المقدمة
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد عدوان على ايران أو جولة ردع عابرة. وانما نحن اليوم أمام لحظة تأسيسية فارقة في تاريخ الإقليم، تختبر فيه القوانين الدولية ومعنى السيادة، وحدود القوة، وقدرة النظام الدولي والإقليمي على ضبط ومنع الصراعات الكبرى.
فالتطورات المتسارعة – من العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران، مرورًا بالردود الصاروخية الإيرانية، وتصريحات الرئيس الأمريكي ترامب حول استمرار العمليات “حتى تحقيق جميع الأهداف” والتي وصلت الي إسقاط النظام، وفي المقابل تصريحات إيرانية للرد علي العدوان ، وانساع الصراع عبر الانخراط لبعض دول أروبا الي جوار الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وتدخل حلفاء إيران، وما بين المعارضة الداخلية داخل إيران وخارجها ، ورود فعل الدول العربية لانتهاك سيادتها جراء ضرب ايران للقواعد الأمريكية في بعض الدول العربية، وردود الفعل الدولية المتعددة ، ما يكشف أننا أمام صراع متعدد الطبقات، يتجاوز منطق “الرد على الرد”، ويتجه نحو اختبار شامل لإرادة الأطراف وقدرتها على مواصلة الحرب و الصمود، وإدارة الاستنزاف ، وقياس التكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية لكل خطوة. كما يكشف عن تحولات جيوسياسية محتملة، تشمل إعادة توزيع موازين القوى والتحالفات في الشرق الأوسط، عدا عن اختبار قدرة النظام الإيراني على الصمود امام محاولات التغيير القسري الأمريكية والإسرائيلية.
باختصار، المواجهة الحالية ليست مجرد صراع ثنائي اوثلاثي، بل لحظة تاريخية لإعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي الإقليمي والدولي، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والدبلوماسية والدينية ويصبح لكل تحرك أثر مباشر على إيران، إسرائيل، الولايات المتحدة، ودول المنطقة بأكملها والنظام الدولي.
أولًا: الأهداف الأمريكية–الإسرائيلية… إعادة هندسة الإقليم
لا يمكن قراءة التصعيد بمعزل عن أهداف أوسع تتجاوز تحجيم البرنامج النووي أو الصاروخي الإيراني. الاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية تتجه نحو إعادة تشكيل النظام الإقليمي والشرق الأوسط برمته، عبر:
تثبيت التفوق الإسرائيلي طويل الأمد ومنع أي قوة إقليمية من الاقتراب من “العتبة النووية”.
إعادة تعريف مفهوم الأمن في المنطقة بحيث يصبح أمن إسرائيل أولوية فوق اعتبارات الأمن القومي العربي والإقليمي.
السيطرة على منابع الطاقة والممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر، بما يضمن التحكم بتدفقات الطاقة.
قطع الطريق على التمدد الصيني والروسي، خصوصًا في سياق مشروع “الحزام والطريق”، ومنع إيران من التحول إلى عقدة جيوسياسية لصالح بكين وموسكو.
فرض واقع إقليمي يتيح لإسرائيل توسيع نفوذها السياسي والجغرافي، في ظل حديث متجدد داخل الدوائر الإسرائيلية والأمريكية عن تصورات توسعية لإقامة إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
بهذا المعنى، نحن أمام صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، لا مجرد مواجهة على منشأءت نووية أو مخازن للصواريخ او حتي ايران فقط .
ثانيًا: من الضربة إلى مشروع التفكيك… استراتيجية كسر العظم
الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي لم يكن عملية تكتيكية معزولة، بل جاء ضمن تصور استراتيجي أوسع يسعى إلى تفكيك عناصر القوة الإيرانية تدريجيًا: القيادة العليا، البنية الصاروخية، الهامش النووي، وشبكات النفوذ الإقليمي.
إسرائيل وأمريكا اعتمدت نمط “الضربة الوقائية الموسعة”، القائمة على استهداف مراكز القرار واغتيال العقول المدبرة، انطلاقًا من عقيدة أمنية ترى أن انتظار اكتمال التهديد خطأ وجودي.
