المسار :أثار ظهور شخصيات نرويجية محورية شاركت في صياغة اتفاقيات أوسلو ضمن ما يُعرف بـ“ملفات إبستين” موجة تشكيك واسعة في الرواية الرسمية لدور النرويج كوسيط نزيه في عملية السلام الفلسطينية–الإسرائيلية، وسط مطالبات سياسية وقانونية بإعادة التحقيق في تلك المرحلة وكشف وثائق ظلت مفقودة لأكثر من ثلاثة عقود.
وتكشف وثائق منقحة نشرتها وزارة العدل الأميركية ضمن ملفات الملياردير والمجرم الجنسي الراحل جيفري إبستين عن علاقات وثيقة جمعته بدبلوماسيين نرويجيين بارزين، هما مونا جول وزوجها تيرجي رود-لارسن، اللذان لعبا أدوارًا مركزية في مفاوضات أوسلو التي أُبرمت عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
ولطالما قدّمت النرويج نفسها بوصفها دولة راعية للسلام وغير منحازة، مستندة إلى نجاحها في تسهيل تلك الاتفاقيات. غير أن الكشوفات الأخيرة أعادت فتح أسئلة قديمة حول حقيقة هذا الدور، لا سيما مع تجدد الجدل بشأن اختفاء مئات الوثائق الرسمية المتعلقة بمرحلة المفاوضات.
وفي هذا السياق، طالب الحزب الأحمر النرويجي الزوجين جول ورود-لارسن بتسليم الأرشيفات الخاصة المرتبطة باتفاقيات أوسلو إلى وزارة الخارجية، معتبرًا أن استمرار إخفائها يضر بالمصلحة العامة ويحول دون تقييم موضوعي لتلك المرحلة.
وكان جول قد شغلت مناصب دبلوماسية رفيعة، من بينها سفيرة النرويج لدى إسرائيل عام 2001، كما كانت حتى وقت قريب سفيرة لدى الأردن والعراق، قبل أن تُوقف عن العمل ثم تستقيل على خلفية فضيحة إبستين.
وتُجري الشرطة النرويجية تحقيقًا بشأن طبيعة العلاقة بين الزوجين وإبستين، وسط اتهامات بالفساد والتواطؤ. وأكدت هيئة الجرائم الاقتصادية النرويجية أنها تنظر فيما إذا كان أي نفع قد جُني نتيجة مناصب جول الدبلوماسية.
ويشير التحقيق إلى صفقة شراء شقة في أوسلو عام 2018 بسعر أقل بكثير من سعر السوق، مع إظهار مراسلات في ملفات إبستين ضغوطًا مارسها الأخير على البائع لإتمام البيع.
ويُنظر إلى إبستين على نطاق واسع باعتباره كان على صلة وثيقة بدوائر سياسية وأمنية إسرائيلية، وقريبًا من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، وهو ما زاد من حساسية القضية داخل النرويج وخارجها.
وقال بيورنار موكسنيس، الزعيم السابق للحزب الأحمر وعضو لجنة الشؤون الخارجية والدفاع في البرلمان، إن الفضيحة تفرض إعادة فحص دور النرويج في أوسلو. وأضاف أن “الوسطاء صنعوا صورة رومانسية للعملية، بينما لم تكن النرويج محايدة كما صُوِّر”.
ويجد هذا الطرح صدى لدى باحثين أكاديميين. فقد كشفت هيلدا هنريكسن واج، أستاذة التاريخ في جامعة أوسلو وباحثة بارزة في معهد أبحاث السلام في أوسلو، أنها اكتشفت عام 2004 اختفاء مئات الوثائق من أرشيف وزارة الخارجية النرويجية، ولا سيما تلك المتعلقة بالفترة بين يناير وسبتمبر 1993، وهي المرحلة الحاسمة في مفاوضات أوسلو.
وقالت واج إن الحكومة لم تسلّم أيًا من هذه الوثائق رغم الطلبات المتكررة، مشيرة إلى أنها استُدعيت عام 2000 إلى مكتب جول، التي كانت تشغل حينها منصب وكيلة وزارة الخارجية، وطُلب منها وقف أبحاثها “لحماية صورة النرويج كدولة سلام”.
واعتبرت أن هذه “الحكاية الخيالية”، على حد وصفها، صاغها جول ورود-لارسن، وروّجت لفكرة أن النرويج لعبت دور الوسيط النزيه، بينما تشير أبحاثها إلى أن الاتفاقيات صُممت أساسًا بما يخدم إسرائيل.
وتضيف واج أن الأسطورة حول أوسلو جرى تكريسها ثقافيًا أيضًا، من خلال مسرحية “أوسلو” عام 2017، ثم فيلم سينمائي عام 2021، وكلاهما موّل جزئيًا من قبل إبستين.
لكنها تؤكد أن السلام الحقيقي “لم يكن مطروحًا أصلًا”، وأن النتيجة كانت كارثية على الفلسطينيين، مع استمرار الاستيطان والحروب، وتحول كلمة “أوسلو” إلى مرادف للفشل في الشارع الفلسطيني.
وفي ضوء هذه التطورات، دعا موكسنيس إلى سن قانون خاص يُلزم الحكومة بتسليم الوثائق المفقودة، معتبرًا أن كشف الحقيقة بات ضرورة سياسية وأخلاقية.
وأضاف أن النرويج ينبغي أن تعيد النظر في سياستها تجاه إسرائيل، بما في ذلك استخدام أدوات الضغط مثل المقاطعة والعقوبات، بدل الاكتفاء بالدبلوماسية التقليدية التي فشلت، وفق قوله، في وقف الاستيطان والحرب.
وبينما يؤكد محامو جول ورود-لارسن أن موكليهم ينفون الاتهامات ويتعاونون مع التحقيقات، فإن القضية تجاوزت البعد الجنائي لتصبح أزمة تمس صورة النرويج الدولية، وتفتح نقاشًا واسعًا حول إرث اتفاقيات أوسلو، ودور الوسطاء الدوليين، وحدود ما يُسمى “الحياد” في مفاوضات غير متكافئة.

