| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
معهد بحوث الأمن القومي (INSS) 13/3/2026
الحرب التي لم ترغب بها تركيا
بقلم: غاليا لندنشتراوس
مقدمة
إن استياء تركيا من اندلاع الحرب في إيران، الذي تعتبره أنقرة تجسيدًا لسيناريوهات استراتيجية بالغة السوء بالنسبة لها، كبيرٌ للغاية، وهي تعمل جاهدةً لإنهاء القتال في أسرع وقت ممكن. تُشكّل الحرب تحديات مباشرة للأتراك، بدءًا من إطلاق الصواريخ باتجاه إيران، مرورًا بمخاوف موجة نزوح كبيرة، وصولًا إلى تجدد تصاعد التوتر الكردي من إيران. وعلى الصعيد الإقليمي، تشعر أنقرة، التي تتهم إسرائيل بدفع الولايات المتحدة إلى الحرب، بالقلق إزاء تعزيز النفوذ الإسرائيلي الأمريكي في المنطقة، وترد بخطوات عسكرية غير مسبوقة، مثل نشر طائرات مقاتلة في قبرص. اقتصاديًا، من المتوقع أن يُفاقم الصراع الضغوط التضخمية في تركيا، التي تستورد نحو ثلثي احتياجاتها من الطاقة، بعضها من إيران. ونتيجةً لذلك، تُسرّع تركيا من وتيرة تعزيز قدراتها العسكرية، وفي الوقت نفسه، يتزايد الحديث عن الحاجة إلى أسلحة نووية كوسيلة ردع. ومع ذلك، فإن إضعاف إيران قد يفتح آفاقًا جديدة أمام تركيا لترسيخ نفوذها في المنطقة بأسرها.
إن استياء تركيا من اندلاع الحرب في 28 شباط لافتٌ للنظر في ظل الجهود الدبلوماسية التي بذلتها أنقرة على مر السنين لتجنب هذا التطور. فقد اعتقدت أنقرة أن حل القضية النووية الإيرانية دبلوماسي، وعارضت استخدام الوسائل العسكرية لردع إيران عن المضي قدماً في برنامجها النووي. في الواقع، يعكس مسار الحرب الحالي بعض السيناريوهات السلبية التي توقعتها أنقرة في حال اندلاع حرب مع إيران. وفي خطاب ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 9 آذار، أكد أن الهدف الرئيسي هو إبقاء البلاد بعيدة عن “هذا اللهيب”. ويتسم الخطاب التركي المحيط بالحرب باتهام إسرائيل بأنها من جرّت الولايات المتحدة إلى مهاجمة إيران، وأنها كانت عاملاً حاسماً في قرار الإدارة الأمريكية اتخاذ هذه الخطوة.
أبرز النتائج المباشرة للحرب على ما يحدث في تركيا هو إطلاق صواريخ على أراضيها واعتراضها من قبل أنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). ورغم عدم وقوع أضرار مباشرة، فإن كون تركيا هدفاً للهجمات الإيرانية يُعد تطوراً سلبياً للغاية بالنسبة لأنقرة. على الرغم من وجود محاولاتٍ للتقليل من خطورة الهجوم، من خلال الادعاء، من بين أمور أخرى، بعدم وضوح وجهة الإطلاق (على الأقل الصاروخ الأول)، وأن عمليات الإطلاق على تركيا قد تشير إلى ضعف القيادة المركزية في إيران، وأنها مبادرات محلية، إلا أن مصداقية هذه الحجج تضاءلت مع إطلاق الصاروخ الثاني، إذ بات من الصعب الجزم بأن هذا كان حدثًا فرديًا.
يُعدّ وصول موجة كبيرة من اللاجئين إلى أراضي تركيا أحد أهم مخاوف تركيا بشأن زعزعة استقرار إيران. فكما كان لحروب العراق وسوريا تداعيات سلبية على تركيا من حيث موجات اللاجئين، كذلك الحال هذه المرة. وتخشى تركيا، التي تشترك في حدود مع إيران، أن يؤدي عدم الاستقرار الداخلي في إيران نتيجة الحرب إلى تكرار هذه النتيجة.
ومن المخاوف الأخرى تصاعد حدة القضية الكردية. بعد إعلان الحركة الكردية السرية، النشطة عسكريًا منذ ثمانينيات القرن الماضي، حلّها في أيار 2025، وبعد الإنجازات التي حققها نظام الشرع في كانون الثاني 2026 باحتلاله مناطق كانت تحت سيطرة المنطقة ذات الحكم الذاتي في شمال شرق سوريا (ذات الأغلبية الكردية)، يُعدّ تعزيز نفوذ الأكراد في إيران سيناريو قد يُغيّر مجرى الأحداث. ومن بين الأكراد الإيرانيين، ينشط الفرع الإيراني للحركة الكردية السرية، إلى جانب فصائل أخرى. وقد زادت التقارير، التي نُفيت لاحقًا، حول تسليح عناصر كردية إيرانية لتمكينها من العمل عسكريًا في غرب إيران، من مخاوف أنقرة في هذا الشأن، وضغطت على واشنطن لتجنب التحرّك في هذا الاتجاه.
أما الجانب الآخر فهو اقتصادي. تستورد تركيا نحو ثلثي استهلاكها من الطاقة، وبالتالي فإن عدم استقرار سوق الطاقة، فضلًا عن ارتفاع الأسعار، سيؤثر عليها ويُعقّد جهودها لكبح التضخم في البلاد (حيث بلغ معدل التضخم السنوي 32 في المئة في شباط 2026). على الرغم من التقلبات، تُعدّ إيران ثاني أهم مورد للغاز لتركيا (حوالي 13 في المئة من واردات تركيا من الغاز الطبيعي).
ويتفاقم خوف تركيا من عدم الاستقرار في إيران وسقوط النظام هناك، إذ يُعتقد أنه من الممكن إعادة نظام بقيادة التحالف الأمريكي الإسرائيلي، ما يُسهم في تعزيز نفوذ إسرائيل في المنطقة. وتُعزز تصريحات السياسيين الإسرائيليين بشأن رؤية “إسرائيل الكاملة” و”إسرائيل التوراتية”، بالإضافة إلى تصريحات إسرائيلية حول “التهديد الكبير القادم” من تركيا، الانطباع بأن النفوذ الإسرائيلي المفرط في إيران يُشكل خطراً على تركيا.
علاوة على ذلك، تُؤثر الحرب على مناطق لأنقرة مصالح كبيرة فيها. فعلى سبيل المثال، أثار إطلاق طائرات مُسيّرة باتجاه قبرص، والذي نُسب إلى حزب الله، وتحديداً باتجاه القاعدة البريطانية هناك في أكروتيري، رد فعل غربي واسع. وقد أرسلت اليونان وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا طائرات وسفناً إلى المنطقة، ومن المتوقع وصول مدمرة بريطانية وفرقاطة هولندية أيضاً. في ضوء استياء أنقرة من تعزيز القوات الغربية في الجزيرة، قررت نشر ست طائرات من طراز إف-16 في شمالها. ورغم امتلاك تركيا لقوات برية كبيرة في شمال الجزيرة، وتشغيلها قاعدة للطائرات المسيّرة هناك، إلا أن نشر الطائرات المقاتلة – وهي خطوة لم تتخذها منذ عقود – يُعدّ إجراءً غير مألوف.
يشكل إطلاق طائرات مسيرة باتجاه ناخيتشيفان، الجيب الأذربيجاني المتاخم لتركيا وإيران وأرمينيا، تصعيدًا مقلقًا للأتراك. وعلى النقيض من محاولة التقليل من خطورة إطلاق الصواريخ على تركيا، أدانت أذربيجان بشدة إطلاق الطائرات المسيرة على أراضيها، وردت بإجلاء دبلوماسييها من إيران. كما زاد اعتقال عناصر من الحرس الثوري كانوا يخططون لضرب أهداف إسرائيلية ويهودية في أذربيجان، بالإضافة إلى خط أنابيب النفط باكو-تبليسي-جيهان، من حدة التوتر بين البلدين. ورغم أنه لا توجد محاولة واضحة في حالة أذربيجان، مقارنةً بحالة قبرص، لاستدراج قوات دولية، فإن دخول أذربيجان الفعلي في الحرب سيعقد حسابات تركيا بشكل كبير، التي تعتبر نفسها ضامنة لأمنها. وفي هذا السياق، انتشرت مزاعم مؤامرة على وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا، تزعم أن الهجوم على أذربيجان كان مدبرًا ونفذته قوات إسرائيلية تعمل في إيران. تجدر الإشارة أيضًا إلى أن الأقلية الأذرية هي أكبر الأقليات في إيران، وبالتالي فإن تحركات أذربيجان في إيران قد يكون لها تداعيات داخلية.
