المسار :كتب د. إسماعيل المسلماني: تشهد العلاقات الدولية في العقدين الأخيرين تحولات عميقة تعكس حالة من عدم الاستقرار البنيوي، يمكن توصيفها بمفهوم «الفوضى المنظَّمة». لا تشير هذه الحالة إلى غياب كامل للنظام، بل إلى تفكك القواعد التقليدية التي حكمت النظام الدولي، مقابل بروز أنماط جديدة من إدارة الصراع تقوم على القوة، الانتقائية القانونية، وتعدد مراكز النفوذ. تهدف هذه المقالة إلى تحليل مفهوم الفوضى المنظَّمة، جذوره، تجلياته في السياسة الدولية، وانعكاساته على الدول الضعيفة والمجتمعات الهشّة.
ارتبط النظام الدولي تاريخيًا بمحاولات تنظيم العلاقات بين الدول عبر قواعد قانونية ومؤسسات دولية، كان أبرزها منظومة الأمم المتحدة والقانون الدولي. إلا أن السنوات الأخيرة أظهرت تراجعًا واضحًا في فاعلية هذه المنظومة، مع تصاعد النزاعات المسلحة، وتآكل مفهوم السيادة، وعودة منطق القوة بوصفه أداة رئيسية في إدارة العلاقات الدولية. في هذا السياق، برز مفهوم «الفوضى المنظَّمة» لوصف مرحلة انتقالية يتعايش فيها النظام والفوضى في آن واحد.
أولًا: مفهوم الفوضى المنظَّمة
تشير الفوضى المنظَّمة إلى حالة يكون فيها النظام الدولي قائمًا شكليًا عبر مؤسسات وقوانين، لكنه يُدار فعليًا وفق مصالح القوى الكبرى، بعيدًا عن القواعد المعلنة. فالقانون الدولي لا يُلغى، بل يُطبَّق بانتقائية، وتُستخدم المؤسسات الدولية كأدوات ضغط سياسي بدل كونها مرجعيات عدالة محايدة. بذلك، تتحول الفوضى إلى أداة إدارة، لا إلى نتيجة عشوائية.
ثانيًا: جذور الفوضى المنظَّمة
تعود جذور هذه الظاهرة إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها:
نهاية القطبية الثنائية وبروز نظام دولي غير مستقر.
صعود قوى دولية وإقليمية جديدة تنازع الهيمنة الغربية.
تراجع الدور الردعي للقانون الدولي والمؤسسات الأممية.
توظيف الأزمات (الحروب، الإرهاب، الاقتصاد) لإعادة تشكيل مناطق النفوذ.
هذه العوامل أسهمت في خلق عالم تحكمه موازين قوى متحركة، لا قواعد ثابتة.
ثالثًا: تجليات الفوضى المنظَّمة في الواقع الدولي
تتجلى الفوضى المنظَّمة في عدة مظاهر، ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الدولية، من خلال شرعنة الاحتلال أو العدوان تحت ذرائع أمنية أو إنسانية، وانتشار الحروب بالوكالة بدل المواجهات المباشرة، وتهميش قضايا الشعوب الضعيفة لصالح حسابات المصالح الكبرى.
هذه الممارسات تؤدي إلى إضعاف الثقة بالنظام الدولي، وتغذية مشاعر الظلم وعدم العدالة.
رابعًا: انعكاسات الفوضى المنظَّمة على الدول الضعيفة
تدفع الدول الضعيفة والمجتمعات الواقعة تحت الاحتلال أو النزاعات ثمن هذه الفوضى، حيث تتحول إلى ساحات صراع مفتوحة، وتُحرم من الحماية الدولية الفعلية. كما يؤدي ذلك إلى تفكك داخلي، تصاعد العنف، وتراجع فرص التنمية والاستقرار، في ظل غياب مساءلة حقيقية للقوى المتسببة بالأزمات.
تشكل الفوضى المنظَّمة مرحلة انتقالية خطِرة في تاريخ النظام الدولي، حيث لم يعد العالم محكومًا بقواعد واضحة ولا متجهًا نحو نظام بديل مستقر. إن استمرار هذه الحالة يهدد السلم العالمي ويعمّق الفجوة بين الدول القوية والضعيفة. وعليه، فإن إعادة الاعتبار للقانون الدولي، وتعزيز العدالة في تطبيقه، تمثل شرطًا أساسيًا للخروج من هذه الفوضى، قبل أن تتحول إلى حالة دائمة يصعب احتواؤها.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

