لكن الأمر لم يُخطَّط ليكون فخًا. كان حدثًا مدنيًا مهمًا وملهمًا. عشرات الآلاف من أبناء المجتمع العربي خرجوا أخيرًا إلى الشوارع، إلى سخنين، ليجهروا بالرفض أمام اللامبالاة المروّعة للحكومة تجاه المذبحة المستمرة في المجتمع العربي. هذه الطاقة النادرة ترجمها أحد أبناء سخنين الشجعان — صاحب عمل يتعرّض لتهديدات من عصابات الجريمة — إلى إعلان عن جهد مشترك للعمل على إقامة قائمة موحّدة. لا مبادئ محددة، لا توزيع مواقع، لا قائد متّفق عليه، لكن هناك إرادة جماهيرية جارفة لولادة مثل هذه القائمة. وهناك أيضًا من يملكون من الحنكة ما يكفي لتحويل الإعلان والصورة المشتركة إلى عناوين إعلامية توحي بأن «القائمة المشتركة» قد أُعيد تأسيسها بالفعل — كأننا أمام نهاية المسار، لا بدايته المتعثّرة.
ثمّة دلالة إضافية: معسكر نتنياهو، الذي يحصد اليوم بين 49 و52 مقعدًا، سيتراجع بدوره بمقعدين أو ثلاثة. وإذا وجد هذا المعسكر نفسه عند 46–49 مقعدًا فقط، فهل ستواصل الأحزاب الحريدية تمسّكها بنتنياهو؟ وهل سيبقى هو في الواجهة في وضع كهذا، أم ينسحب ليتيح لليكود الانضمام إلى حكومة جديدة؟منصور عباس يدير خطواته السياسية بحذر، محاولًا إبقاء مساحة مناورة تسمح له بدخول الائتلاف. من وجهة نظره، القائمة المشتركة تشكّل معضلة حقيقية: فهي تلصقه ببلد وببعض نواب الجبهة، ما سيصعّب على ليبرمان وبينيت العودة إلى احتضانه سياسيًا. عباس ذكي بما يكفي ليدرك أن المزاج الشعبي الذي انفجر في سخنين خرج من القمقم، ولن يكون من السهل إعادته إلى نقاشات تقنية حول ترتيب الأسماء أو هوية من يتصدر القائمة. في المقابل، سيطالب بثمن واضح لانضمامه: عدد أكبر من النواب في مواقع مضمونة. فإذا حصل على ستة أو سبعة مقاعد فعلية، يصبح الطريق إلى استكمال 61 مقعدًا لمعسكر التغيير أقصر وأسهل.
قيادة معسكر التغيير لم تكن راضية عن صورة سخنين، بلغة مخففة. من منظور بينيت، لو أمكن إجراء انتخابات بلا أحزاب عربية أصلًا، لكان ذلك الخيار المفضّل لديه. فبين الأحزاب اليهودية وحدها، يملك معسكره وفق الاستطلاعات أغلبية ثابتة. لكن الواقع شيء آخر: على بينيت وشركائه أن يتقبلوا حقيقة أن المجتمع العربي سيحصل على تمثيل وازن على الأرجح؛ ونتنياهو وحلفاؤه لن يسعوا إلى قمع التصويت هناك، لأنهم هم أيضًا يدركون هذه الحقيقة.
بدل الاستغراق في الأوهام، من الأفضل أن يسارع بينيت وليبرمان إلى صياغة استراتيجية انتخابية أذكى للتعامل مع هذا السيناريو. فمواصلة توزيع الوعود الجوفاء، من قبيل “سنشكل حكومة بلا حريديم وبلا عرب”، لن تنجح.