كما أن كون قطر هدفًا للهجمات الإيرانية يُثير قلق أنقرة. ورغم أنه لم تتضح بعدُ النتائج التي ستُتوصل إليها الدوحة بعد الحرب، فمن الواضح أن إعادة النظر ستكون ضرورية هناك في الطريقة الأمثل للدفاع عن البلاد. وعلى عكس الحصار المفروض على قطر العام 2017، حين خففت المساعدات التركية من آثاره السلبية، بل ومنعت، على الأقل من وجهة النظر التركية، احتلال البلاد، يبدو هذه المرة أن الدعم التركي لقطر ذو تأثير رادع محدود.
وكما اتضح بعد حرب الأيام الاثني عشر بين إسرائيل وإيران في حزيران 2025، كان رد الفعل التركي على الحرب ذا طابع داخلي، ودعوة إلى تعزيز القدرات. وقد تم تحديد الثغرات في القدرات في مجالات القوات الجوية والدفاع الجوي والفضاء الإلكتروني والصواريخ، ومعالجتها. على الرغم من أن نظام اعتراض الصواريخ التابع لحلف الناتو قد عمل بكفاءة عالية في اعتراض الصواريخ التي أُطلقت على تركيا، إلا أن الحاجة إلى القدرات المحلية في هذا السياق تبرز بوضوح. حتى قبل اندلاع الحرب في 28 شباط، كان هناك نقاش حاد حول حاجة تركيا إلى امتلاك أسلحة نووية. والآن، يُعدّ سحق إيران من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة، لا سيما في ضوء حقيقة أن إيران لم تُحقق القدرة النووية العسكرية، مبرراً لأنصار تركيا للمضي قدماً في برنامجها النووي العسكري.
مع أن تركيا لم تكن ترغب في الحرب، إلا أنه لا ينبغي لها أن تتوهم أنها ستكون بالضرورة في الجانب الخاسر. فأنقرة قادرة على احتواء التداعيات المزعزعة للاستقرار التي قد تنجم عن الحرب، سواء في سياق وقف موجات اللاجئين أو في السياق الكردي. يجب التذكير بأن موجة اللاجئين الكبيرة من سوريا وصلت إلى تركيا لأنها فتحت أبوابها، مُفترضةً أن نظام الأسد سيسقط قريباً. وبالمثل، فيما يتعلق بالقضية الكردية، لا ينبغي المبالغة في تأثير الأكراد في إيران على جوانبها. (الجانب الآخر من القضية الكردية). كما أن إضعاف إسرائيل لحزب الله قد حقق نتائج إيجابية لتركيا في سوريا، فإن الحرب الحالية، التي ستؤدي إلى إضعاف إيران في المستقبل القريب، قد تستغلها تركيا لتعزيز مصالحها في المنطقة، ولا سيما في العراق، حيث يدور صراع تركي إيراني على النفوذ. وعلى عكس التصورات التركية، من المرجح أن يكون تأثير إسرائيل على ما يحدث في إيران بعد الحرب محدودًا، وأن تتمكن أنقرة من توظيف شبكة علاقاتها في إيران على النحو الأمثل.
مع ذلك، فإن الحرب الحالية تُعمّق إدراك تركيا للتهديد الإسرائيلي، وتُعزز في الوقت نفسه إدراك إسرائيل لوجهة نظرها، التي ترى في تركيا تهديدًا متناميًا. ويُعدّ اتهام إسرائيل بأنها المحرّض والعامل الحاسم في جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، فضلًا عن نظريات المؤامرة التي تزعم أن إسرائيل تُنفّذ عملياتٍ مُضلّلة لجرّ تركيا وأذربيجان إلى الحرب، مؤشرات على ذلك. في ضوء سعي إسرائيل لتحسين موقعها الاستراتيجي نتيجةً للحملة الحالية، يجب عليها ضمان ألا تُترجم نجاحاتها العسكرية إلى صورةٍ لها في المنطقة كقوةٍ عدوانيةٍ متوحشة. لذا، عليها أن تُصاحب إنجازاتها العسكرية ببناء رؤيةٍ تتضمن أبعادًا إيجابيةً للمنطقة بأسرها. وفي السياق الثنائي، يتعين على إسرائيل وتركيا مواصلة تطوير آليات التنسيق التكتيكي بينهما لخفض حدة التوتر. إضافةً إلى ذلك، يجب على واشنطن، التي تعتبر كلاً من إسرائيل وتركيا شريكين مهمين، أن تُدرك أهمية الحملة في إيران بالنسبة للعلاقات التركية الإسرائيلية.
——————————————
هآرتس 13/3/2026
مرحلة خفض التوقعات، ايران لا تستسلم والجمهور لا يخرج الى الشوارع
بقلم: عاموس هرئيلِ
حسب الخطة الاصلية، مثلما كشف وزير الدفاع يسرائيل كاتس في هذا الأسبوع، كانت النية هي مهاجمة ايران في حزيران. بعد الحرب الأولى التي استمرت 12 يوم مع ايران في حزيران الماضي، تفاخر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بنجاحه في إزالة تهديدات وجودية مباشرة – تدمير إسرائيل بواسطة السلاح النووي، والتدمير بواسطة 20 ألف صاروخ بالستي. وأوضح نتنياهو في حينه “لقد حققنا نصر تاريخي سيستمر لاجيال”. واعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن القضاء الكامل على المشروع النووي الإيراني.
في الواقع كان الخبراء في الدولتين على دراية تامة بذلك. وأوضحوا في حينه بان هذا الكلام لا أساس له من الصحة، وقد تسبب المس بالمشروع النووي، لا سيما القصف الأمريكي للمنشأة تحت الأرض في فوردو، واغتيال إسرائيل لكبار مسؤولي المشروع، بضرر كبير لإيران. ولكن هناك قضية شائكة أخرى تتمثل بكمية الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، التي وزعتها ايران على ثلاثة مواقع محصنة. والعجز عن تدميرها ابقى ايران على مسافة غير بعيدة عن انتاج سلاح نووي بدائي. مع ذلك، بعد أسابيع قليلة على انتهاء القتال، تبين ان ايران قد استانفت برنامج الصواريخ البالستية وزادت من وتيرة انتاجها. ونتيجة لذلك فهي ستمتلك في غضون سنتين تقريبا آلاف الصواريخ التي يمكنها ضرب إسرائيل.
لقد بدأ الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي الاستعداد لهجوم مماثل. لم يظهر ترامب سوى اهتمام محدود بالامر الى حين اندلاع الاحتجاجات في ايران في بداية كانون الثاني الماضي. وبعد نجاحه في فرض تغيير الحكم في فنزويلا زاد اهتمام الرئيس الأمريكي بالامر. وكان من وراء ذلك الرغبة في السيطرة على أجزاء رئيسية من سوق النفط العالمية وترسيخ مكانة بارزة في التنافس على النفوذ مع الصين. لقد وعد ترامب المتظاهرين في ايران بان “المساعدة قادمة”، لكنه واجه صعوبة في الوفاء بوعده في الوقت المحدد. في الواقع تمت إبادة وذبح المتظاهرين بالآلاف على أيدي زعران النظام في الشوارع. وحتى عندما اقتنع الرئيس بالتحرك في 14 كانون الثاني، قام بتاجيل الهجوم بستة أسابيع من اجل تنفيذ خطة طموحة اكثر.
