في خطوة خطيرة تستهدف إسكات صوت القدس والأقصى، وتغيبب الرواية الفلسطينية الحقيقية، وحجب ما يجري من اعتداءات وإجراءات إسرائيلية عن العالم، حظرت سلطات الاحتلال خمس منصات إعلامية مقدسية، بقرار من وزير الجيش يسرائيل كاتس، الذي صنّفها على أنها “إرهابية”.
وبموجب القرار، الذي جاء استنادًا إلى ما يُسمى “قانون مكافحة الإرهاب” الإسرائيلي، فإن الحظر يشمل كلًا من شبكة العاصمة الإخبارية، شبكة معراج، شبكة القدس البوصلة، ميدان القدس وقدس بلس.
وسبق للاحتلال أن حظر موقع “القسطل” الإخباري في بداية حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، كجزء من تمهيده لضرب الشارع المقدسي وحصار المسجد الأقصى المبارك.
وعقب القرار، أعلنت شبكة العاصمة وقف جميع أنشطتها الإعلامية والإخبارية، حفاظًا على مراسليها وصحفيبها المقدسيين من بطش الاحتلال وتغوله، معبرة عن فخرها بما قدمته خلال السنوات الماضية، حيث كان همها الأول جعل القدس هي محور وبوصلة القضية الفلسطينية.
وأكدت أن حظر الشبكة وبقية وسائل الإعلام لن يحجب الحقيقة، وإسكات الكاميرا لن يُسكت القدس، فالرواية التي كُتبت بالدم والصمود أقوى من كل قرارات المنع.
ولم يتوقف الاحتلال يومًا عن استهدافه للصحفيين في مدينة القدس، بل كثُف من حملته وهجمته الممنهجة ضدهم قبل حلول شهر رمضان المبارك، وأبعد عددًا منهم عن المسجد الأقصى والبلدة القديمة، في محاولة لمنع تغطية ما يجري بحق القدس والأقصى، وتوثيق انتهاكات المستوطنين واقنحامتهم للمسجد المبارك.
تصعيد خطير
رئيس مركز القدس الدولي حسن خاطر يقول إن قرار وزير جيش الاحتلال بحظر عدد من المنصات الإعلامية التي تغطي أخبار الأقصى والقدس تمثل تصعيدًا خطيرًا في سياق الصراع القائم، ومزيدًا من العدوان على القدس والأقصى، وإبعاد ما يجري ضدهما عن الإعلام.
ويوضح خاطر في حديث خاص لوكالة “صفا”، أن هذه المنصات كانت تؤدي دورًا محوريًا في نقل ما يجري في المدينة المقدسة، سواء فيما يتعلق بالمسجد الأقصى أو بالانتهاكات التي تطال المقدسات الإسلامية والمقدسيين.
ويضيف أن القرار لا يقتصر على إجراء إداري، بل يهدف إلى تغييب الرواية الفلسطينية، وتعتيم إعلامي واسع على القدس وأحداثها، وإقصاء الرواية الحقيقية لإفساح المجال أمام الرواية الإسرائيلية لتكون المصدر الوحيد المتاح للعالم.
ويؤكد أن الاحتلال يريد تهيئة المجال لتحولات قد تكون أكثر حساسية وخطورة في المرحلة المقبلة، وكذلك، إضعاف الحضور الإعلامي العربي والإسلامي فيما يتعلق بملف القدس، الذي يُعد محور القضية الفلسطينية ومركزها.
مخاطر القرار
ويحذر خاطر من مخاطر وتداعيات القرار قائلًا: “هذا تطور خطير جدًا، لا يجب السكوت عليه على المستوى الإعلامي العربي والإسلامي والإعلام الحر في العالم، ويجب التحرك إعلاميًا عربيًا وإسلاميًا وعالميًا لتعويض الخلل الكبير الذي يُحدثه الاحتلال بهذه القرارات السياسات، ومواجهة إجراءاته القمعية والدكتاتورية”.
و”هذا التطور يُعد جزءًا من الصراع على الرواية والوعي، إذ يسعى الاحتلال إلى تعتيم والسيطرة على الصورة المتداولة دوليًا بشأن ما يحدث في المدينة المقدسة”. وفق خاطر
ويبين أن التعتيم الإعلامي يشير إلى احتمال وجود خطوات أكثر خطورة يجري التحضير لها بحق القدس، خاصة أن تغييب الإعلام غالبًا ما يسبق أحداثًا كبيرة وربما أعمال وأفعال تمس هذه القضية والمقدسات.
