بها الهيئاتُ الحكومية، مع استثناءاتٍ محددة. يضمنُ الشفافيةَ والمساءلةَ. وقد شهدت فلسطينُ جهودًا متواصلةً لترسيخِ هذا الحقِّ في إطارِ منظومتِها القانونية، وبدأت الخطواتُ الجديَّة نحو صياغةِ القانونِ منذ العامِ ٢٠٠٥، وبذلت العديدُ من المؤسَّسات جهودًا لإعداد نسخةٍ يمكن إقرارها، نظرًا لأهميَّة القانون في مكافحةِ الفسادِ، وتعزيزِ الشفافيةِ في المؤسَّساتِ الحكومية، وتمكينِ المواطن من مساءلة المسؤولين.

ويعود دويك ويقول إن وجود القانون ينظم الوصول للمعلومات وهذا مهم جدا لتسهيل عمل الصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني التي تمارس الدور الرقابي وهو مهم لتعزيز الشفافية والثقة بالمنظومة السياسية.

ويتفق مع ذلك منتصر حمدان عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين الذي يؤكد أن من حق المواطن أن يعرف لأن المواطن له الحق في المعرفة هو حق مكفول في القوانين والمواثيق الدولية.

غياب القانون بيئة خصبة للشائعات والأخبار المضللة

يُشكِّلُ غيابُ المعلوماتِ بيئةً خصبةً لانتشارِ الشائعاتِ والأخبارِ المفبركةِ والمزيفةِ. ففي عام ٢٠٢٠ نشر المركزُ العربيّ لتطوير الإعلام الاجتماعي بحثًا حول الأخبار الزائفة التي تستهدف الجمهور الفلسطيني حصريًا، وكشفَ أن نحو ٧٢٪ من مستخدمي الإنترنت الفلسطينيين يتعرّضون لضخّ مستمرّ من الأخبار المضلِّلة.

وثَّقَ المركز الفلسطيني للتحقق والتربية الإعلامية “كاشف” منذ عام ٢٠٢٠ نحو ٢٥٨٣ خبراً أو معلومةً مفبركةً أو مضلِّلةً، مع التأكيد أن هذا الرقم لا يعكس الحجمَ الحقيقي للأخبار المفبركة، بل ما تمكَّن المركز من توثيقه خلال تلك الفترة.

ويضيف على ذلك دويك قائلا” المجتمع الذي يبحث عن المعلومة و لم يجدها من مستوى رسمي وبشكل بالقنوات القانونية سيبحث عنها بوسائل بديلة قد تعطي معلومة صحيحة وقد تعطي إشاعة وقد تعطي معلومة مشوهة أو معلومة مفبركة” وبالتالي فإن دور قانون حق الحصول على المعلومات محاربة الأخبار والمعلومات المضللة أو المفبركة.

علاقة وثيقة بين غياب القانون ..وتفشي الفساد وانتهاكات حقوق الانسان

ولتوضيحِ العلاقة بين غياب حقِّ الحصول على المعلومات وانتشار الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان والشائعات، وزَّعت وحدة الصحافة الاستقصائية في شبكة وطن الإعلامية استبيانًا استهدف ٥٥ صحفيًا وباحثًا ومدقِّق معلومات بطريقة عشوائية.

أظهرت النتائج بالإجماع (١٠٠٪) أن غيابَ حقِّ الحصول على المعلومات يُؤدِّي إلى التغطية على جرائم الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، وإخفاقات الحكومة في مجالات معينة. كما أظهر الاستبيان أن نحو ٧٠٪ من المستطلعين واجهوا تقييدًا أو حجبًا للمعلومات، بينما واجه ٣١٪ الحجب بين ثلاث وسبع مرات، و٢٦٪ أكثر من سبع مرات.

تصدَّرت الوزارات الحكومية قائمةَ الجهات التي تحجُب المعلومات عن الصحفيين والباحثين، وكانت وزارة المالية في المقدمة، بينما كانت المعلومات المحجوبة غالبًا بيانات مالية أو متعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان. وأشار الاستبيان ٨١٪ من المستطلعين يرون أن السببَ الرئيسي لغياب قانون الحق في الحصول على المعلومات هو غياب الإرادة السياسية.

وفي الوقت نفسه، فإن المستفيدين من غياب القانون هم أولئك الذين يسعون لإخفاء تفاصيل قد تكشف شبهات فساد أو انتهاكات لحقوق الإنسان بحسب المستطلعين .

غياب المعلومات ..غياب الاستثمار

ولا يعيق غياب القانون عملَ الباحثين والصحفيين فقط، بل يشكّل عائقًا أمام المستثمرين أيضًا، إذ يحتاج الاستثمار إلى بيانات واضحة عن القوانين، الضرائب، البنية التحتية، فرص السوق، المخاطر، والمناقصات الحكومية. وعندما يتعذّر الوصول لهذه المعلومات، يصبح تقييم المخاطر أكثر صعوبة، ويشعر المستثمر بعدم اليقين، مما يجعل أي خطوة استثمارية مغامرةً غير مبنية على وقائع وبيانات واضحة.

وهنا يوضح مؤيد عفانة الباحث في الشؤون المالية والموازنة الفلسطينية أن غياب قانون الحصول على المعلومات سيحول أمام الاستثمار فالمستثمر “جبان” وبحاجة للمعلومات الكافية للاستثمار ليتمكن من تقييم المخاطر، وإذا لم تتوافر الأرقام الاقتصادية والإحصائية التي يحتاجها فإن سيبحث عن بيئة ثانية للاستثمار تتوافر فيها المعلومات المطلوبة والشفافية.