مع ذلك، يبدو انه رغم التنسيق غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والتقدم الكبير الذي احرزه جيش الدولتين في تحديد الأهداف ومهاجمتها، الا أن الخطة لم تكن قد اكتملت بعد. فقد انطلقت الدولتان مع الادراك بان بعض اهداف العملية ستكون صعبة على التحقق، وانهما ستحتاجان الى بضعة اشهر أخرى من الاستعداد الدقيق حسب الجدول الزمني الأصلي.
على وجه الخصوص استند أمل اسقاط النظام الى تفكير متفائل جدا: اذ كان الاعتقاد ان الضرر الذي سيلحق بأجهزة القمع في الجمهورية الإسلامية (الباسيج، الامن الداخلي، الشرطة والحرص الثوري) سيكون كبير جدا الى درجة ان الجمهور في ايران سيخرج مرة أخرى الى الشوارع لاعطاء صرح النظام المتداعي الدفعة الأخيرة والضرورية لسقوطه. وبدلا من ذلك يهدد النظام باطلاق النار على الفور على أي متظاهر يشارك في الاحتجاج. وبعد أسبوعين على اندلاع الحرب لم يتم استئناف الاحتجاج بعد (حتى مساء أمس).
كان الامل الذي تبدد معلق على الاكراد. فمنذ ستينيات القرن الماضي يتم نشر تقارير عن علاقات وثيقة بين الاستخبارات الإسرائيلية والأقليات التي تنتشر في ايران، العراق، تركيا وسوريا. لطالما ادعى الإيرانيون، حتى في السنوات الأخيرة، فان كردستان العراق على الحدود الشمالية الغربية لإيران، تستخدم كقاعدة متقدمة للعمليات الإسرائيلية.
قبل أسبوع تقريبا ظهرت في قنوات التلفزيون في إسرائيل نظرية مؤامرة حول معجزة كان من المفروض ان تحدث في القريب: نزول شركاؤنا الاكراد الشجعان من الجبال واشعال شوارع المدينة بالنار وتحفيز المتظاهرين على اقتحام النظام مرة أخرى. البعض تحدثوا عن مناورات تشبه مناورات جيمس بوند، من شانها ان تفاجيء السلطات الإيرانية. في غضون ذلك لم يتحقق أي شيء من ذلك. ويبدو ان خلافات شديدة تتصاعد، وبشكل ملحوظ، بين أجهزة المخابرات. بالمقارنة مع حرب الـ 12 يوم نحن لا نسمع أي شيء عن إنجازات أجهزة الاستخبارات ونجاحها. حاليا يقتصر الامر على استعراض القوة الجوية والاستخبارات العسكرية في الدولتين.
يتمتع الرئيس ترامب بشكل عام بحس سليم – مهما كان تعريفه – في التعامل مع المنظمات الإرهابية والطغاة، الذين حسب رايه، يهددون مصالح الولايات المتحدة والسلام العالمي (موقفه من روسيا والصين سلبي جدا بالطبع). بالمقارنة مع اسلافه جو بايدن وبراك أوباما، يبدو ان ترامب مصمم اكثر على اظهار القوة العسكرية لبلاده وعدم التردد في استخدام القوة ضد من هم أضعف منه. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية ينعكس هذا إيجابا في موقفه من ايران، حماس وحزب الله. لكن الحرب الجديدة تظهر أيضا عيوبها. فقد ذكرت وسائل الاعلام الامريكية بان ترامب تجاهل قبل شن الهجوم التحذيرات من ان الهجوم لن يؤدي الى تغيير النظام (الامر الذي لم يتم الإعلان عنه كهدف رسمي للحرب). وعند اندلاع الحرب بدأ في اطلاق تصريحات لانهائية، ويناقض نفسه ويحدث فوضى عارمة، ويثقل على كاهل فريقه المقرب من المستشارين باعباء العمل في محاولة التوسط في عدة نزاعات دولية في نفس الوقت، والمكافحة لفهم التفاصيل، ويفتقرون أحيانا للمعرفة والخبرة المطلوبة لاقتراح حل.
اما بالنسبة للحرب نفسها فيمكن ملاحظة نمط متكرر، مشترك بين الطرفين الإسرائيلي والامريكي. تبدأ الحملة بمفاجأة بفضل تخطيط واعداد محكم، يحث تدرك الجيوش الغربية تفوقها التكنولوجي والقوة الجوية وجمع المعلومات الاستخبارية، لكن سرعان ما يتبين ان للعدو خطط أيضا. فينجح في توسيع نطاق الحملة وجعلها اكثر ضراوة. وتواجه إسرائيل والولايات المتحدة صعوبة في انهائها في وقت معقول. والنتيجة هي صراع طويل الأمد وتفاقم الاضرار على الجبهة الداخلية في إسرائيل وفي دول الخليج في مواجهة خصم قوي نسبيا (ايران) وخصم آخر اقل ضعفا مما اعتقدوا في البداية (حزب الله).
ترامب سيقرر كيف ومتى سينهي الحملة في ايران. ولكن لبنان قد يبقى جبهة مفتوحة، حيث يتحدى حزب الله إسرائيل من جديد بعد سنة وثلاثة اشهر من الامتناع عن ذلك، منذ وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024. الحرب الجديدة ستكلف الاقتصاد عشرات مليارات الدولارات. ونتنياهو يمرر الميزانية بسرعة، بينما يرضي شركاءه الحريديين ويستجيب لابتزازهم ويعلن عن زيارة كبيرة لميزانية الدفاع التي يقول الجيش الإسرائيلي بطبيعة الحال بانها غير كافية.
لقد تم تعلق الإجراءات القانونية في قضية رئيس الحكومة. ويكرس ترامب كل جهوده لمحاولة الغاء محاكمته. في غضون ذلك يعودون المواطنين في إسرائيل على واقع التهديد المستمر للجبهة الداخلية، الذي يوصف بانه قدر مصيري. ويوصف كل من يتجرأ على طرح الأسئلة بانه يساري ضعيف ومرتبك ولا يعرف خطورة الموقف وندرة الفرصة التاريخية.
حرب الناقلات 2
كان اغلاق مضيق هرمز والتقارير الواردة عن زرع الغام يمكن أن تعيق حركة السفن والناقلات فيه، الحدث الأبرز في الحملة في هذا الأسبوع. ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد وأعربت إدارة ترامب عن القلق الكبير من ان يؤدي ارتفاع الأسعار على المستهلك الأمريكي الى مزيد من تراجع الدعم الشعبي للحرب وتشويه شعبية الرئيس. ويمكن للحوثيين في اليمن، الذين لم يدخلوا الى المعركة بعد، تعطيل حركة الملاحة في ممر آخر للملاحة عبر مضيق باب المندب.
وصرح البروفيسور شاؤول حوريف، مدير معهد السياسة والاستراتيجية البحرية، لـ “هآرتس” بان تحركات ايران تعتبر عودة الى “حرب الناقلات” التي شنتها في الخليج الفارسي ضد الولايات المتحدة في نهاية الحرب بين ايران والعراق في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. ووفقا له فقد أدى هذا الاجراء بالفعل الى زيادة رسوم التامين على ناقلات النفط التي تريد الإبحار عبر مصر بـ 12 ضعف. وكان لذلك نفس الأثر على أسعار النفط. “لقد ادركوا ان هذه قدرة غير متكافئة. ويمكن للطرف الضعيف استغلالها ضد نقاط ضعف الغرب”. مسؤول امني إسرائيلي اعترف أمس بان “الإنجازات العملياتية ضد الصواريخ والسلاح النووي لا تشير في هذه المرحلة الى اقتراب انهاء الحرب وقال ان هذا الامر يعتمد كليا على انطباع ترامب. واقترح خفض التوقعات بشان فرصة اسقاط النظام في ايران والتركيز على ما وصفه بأنه اكثر قابلية للتحقق – اتفاق يمكنه حل مشكلة الـ 440 كغم يورانيوم وفرض قيود صارمة. يواجه الإيرانيون قيود صارمة في السعي الى الحصول على السلاح النووي. “في غضون ذلك واجهنا ازمة طاقة، وواجهنا مشكلة مع لبنان. لقد نشات هنا معضلة تحتاج الى حل، وللأسف، فان الامل باسقاط النظام لا يؤدي سوى الى حرف الانتباه عن القضايا الأكثر الحاحا على جدول اعمال الحرب”. الشخص الذي كان من شانه ان يساعد نتنياهو على حل هذه المعضلة هو الوزير السابق رون ديرمر، احد معاونيه الذي عاد الى نشاطه الكثيف خلال الحرب بعد اشهر قليلة على استقالته.
