تبون يدشن المرحلة القصوى من استغلال منجم غارا جبيلات الثالث في العالم.. والإعلام الحكومي يتحدث عن تحقيق حلم بومدين

ويمتد خط السكة الحديدية المنجمي الغربي الرابط بين بشار وبني عباس وتندوف وغارا جبيلات على مسافة تقارب 950 كيلومترا، وقد اكتملت أشغال إنجازه كليا، ليشكل أحد أكبر مشاريع النقل القاعدي التي عرفتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. ويهدف الخط أساسا إلى نقل خام الحديد من منجم غارا جبيلات بولاية تندوف نحو مناطق التحويل الصناعي، إضافة إلى دعم حركة نقل البضائع والمسافرين في الجنوب الغربي.

وبحسب معطيات الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة إنجاز الاستثمارات في السكك الحديدية، فقد أنجز المشروع في ظرف زمني لم يتجاوز 24 شهرا، رغم التحديات الطبيعية واللوجستية المرتبطة بالمناطق الصحراوية التي يعبرها المسار. وشملت الأشغال تهيئة قاعدية واسعة النطاق، حيث تجاوزت كميات الردم والحفر والتسوية 75 مليون متر مكعب، بما يسمح بإنشاء منصة قادرة على تحمل حركة قطارات ثقيلة مخصصة لنقل المعادن، مع احترام معايير السلامة والاستغلال المعمول بها.

ويتضمن المشروع إنجاز 45 جسرا خاصا بالسكة الحديدية بطول إجمالي يناهز 20 كيلومترا، من بينها جسر وادي الدورة بطول 4.1 كيلومتر، المصنف ضمن أطول المنشآت الفنية من نوعها في الجزائر وإفريقيا. كما تم إنجاز 50 ممرا و1439 منشأة خاصة بتصريف المياه، صممت لمواجهة الظروف المناخية القاسية التي تميز الجنوب الغربي، خاصة ما يتعلق بالسيول الموسمية.

وشمل الخط الجديد إنشاء سبع محطات للقطار في كل من العبادلة، حماقير، حاسي خبي، تبلبالة، أم العسل، تندوف وغارا جبيلات، إلى جانب 28 نقطة تقاطع ذات طابع لوجستي، تهدف إلى تنظيم حركة القطارات وتحسين عمليات النقل التقني للبضائع والمعادن، فضلا عن نقل المسافرين.

ومن الناحية التنظيمية، جرى تقسيم المشروع إلى ثلاثة مقاطع. أنجز المقطع الأول بين بشار وحماقير مرورا بالعبادلة على مسافة 200 كيلومتر، بينما ربط المقطع الثاني بين تندوف وأم العسل على مسافة 175 كيلومترا. أما المقطع الثالث، وهو الأطول بطول 575 كيلومترا، فيربط حماقير بأم العسل وتندوف وغارا جبيلات، وقد أنجز في إطار شراكة بين مجمع صيني مختص في السكك الحديدية ومؤسسات وطنية.

وعلى مستوى الاستغلال، يرتقب أن يشهد الخط مرورا يوميا لنحو 24 قطارا مخصصا لنقل المعادن في الاتجاهين، إضافة إلى قطارين لنقل البضائع بسرعة تصل إلى 80 كيلومترا في الساعة، وقطارين لنقل المسافرين بسرعة قصوى تبلغ 160 كيلومترا في الساعة.

وبالتوازي مع مشروع السكة الحديدية، يتواصل إنجاز محطة للطاقة الشمسية بمنطقة غارا جبيلات بقدرة 200 ميغاواط، موجهة لتأمين احتياجات المنجم والمنشآت الصناعية المرتبطة به من الكهرباء. وسيتم تموين المرحلة الأولى عبر خطوط توتر بقدرة 30 كيلوفولت، في انتظار استكمال شبكة ضغط عال تتراوح قدراتها بين 120 و130 كيلوفوت.

وبالتوازي مع مشروع السكة الحديدية، يتواصل إنجاز محطة للطاقة الشمسية في منطقة غارا جبيلات لتأمين احتياجات المنجم والمنشآت الصناعية المرتبطة به من الكهرباء

كما تشمل البرامج المستقبلية إنجاز محطة ثانية تعتمد على التوربينات الغازية، إلى جانب محطة شمسية إضافية بقدرة إجمالية تصل إلى 360 ميغاواط، بهدف ضمان تموين مستقر للمنشآت المنجمية، وتلبية احتياجات مدينة تندوف والمشاريع الاقتصادية المرتقبة، بما في ذلك المنطقة الحرة والمعبر الحدودي.

ويعد تزامن هذه المشاريع القاعدية، من نقل وطاقة، أحد العناصر الحاسمة في دخول منجم غارا جبيلات مرحلة الاستغلال الصناعي، في انتظار استكمال وحدات المعالجة والتحويل، التي من شأنها تحديد الأثر الاقتصادي الفعلي للمشروع على المدى المتوسط والطويل.