أما اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي فشكّل نقلة نوعية؛ إذ لم يعد الأمر يتعلق بمنشأة نووية أو مستودعات صواريخ، بل بقمة الهرم الرمزي والسياسي للنظام، بهدف اسقاطه ، كما ان الولايات المتحدة وإسرائيل من جهتها لم تكتف ياستهداف المنشآت العسكرية الإيرانية بل وسعت من اطار اهداف الحرب ليصبح الهدف إسقاط النظام، عدا الأهداف الأعمق التي علي ما يبدو تتجاوز إضعاف إيران عسكريًا؛ وانما إعادة صياغة الاقليم او بالحد الادني منع أي فاعل إقليمي من الاقتراب من عتبة ردعية تهدد التفوق الإسرائيلي طويل الأمد.
لكن فرضية أن “قطع الرأس” يؤدي إلى انهيار الجسد تبقى محل اختبار. فالتجربة الإيرانية منذ 1979 أظهرت بنية مؤسساتية مركبة تتداخل فيها المؤسسة الدينية مع الحرس الثوري والأجهزة الأمنية، بما يمنح النظام قدرة على إعادة إنتاج القيادة حتى في أوقات الصدمة.
ثالثًا: إيران بين الاختراق العميق وقدرة الامتصاص
نجاح الضربة الأولى – وعنصر المفاجأة واستهداف اهم القيادات السياسية والعسكرية في تكرار لسيناريو سابق في العدوان الإسرائيلي علي ايران قبل سبعة أشهر – يؤكد وجود اختراق أمني عميق داخل البنية الإيرانية، وتكرار السيناريو ذاته يشي بثغرات بنيوية في منظومة الأمن والاستخبارات، وهو مؤشر إلى خلل استراتيجي يتطلب مراجعة جذرية.
ومع ذلك، فالضربة الافتتاحية لم تحقق أهدافها بالكامل في شلل القدرات القيادية وقدرة الرد ، إذ تمكنت إيران من امتصاص الصدمة وإدارة رد مدروس وفعال استهدف دولة الاحتلال الإسرائيلي وبشكل واسع وكثيف، عدا عن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة والبوراج الحربية. إضافة إلى قدرات ردع على كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة. يعكس هذا التحول قدرة الدولة على إدارة الصراع ضمن منطق المقاومة ضد الهيمنة الاستعمارية الإمبريالية، وتحويل العدوان إلى أداة رفع كلفة علي الطرف المعتدي.
وقد اتخذ الرد الإيراني شكل موجات صاروخية ومسيرات، علي إسرائيل بهدف إيقاع خسائر محققة ولاستنزاف الدفاعات الإسرائيلية وإثبات أن منظومة الردع الإيراني فاعلة، حيث تركز الاستراتيجية الإيرانية على تحويل الصراع من مواجهة مباشرة إلى حرب استنزاف جوية وبحرية، وتثبيت معدلات ردع جديدة ازاء إسرائيل والولايات المتحدة.
وان كان اغتيال المرشد الأعلى قد فرض تحديًا مضاعفًا: يثمثل في إعادة ترتيب هرم القيادة في زمن الحرب، والحفاظ على تماسك الداخل، ومنع انتقال الصراع إلى صدامات داخلية بين مراكز القوى في ظل هشاشة البنية الأمنية.