——————————————
موقع واللا 13/3/2026
عدد القتلى، وعدد القنابل التي أُلقيت، والأهداف: مقارنة الأسد الصاعد وزئير الأسد
بقلم: امير بوحبوط
لقد بدأت عملية “الأسد الصاعد” في 13 حزيران 2025 وانتهت بعد 12 يوماً من القتال، عندما أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اللحظة الأخيرة هجوماً جوياً إسرائيلياً واسع النطاق على إيران.
تشير بيانات الجيش الإسرائيلي إلى أنه خلال تلك العملية، قُتل 33 مدنياً إسرائيلياً وأجنبياً، وأُصيب أكثر من 3500، ودُمرت عشرات المباني. وفي إيران، قُتل أكثر من 1060 شخصاً، بينهم 30 ضابطاً رفيع المستوى وعشرات العلماء النوويين، وأُصيب أكثر من 4400، في حين لحقت أضرار جسيمة بالمباني والبنية التحتية العسكرية، بما في ذلك موقع بث تلفزيوني تابع للنظام. في المقابل، وخلال 12 يوماً من القتال ضد إيران منذ عملية “زئير الأسد”، قُتل 15 مدنياً، بينهم أربعة أطفال، ومواطن أجنبي، وجنديان من الجيش الإسرائيلي. كما أُصيب أكثر من 1200 شخص. وفي إيران، قُتل أكثر من 7000 جندي من الحرس الثوري، بينهم أكثر من 40 مسؤولاً رفيع المستوى في النظام، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي. إضافة إلى ذلك، أُصيب أكثر من 10000 شخص. شملت العملية تدمير أكثر من 40 سفينة وعشرات الطائرات، بالإضافة إلى تدمير آلاف المباني العسكرية والبنية التحتية الحكومية، بما في ذلك عشرات مستودعات الوقود. وأفاد حزب الله بمقتل أكثر من 400 شخص وإصابة أكثر من 1500 آخرين، وتدمير أكثر من 50 مبنى في الضاحية في بيروت.
تشير البيانات المستقاة من 12 يوماً من القتال في عملية “الأسد الصاعد” مقارنةً ببيانات 12 يوماً من القتال في عملية زئير الأسد إلى عدد من الاختلافات الجوهرية في طبيعة العملية. ويتمثل أبرز هذه الاختلافات في مدى مشاركة الجيش الأمريكي – من الضربة الافتتاحية وحتى الساعات الأخيرة. وفي الوقت الراهن، لا يبدو أن هناك موعداً نهائياً واضحاً، ولا يزال التنسيق بين الجيشين مستمراً.
هناك من يزعم أن وتيرة العمليات تتزايد. ففي عملية “الأسد الصاعد”، كان العمل إسرائيليًا في معظمه، بدعم أمريكي في مهاجمة المواقع النووية باستخدام قاذفات أمريكية. ووفقًا لمصادر في سلاح الجو، فإن كثافة الهجوم في عملية “زئير الأسد” أعلى بكثير من عملية “الأسد الصاعد”. وتشير التقارير إلى أنه بعد 72 ساعة فقط من بدء العملية الحالية، أُلقي حوالي 2500 قذيفة، وهو عدد مماثل لإجمالي القذائف التي أُلقيت خلال عملية “الأسد الصاعد”. وكما ذُكر، حقق الجيش الإسرائيلي ثلثي عدد الطلعات الجوية التي نفذها خلال 12 يومًا من عملية “الأسد الصاعد”، في ثلاثة أيام فقط من العملية الحالية.
ومن العوامل الحاسمة الأخرى عنصر المفاجأة. على الرغم من استعداد النظام الإقليمي برمته لاحتمالية شن عملية عسكرية واسعة النطاق ضد النظام الإيراني، تمكن الجيش الإسرائيلي والجيش الأمريكي من شن ضربة واسعة النطاق بشكل مفاجئ تمامًا، أسفرت في نهاية المطاف عن “إعدام كبار قادة النظام الإيراني” – على غرار عملية “الأسد الصاعد”. وهذه هي المرة الثانية التي يحدث فيها ذلك، على الرغم من الاستعداد الإيراني العالي. في عملية “الأسد الصاعد”، انصب تركيز الهجمات على إلحاق الضرر بالبنية التحتية النووية والحرس الثوري. في المقابل، في عملية “زئير الأسد”، تم تحديد الهدف على أنه هجوم أساسي على أسس النظام الإيراني، بما في ذلك: أنظمة الأسلحة والطائرات والسفن، والمشروع النووي، والصناعات الدفاعية، والمقرات العامة، ومقرات العمليات، ومنصات الإطلاق ومستودعات الأسلحة، بالإضافة إلى مقر جهاز الأمن الداخلي، بهدف تشجيع المظاهرات ضد النظام المتطرف في اليوم التالي. وأكد مصدر أمني أنه بعد ستة أشهر من عملية “الأسد الصاعد”، خرج الإيرانيون إلى الشوارع، وقام النظام بقمع الاحتجاجات بعنف وارتكب مجازر بحق عشرات الآلاف من المدنيين. في أعقاب موجات الهجمات على الأجهزة الأمنية والأضرار الجسيمة التي لحقت بالنظام، تشير التقديرات إلى ازدياد احتمالية اندلاع المظاهرات وخطر زعزعة استقرار النظام بشكل ملحوظ.
——————————————
هآرتس 13/3/2026
هل يمكن استبعاد اننا نخوض حرب دينية قد تؤدي الى نهاية العالم
بقلم: عميت فيرشيتسكي
لم يصدم الهجوم ضد ايران النظام في طهران فقط، بل أيضا حلفاءه وعلى رأسهم روسيا. فموسكو تتابع التطورات عن كثب وهي تقلق من احتمالية حدوث تغيير جذري في ميزان القوة الجيوسياسي في الشرق الأوسط. بالنسبة للكرملين فان ايران ليست فقط شريكة إقليمية، بل هي ركيزة أساسية في المحور الذي يهدد هيمنة الغرب، وقد يؤدي المس باستقرارها الى تقويض مصالح روسيا الحيوية. بعد سلسلة الاضطرابات في مناطق نفوذها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك سوريا في عهد الأسد وفنزويلا في عهد مادورو، فانه لا يمكن لموسكو ان تخسر شريك استراتيجي آخر. فبالنسبة لها يعتبر التصعيد حول ايران اختبار لمكانتها كقوة عظمى ولقدرتها على الحفاظ على نفوذها الإقليمي والعالمي.
حتى الان اكتفت موسكو بالضغط الدبلوماسي وعرض الوساطة، الى جانب التنديدات الشديدة بالهجمات على ايران واتهام إسرائيل والولايات المتحدة بخرق القانون الدولي وتقويض الاستقرار في المنطقة. وقد أوضح مسؤولون كبار في الكرملين بان روسيا لا تنوي الانجرار الى أي تدخل عسكري، وشددوا على ضرورة وقف اطلاق النار والعودة الى القناة الدبلوماسية. ولكن وراء هذا الخطاب الدبلوماسي المتحفظ يوجد قلق عميق، الخشية من حملة إقليمية واسعة يمكن ان تقوض منظومة التحالفات التي تعتمد عليها موسكو، وزيادة تدهور وضعها في الشرق الأوسط.
