الاحتيال الرقمي ينهب مدّخرات الغزيين.. وهم الثراء السريع يسقط ضحايا جدداً تحت وطأة الحصار

المسار :في ظل الانهيار الاقتصادي الخانق الذي يعيشه سكان قطاع غزة، وارتفاع معدلات البطالة وتآكل مصادر الدخل التقليدية، عاد ما يُعرف بـ”التداول الرقمي” ليطفو على السطح كفرصة بديلة لتحقيق الدخل، يُروَّج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي بوعود أرباح سريعة وثابتة، في بيئة يختلط فيها الجهل المالي بالحاجة المعيشية.

غير أن هذه الواجهة البراقة تخفي وراءها شبكات نصب واحتيال منظمة، استغلت الواقع المعيشي الكارثي، مستخدمة أدوات رقمية حديثة وعروضاً مغرية ولغة اقتصادية معقدة، بهدف استدراج المواطنين لتجميع الأموال قبل الاختفاء، تاركة خلفها خسائر مالية ونفسية واجتماعية جسيمة.

ضحايا بوابة الثقة

وبات التداول الرقمي حديثاً متكرراً بين الأهالي، بوصفه باباً محتملاً للدخل وسط واقع اقتصادي مأزوم، إلا أن هذا الحضور المتزايد ترافق مع قصص احتيال متكررة كشفت وجهاً أكثر قسوة لهذا العالم الافتراضي.

ويروي عدد من المواطنين تجاربهم مع شركات وهمية قدمت نفسها على أنها جهات متخصصة في التجارة الإلكترونية والتداول، حيث جرى إقناعهم بدفع مبالغ مالية مقابل إدارة حساباتهم وتحقيق أرباح ثابتة، قبل أن تنقطع كافة وسائل الاتصال معهم عقب تحويل الأموال، ليتبين لاحقاً أنهم وقعوا ضحية عمليات احتيال منظمة.

خلط التداول بتشغيل الأموال

في المقابل، يحذر مختصون من خطورة الخلط بين مفهوم التداول الحقيقي وعمليات “تشغيل الأموال”، مؤكدين أن تجميع الأموال أو إدارة الحسابات المالية للغير يُعد المدخل الأساسي لعمليات النصب، خصوصاً في ظل غياب المعرفة بطبيعة عمل الأسواق الرقمية وآليات إدارة المخاطر.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن أي وعود بتحقيق أرباح مضمونة خلال فترة زمنية قصيرة تُعد مؤشراً واضحاً على وجود عملية احتيال، مشددين على أن التداول الحقيقي يعتمد على المعرفة والتحليل ولا يضمن تحقيق أرباح ثابتة.

خسائر بالملايين وتحذيرات رسمية

من جهتها، أكدت مصادر في وزارة الاقتصاد الوطني بغزة أن التداول الرقمي ممنوع بشكل كامل، سواء عبر شركات مسجلة أو من خلال العمل الفردي التجميعي، نتيجة ارتفاع المخاطر الاستثمارية وغياب الخبرة لدى المواطنين.

وكشفت المصادر عن تسجيل ست قضايا كبرى قبل الحرب تتعلق بالنصب في هذا المجال، تورطت فيها شركات وأفراد، وبلغ إجمالي الأموال المحتال بها نحو 15 مليون دولار، جرى تحويلها إلى نيابة جرائم الأموال لاستكمال الإجراءات القانونية.

اقتصاد الأزمات بيئة خصبة للنصب

ويرى مختصون أن عودة ظاهرة تشغيل الأموال بواجهات رقمية حديثة تمثل الشكل الأخطر من الاستثمار الهرمي، إذ تتخفى خلف مصطلحات تقنية يصعب على المواطن العادي التحقق منها، مستفيدة من اقتصاد الأزمات الذي يفرضه الحصار والعدوان المستمر.

ويحذر مراقبون من أن خطورة هذه الظاهرة لا تقتصر على الخسائر المالية المباشرة، بل تمتد إلى تفكيك الثقة المجتمعية ونشر ثقافة الربح السريع الوهمي، ما يستدعي إطلاق حملات توعية مالية وإجراءات رقابية صارمة لحماية المواطنين من الوقوع في شباك الاحتيال الرقمي.

Share This Article