المسار : كشفت دراسة تحليلية جديدة عن وجود انحياز واسع في تغطية وسائل الإعلام الأمريكية للحرب على غزة، معتبرة أن المؤسسات الإعلامية الكبرى لعبت دوراً رئيسياً في ترويج الرواية الإسرائيلية وتقليص مساحة التعاطف مع الفلسطينيين خلال الحرب المستمرة على القطاع.
وبحسب الدراسة، التي أعدها الكاتب والباحث الأمريكي آدم جونسون ضمن كتابه الجديد “كيفية بيع الإبادة الجماعية: تواطؤ وسائل الإعلام في تدمير غزة”، فإن التغطية الإعلامية الأمريكية اتسمت بـ”الأحادية والعنصرية وتجريد الفلسطينيين من الإنسانية”، ووصلت في بعض الحالات إلى مستوى “التحريض الصريح”.
واعتمدت الدراسة على تحليل أكثر من 12 ألف مادة صحفية منشورة في صحف ومواقع أمريكية بارزة، بينها نيويورك تايمز وواشنطن بوست وCNN وبوليتيكو وأكسيوس ويو إس إيه توداي ووكالة أسوشيتد برس، إضافة إلى تحليل نحو 5 آلاف مقطع تلفزيوني بُثت على شبكتي CNN وMSNBC.
وركزت الدراسة على وسائل الإعلام ذات التوجه الليبرالي أو الوسطي التي كان لها تأثير مباشر على إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن خلال السنة الأولى من الحرب، مع تركيز خاص على الأشهر الأولى التي شهدت تثبيت الرواية الإسرائيلية للحرب.
الدفاع عن “حق إسرائيل” فقط
أظهرت نتائج الدراسة أن وسائل الإعلام الأمريكية استخدمت عبارة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” بصورة شبه حصرية لصالح دولة الاحتلال، حيث جرى تكرارها في القنوات التلفزيونية والصحف بمعدلات تفوق عشرات المرات أي حديث مماثل عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم.
وبحسب التحليل، جرى استخدام هذا المصطلح في شبكتي CNN وMSNBC لصالح دولة الاحتلال بمعدل يفوق 94 مرة مقارنة بالفلسطينيين، فيما تجاوز الفارق في الصحافة المكتوبة 100 مرة.
كما كشفت الدراسة أن وسائل الإعلام استخدمت مصطلح “الدروع البشرية” بصورة مكثفة لتبرير سقوط الضحايا المدنيين الفلسطينيين، عبر وصف وجود مقاتلين فلسطينيين قرب مناطق مدنية بأنه استخدام للمدنيين كدروع بشرية.
وفي المقابل، لم ترصد الدراسة أي استخدام مماثل للمصطلح لوصف ممارسات الجيش الإسرائيلي، رغم وجود حالات موثقة تتوافق مع التعريف القانوني لاستخدام الدروع البشرية، وفق ما ورد في التقرير.
معايير مزدوجة فاضحة
أشارت الدراسة إلى وجود معايير مزدوجة في استخدام المفردات العاطفية المرتبطة بقتل المدنيين، حيث استخدمت وسائل الإعلام كلمات مثل “مجزرة” و”همجية” و”ذبح” بصورة شبه حصرية عند الحديث عن القتلى الإسرائيليين، بينما غابت هذه المصطلحات إلى حد كبير عند تناول استشهاد آلاف الفلسطينيين.
وخلال أول مئة يوم من الحرب، التي شهدت استشهاد نحو 24 ألف فلسطيني، استخدمت وسائل الإعلام الأمريكية هذه المفردات بصورة منحازة لصالح دولة الاحتلال، بحسب الدراسة.
كما اتهمت الدراسة وسائل الإعلام الأمريكية بالمساهمة في التشكيك بأعداد الضحايا الفلسطينيين، خاصة بعد قصف مستشفى الأهلي العربي في غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأوضحت أن وسائل إعلام أمريكية تبنت أوصافاً مثل “وزارة صحة تديرها حماس” أو “تسيطر عليها حماس” عند الحديث عن أرقام الضحايا الفلسطينيين، ما ساهم في تقويض مصداقيتها أمام الجمهور الأمريكي.
ولفتت الدراسة إلى أن هذا الخطاب الإعلامي استمر رغم اعتماد جهات دولية كمنظمة الصحة العالمية وهيومن رايتس ووتش ووزارة الخارجية الأمريكية نفسها على بيانات وزارة الصحة في غزة.
غياب التعاطف مع شهداء غزة
في محور آخر، قارنت الدراسة بين التغطية الإعلامية لضحايا الحرب في غزة ونظرائهم في أوكرانيا، مشيرة إلى أن الضحايا الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال والصحفيون، لم يحظوا بمستوى التعاطف أو التغطية نفسه الذي حصل عليه الضحايا الأوكرانيون.
كما رصدت الدراسة تفاوتاً واضحاً في التعامل الإعلامي مع قضايا معاداة السامية والإسلاموفوبيا داخل الولايات المتحدة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
وأوضحت أن التغطية الإعلامية ركزت بصورة شبه كاملة على معاداة السامية، مقابل تجاهل أو تهميش حالات التمييز ضد المسلمين والعرب والفلسطينيين داخل الجامعات والمجتمع الأمريكي.
وأشارت الدراسة إلى أن الطلاب المحتجين ضد الحرب على غزة جرى تصويرهم في وسائل الإعلام الأمريكية باعتبارهم متهمين بمعاداة السامية، بينما لم تحظَ الانتهاكات أو المضايقات التي تعرض لها الطلاب العرب والمسلمون بتغطية تذكر.
كما تناولت الدراسة قضية الطفلة الفلسطينية هند رجب، التي استشهدت مع عائلتها بعد استهداف سيارتهم في غزة، معتبرة أن وسائل الإعلام تجاهلت القضية بصورة لافتة مقارنة بالتغطية المكثفة التي حصلت عليها رئيسة جامعة هارفارد السابقة كلودين غاي خلال أزمة اتهامات معاداة السامية داخل الجامعة.
وبحسب الدراسة، ظهرت أخبار كلودين غاي على الصفحة الرئيسية لصحيفة نيويورك تايمز خلال 15 يوماً من أصل 31 يوماً شهدت ذروة الجدل، بينما لم تحظَ هند رجب بأي ظهور مماثل خلال الشهر الذي أعقب مقتلها.
واعتبر الباحث آدم جونسون أن هذه المؤشرات مجتمعة تعكس نمطاً إعلامياً قائماً على منح قيمة أكبر للحياة الإسرائيلية مقارنة بالحياة الفلسطينية، بما يساهم في تشكيل الرأي العام الأمريكي بصورة منحازة تجاه حرب الإبادة على غزة.