وقد حذر نائب رئيس مجلس الامن الروسي والرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف في مقابلة مع وكالة الانباء الروسية “تاس” من ان العدوان الأمريكي – الإسرائيلي قد يشعل فتيل تصعيد واسع النطاق وقد يتطور الى حرب عالمية ثالثة. ووفقا له فان الهجوم المشترك على ايران هو جزء من مؤامرة غربية لتقويض الوضع الراهن وفرض سيطرة استراتيجية في الشرق الأوسط. وقد قال وزير الخارجية الروسي سرجيه لافروف تصريحات مشابهة، وحذر من ان الحرب قد تؤدي الى نتائج معاكسة لما يأمله مؤيدوها، وان تسرع سباق التسلح النووي في المنطقة. وبحسبه فقد تستنتج دول المنطقة بان السلاح النووي وحده كفيل بضمان امنها من الهجمات.
مع ذلك فان من يسعى الى فهم العقلية السائدة في الكرملين وفي أوساط مؤيدي بوتين يجدر به الاستماع الى أصوات لا تتقيد بالخطاب الدبلوماسي للسياسيين. مثلا، الفيلسوف الكسندر دوغين، المعروف بنفوذه لدى الحكومة في موسكو ودعوته الحماسية لتحقيق رؤيا جيوسياسية تنهي الامبريالية الغربية وفكرة العالم “احادي القطب” الذي تسيطر عليه حضارة واحدة وهي الحضارة الامريكية.
دوغين دعا دائما الى إقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب يقوم على الحضارات العظيمة والسيادة الوطنية كبديل للهيمنة الغربية الليبرالية. وهو يرى ان الأمم كيانات تاريخية وعضوية، لها تقاليد وقيم ورؤى عالمية فريدة. لذلك فانه لا ينبغي الحكم على ثقافة أمة بمعايير امة أخرى، ولا يجوز فرض قيم دولة على دولة أخرى. لذلك فان دوغين يعتقد ان النظام العالمي ليس سوى غطاء لـ “الامبريالية الروحية” الامريكية التي لا هدف لها الا إقامة عالم احادث القطب والقضاء على السيادة الثقافية والسياسية للحضارات الأخرى.
ويرى دوغين ان صعود دونالد ترامب وحركة “لنجعل أمريكا عظيمة من جديد” الانفصالية، شكل نقطة تحول في تاريخ العالم، اذ اصبح لدينا أخيرا رئيس مثير للجدل في البيت الأبيض يعارض اتفاقات التجارة الدولية ويعمل على تفكيك حلف الناتو ويعارض بشكل علني النخب العالمية والخطاب التقدمي، ويتحدى مؤسسات النظام الدولية. دوغين رأى في ذلك فرصة لتقويض هيمنة الغرب الليبرالية وإقامة نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكن بعد تورط سلاح الجو الأمريكي في الهجوم على المنشآت النووية في ايران في حزيران الماضي، استنتج دوغين ان روسيا لم تعد قادرة على الاعتماد على ترامب كحليف استراتيجي، وان عليها الاستعداد لمواجهة حاسمة مع الغرب. واعلن في حينه: “لقد بدات الحرب العالمية الثالثة بالفعل”.
عند انطلاق الحملة الانتخابية الحالية شن دوغين حملة مكثفة من التغريدات والمقابلات مع وسائل الاعلام، بعضها مع وسائل اعلام غربية، عبر فيها عن خيبة امله من ترامب، الذي اصبح في رايه دمية في يد الصهاينة، ودعا روسيا الى الاستعداد لحرب يوم القيامة: “هذه الحرب هي ضدنا… اذا سقطت ايران فسنكون نحن التالين”. وفي مقابلة أخرى وجه دوغين تهديد ضمني: “الامريكيون والاسرائيليون ما زالوا لا يعرفون معنى الحرب الحقيقية، لكنهم سيكتشفون ذلك في القريب. اذا صمدت ايران فكل شيء وارد”.
لا تكمن أهمية اقوال دوغين في عكسها للخوف والالم والتيارات العميقة في النخبة السياسية في موسكو فقط، بل أيضا في تاثيرها على النظام الأيديولوجي لليمين المتطرف في أوروبا وفي الولايات المتحدة. وبصفته ضيف مطلوب في وسائل الاعلام الدولية وناقد لاذع للنظام العالمي فان دوغين يحظى باهتمام متزايد في الأوساط السياسية والفكرية، التي تعتبره محلل للصراع الجيوسياسي بين حركات الصحوة الوطنية و”النخبة الغربية العالمية”.
مرة أخرى لا يتوانى دوغين عن استخدام أسلوب مؤثر، مستعين بعالمه الغني بالصور التشبيهية الكارثية ليؤكد على خطر هذه اللحظة التاريخية. ففي الأسبوع الماضي في مؤتمر عبر الانترنت قال: “نحن نقترب من حرب ميتافيزيفية… لم يعد استخدام السلاح النووي فكرة مجردة بل واقع ملموس… هذه حرب ما وراء الطبيعة… لا يجوز لنا التهاون مع الشيطان”.
دوغين يعرف انه وراء الصراع الوطني الإقليمي والسياسة العالمية بشكل عام يوجد بعد لاهوتي عميق يضفي على الصراعات الجيوسياسية دلالات ميتافيزيقية وحتى أخروية. ففي مقابلة مع الصحافي جوني ميلر من قناة “برس تي.في” الإيرانية في تموز 2025 أوضح دوغين بان الهجوم الإسرائيلي على ايران ليس الا استنزاف للمشروع الصهيوني، الذي يهدف في أساسه الى تحقيق رؤية “إسرائيل الكبرى” التي تعتبر ايران عقبة رئيسية امام تحقيقها. وأوضح بان الصهيونية هي مسيحانية مزيفة، شوهت الفكرة المسيحانية اليهودية، التقليدية، واستبدلتها باله قومي زائف. وقد حلت المسيحانية السياسية للصهيونية مكان انتظار يهود الشتات قدوم المسيح.
وفي مقابلة مع قناة “سبوتنيك” الروسية في حزيران الماضي قال: “هم يعتقدون انهم المسيح المنتظر… نتنياهو يتصرف الان وكانه المسيح المنتظر. هو يشن حرب على كل الشعوب غير اليهودية في الشرق الأوسط، ويدمر الشعب الفلسطيني… تقوم سياسة نتنياهو على مزيج من الميتافيزيفية وعلم الآخرة والسياسة، بالضبط مثلما هي الحال في عصر التوراة القديم. هذا هو جوهر الصهيونية”. ويحذر دوغين من ان المرحلة التالية ستكون تفجير المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث على انقاضه. يمتلك نتنياهو “وعي ساحر”، لكن الشيعة على الطرف الآخر يفكرون بالمثل أيضا. فبالنسبة لهم أيضا السياسة مدفوعة بدافع اخروي وتوقع ظهور المهدي، الامام الـ 12 الخفي الذي سيقضي على المسيح الدجال الذي يجسده الغرب العلماني المادي والصهيونية. “بالنسبة لإيران فان إسرائيل هي عدو ميتافيزيقي”، أوضح.
باختصار، يشرح دوغين ان هذا انفجار أخروي، ومواجهة عالمية بين مفاهيم مختلفة لنهاية الزمان، تبلغ ذروتها في هذه اللحظة التاريخية. فمن جهة، فكرة المسيح الدجال لنتنياهو وسموتريتش وبن غفير، ومن جهة أخرى، الأخروية الشيعية مع وجود الافنغلستيين والصهاينة المسيحانيين في الولايات المتحدة، المدعومين من لندسي جراهام وتيد كروز وامثالهم، الذين يعملون في الخفاء ويعتبرون روسيا “مملكة الشمال”، يأجوج وماجوج، التي حسب تفسيرهم لنبوءة نهاية الزمان مقدر لها تقود الحرب الكارثية ضد إسرائيل.
“يجب علينا تغيير قراءتنا للواقع الجيوسياسي الان لان التفسيرات الكلاسيكية لم تعد تفسر أي شيء… هذا عالم خطر جدا، حيث لم يعد للقانون الدولي وكل الترتيبات الدولية أي معنى”، قال دوغين. وقد اختتم أقواله وقال: “نحن نشاهد اندماجا بين العقائد الدينية القديمة وحساسية ما بعد الحداثة، الامر الذي يخلق واقع جديد – وجود كمي للجغرافيا السياسية الحديثة – تتعايش فيه الابعاد اللاهوتية والاسطورية والسياسية”.