ولعل المفارقة أن العدوان الخارجي قد إعاد تعبئة الشارع خلف الدولة وهذا ما حدث من خروج ملايين الإيرانيين للشوراع رفضا للعدوان ومطالبة بالأنتقام ، كما ان الامر لم يقتصر علي ايران بل خرجت مسيرات احتجاجية في لبنان والعراق واليمين وباكستان ومناطق اخري، فاستهداف المرشد الذي يمثل قيمة دينية كبري لدي الشيعة الامر الذي سبب وسوف يسبب زلال لن تتوقف حدوده علي مستوي ايران وفقا لعقيدة ولي الدم بما يفتح فرص الانتقام الفردي في دول مختلفة في العالم ضد المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ورغم مقتل المرشد وعشرات القيادات العسكرية والسياسية الا ان اليومان الأول والثاني أظهرا أن أي افتراض بانتصار سريع للمعتدين لم يكن واقعيًا، وأن الصراع طويل الأمد يحمل تكاليف باهظة على كل من إسرائيل والولايات المتحدة فقد أثبتت ايران قدرتها على إدارة الرد حتى في مواجهة قوات متفوقة تكنولوجيًا وعسكريًا، مما يؤكد أن الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية ليست مطلقة، ويطرح تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على الاستمرار في عدوان محفوف بالمخاطر السياسية والعسكرية، في ظل صعود تدريجي لقوى إقليمية قادرة على فرض كلفة استراتيجية عالية.
ولقد أظهرت الوقائع بان ايران تمتلك عناصر تمكّنها من الامتصاص والاستمرار، أبرزها:
توزيع مراكز القرار بين مؤسسات متعددة يقلل احتمالات الشلل الكامل.
مخزون صاروخي تراكمي يسمح بمواصلة الهجمات رغم فقدان قيادات.
عمق جغرافي وبشري يعقّد مهمة الاستئصال الكامل.
سردية سيادية ودينية تعبّئ الداخل في مواجهة “عدوان خارجي” بل وتعبي المولين في العالم .
رابعًا: أوروبا بين القلق الاستراتيجي والعجز العملياتي
الموقف الأوروبي يعكس ازدواجية واضحة: قلق عميق من التصعيد، ودعوات متكررة لوقف الأعمال العسكرية، لكن دون انخراط حاسم في كبح المسار العسكري الأمريكي–الإسرائيلي، فالعواصم الكبرى ترى الصراع من زاويتين رئيسيتين:
منع إيران من بلوغ العتبة النووية. ومنع انفجار إقليمي يهدد أمن الطاقة ويعمّق أزماتها الاقتصادية.
أوروبا تدرك أن أي تهديد جدي لمضيق هرمز سيعني صدمة نفطية جديدة، تضرب اقتصادًا لم يتعافَ بالكامل بعد من أزمات سابقة. ومع ذلك، أروبا منقسمة بين رغبة بعض الدول في التدخل الس جوار أمريكيا وإسرائيل وبين دول تدعو للحياد وتغليب الحلول الدبلوماسية ولكنها تفتقر إلى أدوات ضغط مستقلة تمكّنها من فرض تسوية دون توافق أمريكي.
خامسًا: الدول العربية… السيادة في مرمى النيران
الهجمات التي طالت مواقع القواعد الأمريكية في السعودية والكويت والإمارات والبحرين والعراق والأردن وسلطنة عمان وضعت هذه الدول في موقف حرج. فهي لا ترغب في أن تكون ساحة حرب بالوكالة، لكنها لا تستطيع تجاهل المساس بأراضيها، رغم موقفها سابقا ضد التصعيد في المنطقة والمطالبة بحلول دبلوماسية ، الا ان العدوان الإسرائيلي الأمريكي علي ايران تسبب في خلط الاوراق في المنطقة ، وقد ادت ردود الفعل الإيرانية وقصف القواعد الأمريكية وأهداف مدينة اخري الي ادانة عربية ومن جامعة الدول العربية عدا عن بيان صادر عن وزراء الخارجية في دول الخليج العربي ركزت على رفض أي انتهاك للسيادة ورفض وادانه الاعتداءات الإيرانية، واتخاذ تدابير دبلوماسية تمثلت بسحب واستدعاء السفراء ، والتلويح بالرد ، ولكن المعضلة العربية تكمن في كيفية حماية الأمن الوطني دون الانجرار إلى صراع إقليمي شامل، فأي رد مباشر على إيران سيعني توسيع رقعة الحرب، وأي صمت قد يُفسَّر ضعفًا، ولعل الوضعية العربية الراهنة ووجود القواعد العسكرية الأمريكية فيها والتي فشلت في حماية القواعد ذاتها وليس الدول تفرض تفكير مغاير لضمان حماية الامن الوطني والقومي العربي، وفي المقابل علي ايران ان تتوقف كثيرا امام قصف دول الخليج الذي تعتقد انه يمكن ان يشكل ضغطًا على واشنطن أو تل أبيب باعتبار ذلك قراءة سطحية ؛ إذ ان هذه الأفعال تمنح خصوم إيران فرصة لعزلها عربيا ودوليا، وتدفع بعض الدول إلى إعادة اصطفاف دفاعي قد لا يخدم المصالح الإيرانية على المدى المتوسط والبعيد ، وبل ويحقق أهداف أمريكية وإسرائيلية بمنع التقارب العربي الايراني والتقارب العربي والاقليمي .