الانضمام إلى اتفاقية مكافحة الفساد على الورق

وعلى الرغم من انضمام فلسطين عام ٢٠١٤ إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تنص في المادة ١٠ على ضرورة إبلاغ الناس لتعزيز الشفافية في الإدارة العمومية، والمادة ١٣ التي تتيح مشاركة المجتمع في مكافحة الفساد عبر آليات أهمها تمكينهم من الحصول على المعلومات، إلا أن فلسطين لم تُقر مسودةً للقانون الذي يشكل ركيزة أساسية للمساءلة ومكافحة الفساد.

وجاء في ملاحظات لجنة الأمم المتحدة لعام ٢٠٢١ أن فلسطين لم تعتمد قانونًا محددًا بشأن الحصول على المعلومات رغم وجود مشروع قانون منذ سنوات عدة.

فيما يرى البرغوثي أن إخفاء المعلومات العامة يؤشر بشكل كبير إلى ضعف في منظومة النزاهة ويؤشر إلى وجود شبهات في إدارة الشأن العام والمال العام وبالتالي فإن تغييبه والتصميم على تغييبه يجعلنا نشكك بأن هناك أمور يراد إخفاؤها خاصة وأن العلاقة وثيقة جداً ما بين مكافحة الفساد والحق في الحصول على المعلومات.

من جهتها تقول رشا عمارنة المستشارة القانونية في هيئة مكافحة الفساد إن حق الحصول على المعلومات يمكن العامة من اكتشاف وجود انحرافات التي قد تشكل شبهات فساد، وبالتالي في حال كانت هذه الانحرافات تحتوي على شبهات فساد يجب التبليغ عنها مما يساهم ويساعد هيئة مكافحة الفساد في أداء عملها في مكافحة الفساد وإنفاذ القانون.

نسخة مفاجئة ومختلفة على ما تم الاتفاق عليه مسبقا

ومع تعاقب الحكومات الفلسطينية وغياب المجلس التشريعي، انصبّت جهود مؤسسات المجتمع المدني على إعداد نسخة من القانون تلبِّي الأهداف المرجوة، ومع ذلك لا يزال القانون مجرد مسودة في أدراج الحكومة، حتى صدرت مسودة جديدة عام ٢٠٢٣ تختلف عن تلك التي اتفقت عليها المؤسسات بحسب ما أفادنا به الباحث في الهيئة المستقلة لحقوق الانسان طاهر المصري.

من جانبها شيرين الخطيب القائمة بأعمال مدير مركز مدى لحريات الصحفيين أن المسودة عام ٢٠٢٣ لا تنطلق من مبدأ أساسي وهو الإفصاح عن المعلومات وهذه هي قاعدة أساسية في حق الحصول على المعلومات كما تضمنت العديد من الاستثناءات على طلب الحصول على المعلومات، وتتخذ من تجارب عدد من الدول العربية وهي دول ذات النظم غير الديمقراطية.

قانون مرتقب هل يلبي الحاجة ؟

وتؤكد الحكومة الحالية برئاسة محمد مصطفى أن العمل جارٍ لوضع القانون على طاولة الرئيس بعد مناقشة كافة النسخ والمسودات السابقة، رغم أنه في عام ٢٠١٨ تم التوافق على نسخة شبه نهائية من كافة الأطراف المختصة والمعنية وهو ما ورد على لسان أحمد ذبالح وكيل وزارة العدل.

هيئة مكافحة الفساد وبالتعاون مع وزارة العدل، نشرت مسودة قرار بقانون بشأن الحق في الحصول على المعلومات بتاريخ ٣١-١٠-٢٠٢٥ عبر منصة التشريع التابعة للوزارة، من أجل الحصول على الملاحظات المجتمعية حولها، في وقت اكد فيه رائد رضوان رئيس هيئة مكافحة الفساد لوطن أن المسودة النهائية ناقشتها الهيئة مع مؤسسات المجتمع المدني ومختلف الأطراف، وستكون جاهزة لإقرار مجلس الوزراء قبل نهاية العام الجاري ومن ثم رفعها للرئيس محمود عباس للإقرار الرسمي.

القانون وحده لا يكفي

بحسب منتصر حمدان فإن إقرار القانون وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى بيئة قانونية وإجرائية مواتية غير متوفرة حاليًا قد تستغرق ٤ سنوات، مما قد يعني المزيد من الوقت ليكون هذا القانون نافذا فعالا، ومع ذلك فإن أي خطوة جدية في هذا الإطار هي بمثابة بداية نحو الشفافية والمساءلة.

يشار إلى أن نحو ١٣٠ دولة حول العالم أقرت هذا القانون، الذي أُقر لأول مرة في السويد عام ١٧٦٦، ويعتبر أقدم قانون من نوعه في التاريخ. أما على الصعيد العربي فقد أقرته ست دول: السودان، المغرب، لبنان، اليمن، الأردن، وتونس.

يُظهِر واقع الحق في الحصول على المعلومات في فلسطين أن المشكلة لا تقتصر على تعطيل إصدار القانون فحسب، بل تمتد إلى غياب البيئة التشريعية والتنفيذية التي تضمن تطبيقه فعليًا.

وبناءً على ذلك، فإن استمرار حجب المعلومات عن الصحفيين والباحثين والمجتمع المدني يُضعف الشفافية، ويُغذّي الشائعات، ويتيح المجال لانتشار بيئات الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان، كما يشكّل عائقًا أمام جذب الاستثمارات ونموها.

المصدر …وكالة وطن للأنباء

Share This Article