كنا في السابق نستخف بهذه الأمور، لكن في ظل الواقع المتبلور امام انظارها هل من المعقول ان نتجاهل تماما احتمالية أننا في قلب حرب دينية قد تؤدي الى نهاية العالم؟.
——————————————
معاريف 13/3/2026
المعركة ما بعد الحرب
بقلم: ألون بن دافيد
“هذا ليس بكم من القوة تضرب”، يشرح روكي في الفيلم الشهير، “هذا بكم يمكنك ان تتحمل الضرب وتواصل الى الامام”. يبدو أن آيات الله في ايران استوعبوا هذه الرسالة. اسبوعان في الحرب، ورغم انهم يتلقون ضربات قوية، يواصلون الى الامام.
اذن صحيح انهم لا يردون الضرب بالضرب بالقدر الذي يريدون ان يضربوا به. ومنذ اكثر من أسبوع ومدى النار من ايران نحو إسرائيل استقر عند نحو عشرة صواريخ في اليوم. لكنهم سيواصلون اطلاقها حتى اليوم الأخير وهم يعتزمون البقاء على الاقدام والنهوض في نهاية هذه الحرب، سواء على اقدام مجتبى ام على اقدام من يحل محله.
المخططون العسكريون في تل ابيب في تمبا وفي واشنطن اتخذوا جانب الحذر في أن يضعوا اسقاط النظام كهدف الحرب. وقد تحدد هذا كـ “خلق الظروف العسكرية لتغيير النظام”. لكن الزعماء واساسا دونالد ترامب كانوا اقل حذرا واخذوا بالمستوى غير القابل للتحقق. لا سبيل لاسقاط نظام مع F35 أو B52. وبالتأكيد ليس نظام مستقر نجا من غير قليل من الهزات في الـ 47 سنة الأخيرة. هذا يتطلب قوات من نوع آخر تكون على الأرض، بين الناس.
قبل أسبوع قالوا لنا ان الاكراد يوشكون على اجتياح ايران، بل ان سلاح الجو قصف حتى في الحدود بين العراق وايران، لكن لا يزال لم نرَ كرديا واحدا اجتاز الحدود. يبدو ان ليس الـ سي.اي.ايه ولا الموساد اعدا البنية التحتية اللازمة لاسقاط النظام.
من يتطلع الى اسقاط النظام يجدر به ان يتعلم طريق أبي الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني. من اللحظة التي طرد فيها من ايران بنى بمواظبة على مدى 14 سنة البنية التحتية لاسقاط الشاه. اقام جمعيات “الصدقة”، أسس قواعد دعم في الجامعات وفي بلدات المحيط، ثبت نفسه كمن يتحدث باسم الشعب، وخلق شروطا حقيقية باسقاط النظام وللثورة الناجحة التي قادها في 1979.
في الجيش الإسرائيلي فهموا بان هدف تغيير النظام هو امنية اكثر مما هو هدف واقعي. وعليه فاضافة الى المعارك الحربية الثلاثة التي اعدت مع الأمريكيين، بدأوا في إسرائيل يخططون للمعركة الرابعة – المعركة ما بعد الحرب. يوجد جهد إسرائيلي لربط الأمريكيين بحصار متواصل على ايران – في البحر، في الجو وفي البر. الهدف سيكون خنق النظام الإيراني حتى بعد وقف النار والدفع باتجاه انهياره.
في هذه الاثناء يعمل الجيش الإسرائيلي في ايران وكأن كل دقيقة يمكنهم ان يصفروا له بالانهاء. سلاح الجو يعصر مقدراته – المادية والبشرية – كي يدمر الحد الأقصى من الأهداف قبل ان يتوقف كل شيء. بين اثنين وثلاثة قطارات جوية لاكثر من مئة طائرة تنطلق كل يوم الى ايران، بوتيرة يمكنها أن تقلق من ناحية التأثير الجسدي والعقلي على الأشخاص الرائعين الذين في حجرة الطيار.
وصفت شعبة الاستخبارات ثلاثة أصناف من الأهداف: اضطرارية، حيوية وهامة. هذه اهداف من عدة عائلات: دفاع جوي، صواريخ ارض ارض ومنظمات داعمة ومنتجة لها، دفاع عسكري وسياسي، رموز حكم وقوات قمع لدى النظام. من بين الأهداف الاضطرارية دمر الان نحو 80 في المئة لكن كما اسلفنا النظام لا يزال يؤدي مهامه رغم أنه مصاب.
حفظ الأنظمة
وفوق كل شيء تحوم علامة الاستفهام الأكبر للحرب: ما الذي يريد ترامب تحقيقه؟ وفي أي خط سيقرر التوقف؟ يمكن منح هذا الرئيس الأمريكي الشاب، المختلف عن كل اسلافه الكثير من الألقاب المهينة، لكن في شيء واحد لا يمكن الاشتباه به: هو ليس غبيا ولديه نظرة واسعة.
عندما نربط في خط واحد الخطوات الثلاثة الهامة التي قام بها في سياسته الخارجية منذ تسلم المنصب – فنزويلا، غرينلند وايران – نحصل على قاسم مشترك واحد: النفط. ترامب يريد سيطرة بالحد الأقصى من النفط والتأثير على سعره، ويبدو أن في لوحة الشطرنج الصين هي الملك الخصم. ايران ليست سوى الفرس او القلعة. ليس مؤكدا انه معني بالنووي في ايران او بعدد صواريخهم.
كرئيس يعرف انه لا حاجة به لان يتنافس مرة أخرى في الانتخابات فانه يركز على إرثه. كما هو معروف، الصين تريد تايوان، جزيرة عديمة الأهمية جغرافيا لكنها ذات أهمية دراماتيكية لمستقبل العالم. تايوان هي المنتجة لـ 60 في المئة من الشرائح في العالم و 90 في المئة من الشرائح المتطورة. من يتحكم بها – سيمسك بالمقدر الأهم للذكاء الاصطناعي. ومن يسيطر على الذكاء الاصطناعي يسيطر على العالم.
التأثير الوحيد الذي يمكن لترامب ان يحققه حيال الصين هو السيطرة على نقطة ضعفها: الطاقة. فهي مستوردة النفط الأكبر في العالم، واقتصادها متعلق بتوريد النفط من الشرق الأوسط. اذا نجح ترامب في ان يحقق اتفاقا مع ايران على النفط – فسيحقق تأثيرا على اكثر من 30 في المئة من احتياطات النفط العالمية وسيتمكن من تثبيت تهديد مصداق على تطلعات الصين التوسعية. على الطريق سيحرر أيضا الولايات المتحدة من التعلق باحتكار الاوبيك للأسعار، والتي لم تراعي ابدا الأمريكيين في تحديث سعر النفط.
لكن النظام في ايران، حتى بعد أسبوعين من الحرب فلا يبدو كمن هو مستعد لان يقبل اتفاقات مع الولايات المتحدة. على رأسه يقف (صحيح حتى اليوم) شخص صفت إسرائيل أباه، أمه، زوجته وابنه. انتخاب مجتبى خامنئي زعيما اعلى لم يكن بالاجماع. هو موضع خلاف حتى في أوساط رجال النظام فما بالك في أوساط الشعب الإيراني. لكن صحيح حتى ساعة كتابة هذه السطور ايران يقودها شخص لديه امنية ثأر.
وعليه، فمشكوك فيه ان تنتهي الحرب باتفاق مع ايران ومعقول اكثر ان تنتهي بوقف نار من طرف واحد، إسرائيل وامريكا مع اعلان شروط لحفظ وقف النار. مثلما في ايران، عندنا أيضا، الهدف الأعلى وغير المعلن للحرب هو حفظ النظام. لكن في هذه المعركة نحن الفأر على ظهر الفيل، ولسنا من يقرر الوتيرة ونقطة النهاية.
——————————————
هآرتس 13/3/2026
مصدر: حتى بعد الحرب، إسرائيل تعتزم القتال ضد حزب الله
بقلم: ليزا روزوفسكي
مصدر دبلوماسي قال لـ “هآرتس” أمس بان إسرائيل تعتزم مواصلة الحرب في لبنان حتى بعد انتهاء الحرب مع ايران بهدف الحاق الضرر بحزب الله. وحسب نفس المصدر فان هذه هي الرسالة التي يرسلها المسؤولون في إسرائيل لنظرائهم في الخارج. مصدر آخر قال ان هدف إسرائيل هو نزع سلاح حزب الله وتدميره.