سادسًا: الصين وروسيا… توازنات النظام الدولي
الصين وروسيا تنظران إلى الصراع من زاوية أوسع: استقرار الطاقة، ومنع الولايات المتحدة من فرض واقع أحادي جديد في الإقليم. دعواتهما لوقف التصعيد لا تنبع فقط من حرص أخلاقي، بل من حسابات استراتيجية مرتبطة بمصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية.
إيران بالنسبة لهما ليست مجرد حليف، بل عقدة جيوسياسية على تقاطع طرق الطاقة والتجارة. انهيارها أو تفكيكها سيعيد توزيع النفوذ في المنطقة لصالح واشنطن، وهو ما لا يخدم طموحات بكين وموسكو في نظام دولي متعدد الأقطاب.
سابعًا: تركيا… حسابات الجوار الصعب
تركيا تجد نفسها في موقع دقيق؛ فهي ترفض مبدئيًا استهداف قادة الدول وتقويض مفهوم السيادة، لكنها عضو في حلف شمال الأطلسي وترتبط بشبكة علاقات معقدة مع واشنطن.
تصريحات الرئيس رجب أردوغان عكست قلقًا من سابقة اغتيال رأس دولة في المنطقة، لما لذلك من انعكاسات على مفهوم الشرعية الإقليمية. فتركيا تسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق: لا انخراط مباشر في المواجهة، ولا تجاهل كامل لتداعياتها، مدركة أن أي تفكك إيراني واسع قد يعيد خلط الأوراق في العراق وسوريا والإقليمي بما يؤثر مباشرة على أمنها القومي وحدودها الجنوبية.
ثامنًا: تداعيات الحرب… الاقتصاد والجغرافيا في مرمى النيران
لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ فقط، بل بكلفة استمرارها. فالدفاعات الجوية الإسرائيلية تُستهلك بوتيرة مرتفعة، والدعم الأمريكي يضغط على الموازنة في سياق عالمي مضطرب. فيما إيران تواجه أعباء إعادة ترتيب القيادة والبنية العسكرية تحت ضغط العقوبات والعدوان مع ضمان قدرتها علي مواصلة الصمود .
واقتصاديًا، تسبب اغلاق مضيق هرمز في ارتفاعً حادًا في أسعار النفط وتكاليف الشحن، التامينات ما سوف ينعكس في تضخم عالمي يرفع من منسوب الازمات الاقتصادية لدول متعددة في العالم . وهكذا يتحول النزاع من أزمة إقليمية إلى عامل ضغط على النظام الاقتصادي الدولي.
تداعيات الحرب تتجاوز الأطراف المباشرة:
أمنيًا: تآكل قواعد الاشتباك التقليدية وتكريس الاغتيالات كأداة سياسية واسقاط الانظمة ما يهدد امن الدول ويثبت شريعة الغاب .
اقتصاديًا: ارتفاع أسعار النفط، اضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة الإنفاق العسكري على حساب التنمية.
سياسيًا: إعادة اصطفاف محتملة في الخليج ودول المنطقة والعالم عدا عن ارتفاع الضغوط الداخلية على الحكومات.
استراتيجيًا: تسريع سباق التسلح الإقليمي، وربما إعادة النظر في سياسات الردع النووي.