وفي السابق_ كما يشير خاطر_ كانت عمليات الهدم والتهجير التي تتم في القدس، والإغلاق والحصار والمساس بالمسجد الأقصى، وفتح الأبواب أمام المستوطنين، ومصادرة الأراضي وبناء “الحدائق التوراتية”.. كل هذه الإجراءات كان يتم تغطيتها وإبقائها حاضرة في المشهد الدول، أما اليوم، فإن تغييب الإعلام قد يُمهّد لخطوات أشد خطورة تمس المدينة والمقدسات.
تحرك إعلامي واسع
ويتابع “لهذه الأسباب ندق جرس إنذار خطير، يستوجب تحركًا إعلاميًا واسعًا للحفاظ على حضور القدس في الوعي العربي والإسلامي والدولي، ولإعادة البوصلة الإعلامية في العالم نحو القدس وعدم السماح بتغييبها عن المشهد الدولي، ولتبقى كل الجهات الدولية والمسلمين في العالم على إطلاع لما يجري في المدينة المقدسة”.
ولم يقتصر الأمر على حظر المنصات، بل سبق ذلك، وفقًا لخاطر، إبعاد صحفيين مقدسيين عن المسجد الأقصى، والتضييق على التغطية داخل البلدة القديمة، ما يعكس سياسة منهجية تهدف إلى تقليص حضور الإعلام في القدس بشكل كامل.
ويضيف “نحن في عصر لم يعد فيه الإعلام حكرًا على الجهات الرسمية؛ إذ يمكن لكل مواطن أن يُسهم في نقل الصورة وإيصال الحقيقة إلى العالم”.
ويعتقد رئيس مركز القدس أن الاحتلال لن ينجح في نهاية المطاف، لكن من المؤكد أنه ما دام قد أقدم على هذه الخطوة، فإن لديه مخططات خطيرة يسعى إلى فرضها على المدينة المقدسة في المرحلة القادمة.
تهويد متدرج
وبهذا القرار يكون الاحتلال قد حظر تقريبًا كل المنصات الرقمية المختصة بالقدس والأقصى وشؤونهما، وعزز حالة التعتيم الإعلامي الشامل التي يفرضها على المسجد الأقصى منذ بدء حرب الإبادة. وفق ما يرى المختص في شؤون القدس زياد إبحيص
وقال إن هذا القرار يُؤكد أن الاحتلال يرى في هذه الأيام والشهور نافذة تاريخيّة للحسم، يحاول خلالها فرض مشروع تهويد القدس والأقصى، وتحقيق مآلات ما بدأه من مسارات تهويد متدرجة.
وأضاف أن الاحتلال ينظر إلى حظر منصات الإعلام المقدسي كمقدمة ضرورية للتمهيد لعدوانه، العدوان الذي لم يلبث يمضي في خطوة جديدة فيه في كل يوم وبالذات مع اقتراب رمضان الحالي.
وطالب إبحيص كل المؤسسات الإعلامية الفلسطينية والعربية والإسلامية بأن تكثف من تغطيتها للقدس، وأن تُفرد لها مساحة من صدارة تغطياتها في مواجهة هذه الإرادة الإسرائيلية للاستفراد بالقدس وتغييبها من الوعي والاهتمام.
وكانت تلك المنصات، وغيرها تسد ثغرًا مركزيًا في نقل هموم القدس ووقائعها، وفي تعميق الفهم لوقائع المعركة فيها، وكانت تواجه ملاحقة صحفييها وسجنهم والاعتداء عليهم وإبعادهم عن الأقصى حتى باتت في آخر أيامها تضطر لتصوير اقتحامات الأقصى من فوق جبل الزيتون، لأنه لم يبقَ لديها مراسل واحد يستطيع العمل من داخله.
بدوره، كتب الباحث في شؤون القدس عبد الله معروف في منشور على منصة “إكس”، أن حظر الوكالات الإعلامية “يُعد مؤشرًا على نية الاحتلال التوجه نحو تصعيد واسع في القدس والأقصى خلال الفترة المقبلة”.
واعتبر أن سلطات الاحتلال “تستبق ذلك بمحاولة كتم الأصوات المقدسية بالكامل”.