رغم رفض اقتراح فرنسا الذي قدم في يوم الثلاثاء الماضي لوقف اطلاق النار مع لبنان الا أن عدة اطراف تواصل محاولة التوسط بين لبنان وإسرائيل في محاولة لوقف التصعيد. وحسب مصدر مطلع على التفاصيل فانه يوجد مسارين للتوسط بين الدولتين. احدهما يضم اطراف رسمية وغير رسمية والثاني يضم اطراف غير رسمية فقط. وأشار مصدر آخر الى مشاركة جهات لا تمثل دول في جهود الوساطة. وكان الرئيس اللبناني جوزيف عون قد ابلغ الأمم المتحدة في هذا الأسبوع بان لبنان يهتم بمفاوضات لوقف اطلاق النار.
في نفس الوقت تشير التقديرات في إسرائيل الى ان الجيش سيتمكن من مواصلة الحرب مع ايران لمدة أسبوع تقريبا قبل ان تسعى الإدارة الامريكية لانهاء الحرب. وحسب مصدر دبلوماسي، لم يذكر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اسقاط النظام في ايران كاحد اهداف الحرب في محادثاته مع نظرائه في الشرق الأوسط، بل أوضح بان الهدف هو الحاق الضرر بالمشروع النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ البالستية.
خلافا لتصريحات روبيو فقد خاطب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الشعب الإيراني أمس واكد على ان إسرائيل تعد الظروف لاسقاط النظام. وكتب في “اكس”: “لديكم فرصة لاسقاط النظام، عليكم التحرك. نحن نعد لكم الظروف لفعل ذلك. في الأيام القادمة سنعد لكم الظروف المناسبة. وعندما يحين الوقت المناسب سنسلمكم الراية. استعدوا لاستغلال الفرصة.
المبادرة الى وقف اطلاق النار مع لبنان تضمنت اقتراح من فرنسا بدعم الجيش اللبناني بوسائل لنزع سلاح حزب الله والرقابة على هذه العملية. حسب اقوال المصدر فان إسرائيل تصمم على “حل هذه المشكلة بيدها، أي نزع سلاح حزب الله وتدميره وازالته”. وحسب اقوال المصدر غير الإسرائيلي فانهم في إسرائيل معنيون بـ “الدخول الى لبنان وحل المشكلة مرة والى الابد”.
في الأسبوع الماضي اعلن الرئيس الفرنسي عمانويل ميكرون مرتين بانه تحدث مع نتنياهو وطلب منه ان لا يبدأ بعملية برية في لبنان. مصدر دبلوماسي احيط بتفاصيل المحادثة بين نتنياهو وميكرون قال ان “نتنياهو لم يغلق الباب”، وقال لميكرون بان حزب الله “يمكنه تسليم سلاحه بنفسه، أو من قبل الجيش اللبناني، أو ان نتنياهو سيفعل ذلك بنفسه”.
مصدر لبناني قال لـ “هآرتس” بانه بدون ضغط امريكي كثيف فانه لا توجد أي احتمالية لمبادرة فرنسا. وحسب قوله فانهم في إسرائيل لا يرون في حكومة لبنان جهة قادرة على تطبيق القرارات المتعلقة بنزع سلاح حزب الله، ويفضلون مواصلة الضغط العسكري.
قبل ذلك قال الرئيس اللبناني جوزيف عون بان بلاده أبلغت الأمم المتحدة بانها مستعدة لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل. وفي نفس الوقت قال ان البرلمان اللبناني قام بتمديد ولايته لسنتين، وهي خطوة تؤجل موعد الانتخابات التي كان من المقرر اجراءها في شهر أيار القادم.
——————————————
يديعوت احرونوت 13/3/2026
التذبذب الترامبي، العدو يرفض الامتثال للأوامر
بقلم: ناحوم برنياع
في ختام أسبوعين من تبادل كثيف للنار في ساحتين، ثمة مجال لمراجعة واعية اكثر قليلا لانجازات الحرب والدور الذي تؤديه فيها دولة إسرائيل. في الجانب الإيجابي، تتوافر في الحرب إنجازات عسكرية مبهرة، ولا سيما في الجبهة الإيرانية؛ للاسرائيليين سبب وجيه للتفاخر بأداء الجيش الإسرائيلي وقبل الكل بسلاح الجو. في الجانب الأقل إيجابية إسرائيل والولايات المتحدة أخطأتا في تقدير رد النظام الإيراني وحزب الله. فهما باقيان ويردان النار. واهم من هذا، توصلا الى الاستنتاج بان الأسوأ بات خلفهما. لقد كان تعيين زعيم اعلى جديد، من ناحية نفسية على الأقل، نقطة الانعطاف. فقد دلّ على قوة حيوية النظام. والان لم يتبقَ لهما غير الصمود، ضرب العدو، استنزافه وإعادة بناء المنظومات التي تضررت. في هذا التحليل تشارك محافل في الجيش الإسرائيلي.
كل هذه النقاط تتطلب تفصيلا وشرحا. لكن يسبق التفسير القول التالي: إسرائيل توجد في حرب، لكنها لا تقودها. وهي تسير في الظلام. فوق كل عمل لها تلوح علامة استفهام كبيرة: متى يقرر ترامب، الزعيم الأعلى عندنا، ان يعلن عن النصر ويوقف النار. من علامة الاستفهام هذه ينشأ عدد لا يحصى من القرارات، بدء بقرار قائد سلاح الجو ماذا يقصف اليوم، هل يفضل منشآت انتاج بالصناعة العسكرية الإيرانية أم محطات الباسيج، هل يضرب مخازن صواريخ ام قيادات في الحرس الثوري. هو لا يعرف اذا كان لديه شهر آخر، أسبوع آخر، يوم آخر. العاجل ينافس الهام. فهو ما كان ليريد أن ينهي الحرب في وضع “الأسد الصاعد 2” – علاج مؤقت مع ادعاءات دائمة.
الان ارتفعوا طابقا واحدا الى فوق، الى رئيس الأركان. رئيس الأركان يقرر تخصيص القوات للحرب في لبنان دون أن يعرف الى اين سيسمح الامريكيون له بالتقدم – حتى 7 كيلومترات، حتى الليطاني، حتى الزهراني – وكم من الوقت يوجد له الى أن يأمروا بوقف القتال. في ايران نحن نقاتل امام عدو مشترك؛ في لبنان الإدارة الامريكية هي سيد الطرفين. في الأسبوع الأخير مارس الامريكيون ضغطا شديدا على إسرائيل للامتناع عن كل عمل يمس بجيش لبنان وحكومته. لم يعارضوا مواصلة قصف الضاحية التي افرغت من سكانها. سلاح الجو يعالج هناك منشآت الإنتاج التي كانت في الطوابق السفلى لابراج سكنية.
متفق عليه مع الأمريكيين بان من الأهمية بمكان اضعاف حزب الله اكثر فأكثر، على امل أن يتأزر الجيش اللبناني بالتصميم والشجاعة ويواصل العمل. في هذه الاثناء هذا لا يحصل. حزب الله لا يضعف بل العكس. فهو يفاجيء إسرائيل بقدرته على اطلاق الصواريخ والمُسيرات الى الشمال كله، بما في ذلك حيفا والكريوت وبقدرته على تنسيق النار مع ايران. ليس صدفة على ان الإيرانيين ركزا في الليالي الأخيرة على الشمال. حزب الله يعمل وكأن ليس له ما يخسره: مثلما اثبت شمشون في حربه ضد الفلستينيين، فاليأس قوة.
