مع اقتراب أولى زخّات المطر : القلق يعود.. سكان غزة يستقبلون المطر بالخوف لا بالفرح

المسار: مع اقتراب أولى زخّات المطر، لا يتهيأ سكان قطاع غزة لاستقبال الشتاء كما تفعل الشعوب عادة. فالمطر هنا لا يحمل رائحة البدايات، بل يعيد فتح جراح لم تلتئم؛ إنذار مبكر بعودة معاناة تتجدد كل عام، حيث تختلط مياه السماء بصور البيوت المهدمة، والخيام الغارقة، والأطفال الذين يرتجفون من البرد.

في شوارع القطاع، يتفقد الأهالي أسطح المنازل المتشققة، بينما يشدّ النازحون أطراف خيامهم المهترئة بما تيسر من أقمشة ونايلون، في محاولة يائسة لصدّ مياه يعرفون أنها ستتسلل مهما حاولوا. سنوات الحصار والحروب المتكررة أنهكت البنية التحتية، وحوّلت الشتاء إلى موسم طوارئ دائم.

خوف يتجدد مع كل منخفض
يقول مهند اسليم : “نخاف من المطر أكثر من القصف أحيانًا. القصف ينتهي، لكن المطر يعيدنا كل ليلة إلى الخوف نفسه: هل ستغرق الخيمة؟ هل سيبرد الأطفال؟ هل سنفقد ما تبقى لنا؟”.

ويضيف أن مجرد سماع خبر اقتراب منخفض جوي يكفي لإعادة القلق إلى الواجهة: “أبحث دائمًا عن طريقة تمنع غرق الخيمة، لكن كل المحاولات تفشل. أتابع نشرات الطقس يوميًا، وكأنني أترقب كارثة جديدة.”

هذا الخوف، كما يصفه سكان كثر، ليس شعورًا فرديًا، بل ذاكرة جمعية تشكلت عبر تجارب قاسية: فيضانات اجتاحت المخيمات، مياه صرف صحي فاضت في الأزقة، وخيام انهارت فوق ساكنيها. ومع كل شتاء، يعود الإحساس بالعجز أمام أبسط حقوق الإنسان: الدفء والأمان.

أمهات في مواجهة العجز
فدوى ريان، وهي نازحة تعيش في خيمة، تقول : إن دخول أي منخفض جوي يحول حياتها إلى حالة من التوتر المستمر: “لا أستطيع حماية أطفالي من المرض. لا توجد خيارات، ولا قدرة على مواجهة البرد. هذا العجز يرافقني طوال الشتاء، ويؤثر على علاقتي بكل من حولي.”

وتشير إلى أن خوفها لا يرتبط بتجربتها فقط، بل بما تسمعه من قصص النازحين خلال العواصف: خيام تتطاير، أخرى تغرق، وأشخاص يفقدون حياتهم بسبب البرد القارس.

خوف مكتسب… وذاكرة لا تهدأ
الأخصائية النفسية سهام أصليح توضح ل: إن الخوف من المنخفضات الجوية في غزة ليس رد فعل عابرًا، بل خوف مكتسب مرتبط بتجارب الحرب والظروف القاسية المتكررة.

وتقول: “الناس هنا لا يخافون المطر بحد ذاته، بل ما يحمله من ذكريات مؤلمة: خيام غرقت، أطفال مرضوا، وممتلكات قليلة جرفتها المياه. لذلك يُنظر إلى أي منخفض كأنه تهديد جديد للأسرة وما تبقى لها.”

وتشير إلى أن هذا الخوف يسبق المطر نفسه، نتيجة تراكم أحداث مثل فيضان البحر وغرق الخيام وانهيار المباني. وتصف هذه الحالة بـ”التأهّب النفسي”، حيث يتفاعل الناس مع المواقف المؤلمة حتى لو لم يعيشوها مباشرة.

وتوضح أن القلق يظهر بوضوح لدى مختلف الفئات: “الأطفال: تبول لاإرادي، فزع ليلي، كوابيس. النساء: توتر مرتفع، شعور بعدم القدرة على إدارة الأزمات، إرهاق جسدي ونفسي. كبار السن: إحساس بالعجز وعبء نفسي إضافي خوفًا على العائلة”.

يأتي هذا الشتاء بينما يعيش القطاع آثار عدوان مستمر منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، خلّف إبادة جماعية شملت القتل والتجويع والتهجير والاعتقال، متجاهلًا النداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقفها.

وأسفر العدوان عن أكثر من 242 ألف شهيد وجريح، معظمهم أطفال ونساء، إضافة إلى 11 ألف مفقود، ومئات آلاف النازحين الذين يعيشون في خيام لا تقي من البرد، وسط مجاعة أودت بحياة كثيرين، ودمار واسع محا معظم مدن القطاع.

في هذا المشهد، لا يعود المطر نعمة، بل فصلًا آخر من فصول المعاناة، يختبر فيه الغزيون قدرتهم على الصمود فوق ركام الحرب وتحت سماء مثقلة بالغيوم.

المصدر: قدس برس

Share This Article