كتب إبراهيم المدهون : حول تحقيق الجزيرة: عميل في قبضة الأمن… كيف نفهم هذا؟

المسار : نشرت قناة الجزيرة تحقيقًا خطيرًا كاشفًا حول ظاهرة العصابات العميلة التي يسعى الاحتلال الإسرائيلي، وبمساندة بعض القوى، إلى دعمها وإسنادها وتمكينها داخل قطاع غزة. وقد اعتمد التحقيق، الذي بثّته الجزيرة، على معلومات حصرية من الأجهزة الأمنية الفلسطينية، خُصّت بها القناة، في دلالة واضحة على أن الجزيرة ما زالت جهة إعلامية موثوقة، تعبّر بصدق عن نبض الحالة الفلسطينية، وتجرؤ على كشف ما تتجاهله أو تتواطأ في تجاهله قنوات ووسائل أخرى لحسابات مختلفة.

وأظهر التحقيق قوة المنظومة الأمنية الفلسطينية داخل قطاع غزة، رغم حرب الإبادة والقتل والدمار، حيث برزت منظومة أمنية لا تمتلك من السلاح سوى سلاح الانتماء للوطن، والعمل الحر، والوعي المجتمعي الذي يحتضنها ويحميها. منظومة استطاعت أن تؤدي دورها في واحدة من أقسى الظروف التي عرفها شعبنا الفلسطيني.
ومن أهم ما كشفه التحقيق أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل بشكل ممنهج على ضرب المنظومة الأمنية وضرب السلم الأهلي، واستهداف النسيج المجتمعي الفلسطيني عبر نشر الفوضى وخلخلة الركائز الداخلية، في محاولة لإحداث انهيار مجتمعي بات يشكّل عبئًا على الاحتلال نفسه. فالاحتلال لا يسعى فقط إلى القتل والتدمير، بل إلى تفكيك المجتمع من الداخل.

ورغم الدعم والإسناد والتدريب العسكري الذي تلقّته هذه العصابات، ورغم التواصل المباشر مع ضباط الاحتلال عبر طائرات الاستطلاع والكاميرات المثبّتة على رؤوس العملاء، فإن يقظة الأجهزة الأمنية الفلسطينية مكّنتها من ضبط الحالة، وكشف العميل، وتسليمه إلى الجهات القضائية المختصة، في إنجاز أمني يُحسب لها.
ورغم افتقار هذه المنظومة إلى أي تقنيات متقدمة أو أسلحة نوعية، فقد نجحت في الحفاظ على بنية المجتمع، ومنع الفوضى، وصون الحد الأدنى من الاستقرار الذي يتيح للناس الاستمرار والحياة. ومن هنا يمكن فهم سبب تركيز الاحتلال على مسألة نزع السلاح الفردي، من مسدسات وبنادق كلاشينكوف، وهي أسلحة ذات طابع أمني وشرطي لا عسكري، ما يؤكد أن هدف الاحتلال الحقيقي هو ضرب الحالة المجتمعية الفلسطينية وضرب الأمن الداخلي في قطاع غزة.

كما يلفت التحقيق الانتباه إلى الطريقة المهينة التي يتعامل بها الاحتلال مع عملائه؛ إذ يتخلى عنهم فور انتهاء دورهم، ويقطع الاتصال بهم أثناء التنفيذ، ويتركهم يواجهون مصيرهم وحدهم. وهو ما يبرهن أن الاحتلال لا يرى في عملائه سوى أدوات مؤقتة تُستخدم ثم تُرمى، دون أي اعتبار إنساني أو أخلاقي.
إن وعي شعبنا الفلسطيني، وتماسك المنظومة الأمنية، كفيلان بإفشال كل محاولات نشر الفوضى، غير أن ذلك يتطلب مزيدًا من اليقظة والانتباه. وما عرضته الجزيرة يجب أن يكون نموذجًا يُحتذى به على مستوى فلسطين كلها، ورسالة واضحة بأن نهاية أي تعامل مع الاحتلال هي الدمار والتفكك.

كما أن هذه التحقيقات، التي تقدّم المعلومات بالصوت والصورة، تعزّز الروح الوطنية الفلسطينية، وتعمّق وعي المجتمع بالمخاطر المحدقة به، وتدفعه إلى الالتفاف حول أجهزته الأمنية، وإدراك خطورة العصابات الفوضوية المرتبطة عضويًا بالاحتلال، والتي يتحول أفرادها تدريجيًا إلى عملاء يُدارون بشكل مباشر.
ومن هنا، فإنني أنصح الأجهزة الأمنية، بعد كشف هذه الشبكات وهذه المعلومات الخطيرة، بإطلاق حملة استتابة وطنية، وفتح باب التوبة والعودة إلى حضن الوطن قبل فوات الأوان، عبر إعلان عفو عام مشروط ولمدة محددة، لكل من يبادر إلى الانسحاب من هذه العصابات وتسليم نفسه، في خطوة تعزّز السلم الأهلي وتغلق أبواب الفتنة التي يسعى الاحتلال إلى فتحها.

Share This Article