من هناك اصعدوا الى طابقي البنت هاوس، الكابنت ورئيس الوزراء. الكابنت مشلول. ليس فيه مداولات لا عن اهداف الحرب، لا عن نقطة النهائية، لا عن اليوم التالي. ليس فيه هذه المرة حتى ولا ادعاء بالبحث: هو ليس في الصورة. الوزراء يتلقون بين الحين والآخر تقارير جزئية، مع التشديد على بشائر طيبة، ويركضون وهم يحملون الفتات لمراسلي القنوات التلفزيونية. يسارع المراسلون للبث. افليس الشعب يريد بشائر طيبة؟ اذن سيحصل الشعب على بشائر طيبة. في ختام الحرب كل واحد منهم ستجرى معه لقاءات صحفية مليئة بالاكاذيب.
نتنياهو جلب ترامب الى الحرب. هذا انجاز مبهر: ما كانت لإسرائيل القدرة على السير الى هذه الحرب وحدها. تهديد نتنياهو بان تفتح إسرائيل هجوما في شهر أيار، كان خدعة. والان يستخدمها معارضو الحرب في أمريكا. فهم يقولون ان إسرائيل كانت الغاوية اما ترامب فكان المغوي.
نتنياهو جلب ترامب الى الحرب وبهذا انتهى دوره. بخلاف رؤساء وزراء سابقين – بن غوريون في حرب الاستقلال، غولدا في حرب يوم الغفران – هو لا يدير الحرب. ضغطته على الزر الذي يطلق ذخيرة مُسيرة في ايران، في اثناء زيارة في قاعدة بلماحيم، جسدت فقط ابتعاده عن مركز القرار.
المنظومات العسكرية للدولتين دخلتا في عمل مشترك، مثمر جدا. الامريكيون يركزون في جنوب ايران وفي الدفاع عن مضائق هرمز؛ الاسرائيليون في الغرب وفي الشمال. الامريكيون يشحنون طائرات سلاح الجو بالوقود، هذا أتاح لطائراتنا في أن تنزل في العشرة أيام الأولى اكثر من عشرة الاف قنبلة على ايران، ثلاثة اضعاف كل ما قصف في اثناء حملة “الأسد الصاعد”.
لكن القرارات تتخذ في مكان واحد، في البيت الأبيض. المكالمات الهاتفية اليومية بين نتنياهو وترامب تستهدف الإبقاء على نار الحرب في قلب ترامب: نتنياهو كزبون، كمؤيد، كضاغط. لكن ترامب لا يتقاسم مع نتنياهو ما يفكر به حقا، قراراته بشأن ما سيأتي. كل ساعة يطلق لوسائل الاعلام رؤيا أخرى.
التذبذب الترامبي يتسلل الى الأسفل. في الجيش الإسرائيلي يمكنهم ان يواسوا أنفسهم في أن الجنرالات الامريكية لا يعرفون اكثر منهم. مثلما علم القط اليس في بلاد العجائب – اذا كنتِ لا تعرفين الى اين تريدين ان تصلي لا يهم في أي طريق تسيرين. وزير الخارجية ماركو روبيو حاول، بتشجيع البنتاغون، صياغة ثلاثة اهداف عملية للحرب: تدمير الصواريخ والمنصات؛ تدمير الصناعة العسكرية؛ تدمير الاسطول. اما ترامب فسارع لان يخرب عليه واعلن عن تغيير النظام؛ او لا – هذا منوط بالساعة.
يوجد ثبات في انعدام ثبات ترامب: فقد أوقف فجأة الهجوم الأمريكي على الحوثيين، في اذار الماضي؛ أوقف حملة “الأسد الصاعد” في ايران، ادعى بانجازات لم تكن وجرف الجميع في هذه الكذبة؛ أوقف الجولة السابقة ضد حزب الله في لبنان. اذا أوقف بلا بيان مسبق الحرب في ايران، يمكن لإسرائيل أن تنظر الى الحرب كانجاز، وليس كتفويت فرصة. ولا يزال السؤال مفتوحا هل كان يمكن عمل شيء ما لتحييد 450 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب، كأس الفوز المقدس.
في الحلف مع ترامب حظيت إسرائيل بقوة عسكرية لم يسبق ان كانت لها ابدا وفقدت سيادتها. هذه هي الصفقة. المرة الوحيدة التي حاولت فيها إسرائيل ابداء الاستقلال كانت الهجوم على منشآن النفط الإيرانية. الامريكيون عرفوا على ما يبدو مسبقا، لكنهم لم يعرفوا حجم الضرر. وعملوا مثلما عملوا بعد القصف الغبي للفيلا في قطر: على طريقتهم اوضحوا لإسرائيل قيود قوتها. هذه الحيلة لن تكررها الا اذا سمحوا لها بان تكررها.
——————————————
هآرتس 13/3/2026
تبرئة الجنود المتهمين بتعذيب الفلسطينيين والتحرش بهم جنسياً: افعلوا ما شئتم.. القانون الإسرائيلي يحميكم
بقلم: أسرة التحرير
قرار النائب العسكري العام، اللواء ايتي أوفير، إصدار أمر بإلغاء لائحة الاتهام في قضية “سديه تيمان” هو قرار سيئ. الأذى الذي يلحقه بسلطة القانون جسيم ويتجاوز الملف المحدد إياه. كثير من المياه العكرة تدفقت منذ أن اشتبه بخمسة من المتهمين في الملف، ممن يخدمون في خدمة الاحتياط وينتمون للقوة 100 في قاعدة “سديه تيمان”، بارتكاب سلسلة مخالفات عنف قاسية وأذى خطير وسلوك سادي ضد معتقل أمني كان تحت إشرافهم مكبل اليدين والقدمين، ومعصوب العينين. رافقت الاعتقالات مواجهات بين قسم من المشبوهين ومؤيديهم وبين أفراد الشرطة العسكرية واقتحام غير مسبوق لجموع هائجة يشاركها نواب من الكنيست إلى معسكر “سديه تيمان” وإلى نطاق السجن العسكري في معسكر بيت ليد. لاحقاً، كنتيجة للتحقيق في تسريب أشرطة الكاميرات، انكشف ضلوع النائبة العسكرية العامة السابقة بتسريبها، أعلنت عن اعتزالها منصبها، وفي تشرين الأول 2025 اعتقلت وحقق معها إلى جانب ضالعين آخرين في النيابة العامة العسكرية للاشتباه بارتكاب مخالفات خطيرة، ومواصلة المعالجة لقضيتهم يفترض أن تتقدم.
إن قرار النائب العسكري العام إلغاء لائحة الاتهام يتضمن ظاهراً كل الكلمات المعقولة: “مصاعب معينة في توفير البينات” و”دفاع العدالة” و”مصاعب إجرائية”. وبسبب ذلك حتى لو هوجم القرار قضائياً، فستمتنع المحكمة أغلب الظن عن التدخل فيه.
لكن أساس المشكلة يكمن في الرسالة التي تنقل من إغلاق الملف: الخسي الأخلاقي الذي يجتازه الجيش حين لا يعمل قادته – القيادة العليا، وكذا من هو مؤتمن على ضمان سلطة القانون في الجيش، رئيس الأركان والنائب العسكري العام – بشكل جدي ضد سلوك عسكري معيب لا يفي بأي معيار عسكري، من حيث حماية حياة الإنسان وكرامته، بإنسانية أساسية.
إن معنى القرار إذن هو التسليم بالأمر الواقع بمعيار سلوك سادي من جانب جنود الجيش الإسرائيلي في كل مجال تحت سيطرتهم. فلئن كان جهاز القضاء العسكري يتخلى عن استنفاد القانون، فإن الرسالة التي تبث لكل الجيش هي أنه يمكن العربدة والأذى والإضرار والتنكيل، وسيمر كل شيء بسلام.
بدلاً من عارٍ جماهيري وعقوبات جسيمة، يخرج المتهمون كمنتصرين. سمو القرار إياه تتجاوز الحالة الخاصة بكثير. فهي تعكس ثقافة تنظيمية تتمثل بالسماح للجيش بممارسة كل سلوك حيواني في كل ساحة، وبإذن عملي لتفجر كل الأحاسيس الدفينة والسافلة بدلاً من لجم القوة. إن خضوع الجيش للقانون ولأنماط السلوك الإنسانية تحطمت في هذا القرار.
—————-انتهت النشرة—————–