وبموازاة إنجاز خطوط السكة، يتم إنجاز مشروع مركب الحديد والصلب بولاية بشار المحاذية لتندوف والذي سيخصَّص لإنتاج قضبان السكك الحديدية والهياكل المعدنية، باستغلال خام المنجم. وفي هذا السياق، وقعت قبل مدة المؤسسة الوطنية للحديد والصلب (فيرال) ومركب توسيالي (تركي) للحديد والصلب ببطيوة (وهران غربي البلاد)، بروتوكول اتفاق شراكة فيرال/توسيالي ينص على إنشاء وحدة لإنتاج مركزات خام الحديد بولاية بشار.

وينص هذا البروتوكول على إنشاء شركة مختلطة بين الشركتين من أجل إنجاز في اقل من 24 شهرا وحدة مختلطة لإنتاج مركزات خام الحديد من منجم غار جبيلات بطاقة انتاجية تقدر ب 500 ألف طن سنويا من مركزات خام الحديد ابتداء من مليون طن من خام الحديد. وتنوي شركة توسيالي وفق مسؤوليها، القيام باستثمار يتراوح ما بين 120 و150 مليون دولار، حيث تسمح هذه الوحدة بإنتاج الفولاذ المسطح والفولاذ المغلف المستعمل في تصنيع السيارات والتجهيزات الكهرومنزلية.

ويكمن الرهان الأول بالنسبة للجزائر من وراء استغلال منجم غار جبيلات في توفير المادة الأولية لخام الحديد والتي تستوردها الجزائر سنويا بنحو مليار دولار. ويستهدف مشروع استغلال منجم غارا جبيلات، حسب المسؤولين، إنتاج نحو 50 مليون طن من خام الحديد سنويا، يتم تحويلها إلى ما يقارب 25 مليون طن من المنتجات القابلة للتسويق بعد المعالجة. ويتكون المنجم من خام حديد أوليتي ذي أصل رسوبي، موزع على ثلاث كتل رئيسية هي الغربية والوسطى والشرقية، ضمن جسم معدني شبه أفقي يتميز بغطاء صخري رقيق، فيما تتراوح سماكة الطبقات المعدنية بين 15 و30 مترا.

ويصنف منجم غارا جبيلات ضمن أكبر احتياطات الحديد على المستوى العالمي، باحتياطي يقدر بنحو 3.5 مليار طن من الخام. ويمتد المنجم على مساحة تتجاوز 40 ألف هكتار، ويقع على بعد حوالي 130 كيلومترا جنوب شرق ولاية تندوف، ما يجعله أحد أهم المشاريع المنجمية الاستراتيجية في الجنوب الغربي للبلاد.

وفي تعليق لها، ذكرت قناة الجزائر الدولية أن تدشين واستغلال منجم غار جبيلات “يمثل تجسيدا لرغبة وطنية قديمة عبّر عنها الرئيس الراحل هواري بومدين، ويتماشى مع رؤية رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الرامية إلى تطوير قطاع المناجم وتقليل التبعية للمحروقات”.

وفي نفس المعنى، عبّرت حركة النهضة عن موقفها من المشروع، معتبرة أن تدشين الخط المنجمي الغربي والشروع الفعلي في استغلال منجم غار جبيلات لخام الحديد يندرجان ضمن المشاريع الاستراتيجية الهامة ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. من جهتها، أبرزت جبهة المستقبل أن منجم غار جبيلات يُعد من المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي يمكن أن تسهم في دعم الصناعة الوطنية وتقليص التبعية للخارج. كما أشارت إلى الدور المنتظر للمشروع في خلق مناصب شغل وتنشيط التنمية المحلية في ولايات الجنوب، مع التأكيد على ضرورة أن يرافق استغلاله احترام مبادئ السيادة الوطنية، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات الجزائرية.

في مقابل ذلك، ظهرت قراءات متخوفة من التكلفة العالية لاستغلال المنجم ومردوديته الاقتصادية، وهو ما كان قد عبّر عنه في قنوات جزائرية الخبير جلول سلامة الذي أشارت مصادر إعلامية إلى تعرضه للتوقيف بسبب تصريحاته في وقت لم تؤكد المصادر الرسمية ذلك.

وفي هذا السياق، قال رئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية عثمان معزوز إن توقيف الخبير الاقتصادي جلول سلامة، على خلفية مشاركته في برنامج تلفزيوني تناول فيه ملفات اقتصادية، يحمل دلالة سياسية تتجاوز الإطار القضائي.

واعتبر السياسي المعارض أن ما حدث يعكس تضييقا على التحليل المستقل والكفاءة النقدية، موضحا أن سلامة لم يقم سوى بتقييم مشاريع عمومية بالأرقام وطرح تساؤلات حول جدواها وكلفتها وآثارها الاقتصادية والاجتماعية.

وأكد أن آراء مماثلة يتداولها خبراء ومسؤولون في الخفاء، غير أن الاختلاف يكمن في التعبير العلني عنها. وشدد معزوز على أن تجريم الخبرة والنقاش التقني يقوض أسس الحوكمة والتنمية، داعيا إلى الإفراج عن سلامة وحماية حرية التحليل.

Share This Article