تاسعًا: فلسطين في ظل إعادة هندسة الإقليم
في خضم الانشغال العالمي بالمواجهة الكبرى، تتراجع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات الدولية. تستفيد إسرائيل من الظرف الإقليمي لتوسيع هامش عدوانها في الضفة الغربية وغزة، وإعادة تشكيل الوقائع على الأرض بعيدًا عن اي ضغط دولي فعّال.
ليصبح الصراع مع إيران مظلة تعمية عن الابادة الجماعية، وفرصة لإعادة ترتيب أولويات المنطقة، وتكريس معادلات قوة جديدة على حساب ملفات أخرى، وفي مقدمتها الحقوق الفلسطينية.
عاشرًا: المآلات المحتملة… بين الاستنزاف والتسوية والانفجار
نحن أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
١. حرب استنزاف طويلة تُبقي الجميع في حالة إنهاك دون حسم واضح.
٢. تسوية اضطرارية بعد استعراض القوة، تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض بشروط معدلة.
٣. انفجار إقليمي واسع إذا تجاوزت الضربات سقف الحسابات أو انخرطت قوى إضافية مباشرة.
وربما يفتح الصراع علي سيناريوهات اخري فقد ادي
اغتيال المرشد الأعلى الي رفع سقف المواجهة وعمّق طابعها الوجودي، وجعل العودة إلى ما قبل الضربة شبه مستحيلة.
فإيران تستطيع الامتصاص والصمود لكنها ليست بمنأى عن الاستنزاف الداخلي وخسارة الاصول العسكرية وفقدان القيادات والخساير الاقتصادية والبشرية .
فيما إسرائيل قادرة على مواصلة العدوان لكنها ليست محصنة من الاستنزاف الدفاعي وتكبد خسائر بشرية واقتصادية كبيرة قد تصل لمرحلة لا تحتملها ، فيما الولايات المتحدة ورغم قوتها وتفوقها العسكري، لكنها لا تملك ضمانة لنصر سياسي سريع وكلما طالت الحرب فهذا يعني ارتقاع منسوب المعارضة الداخلية للحرب وخاصة ان ارتفعت تكاليفها البشرية والاقتصادية، فيما أوروبا تخشى الانفجار وتدعو لحلول دبلومسبة ولكن بعض دولها لا تستطيع مغادرة تحالفها مع الولايات المتحدة رغم إداركها للثمن الذي سوف تدفعه ، فيما وتركيا وباكستان وغيرها من دول إسلامية دول في افريقيا وامريكا اللاتينية وآسيا تناور لضمان مصالحها.
خاتما : لم يعد السؤال من سينتصر عسكريًا، بل أي نظام إقليمي سيُبنى فوق هذا الركام:
وهل سيكون شرق أوسط تسيطر عليه إسرائيل وأمريكا تُفرض فيه الهيمنة بالقوة؟
أم شرق أوسط يُعاد فيه تعريف التوازنات عبر تسويات تاريخية أقل كلفة ؟
ولعل المفارقة انه ورغم الصراعات العربية الإيرانية والإيرانية التركية الا دول في المنطقة والعالم تدرك بان توازن القوى مع إسرائيل وأمريكا هو الضمان الوحيد للسلام الاستراتيجي في الشرق الأوسط، وان زوال هذا التوازن الذي تعتبر ايران حجر اساسيا فيه، سيضع تركيا والدول العربية في مواجهة مباشرة مع مشروع إسرائيل الكبرى، ويجعل الأمن القومي العربي والإقليمي في حالة تهديد وجودي محتمل.
بما يعزز فرضية بان العدوان على إيران ليست مجرد صراع ثنائي، بل عدوان لإعادة رسم المشهد الإقليمي بكامله.
في الختام يعلمنا التاريخ أن كسر العظم يمنح شعورًا بالتفوق اللحظي، لكنه نادرًا ما ينتج استقرارًا دائمًا، أما إعادة التوازن واحترام سيادة وحقوق الدول والقانون الدولي فهي مسار أكثر تعقيدًا، لكنه هو الضمانة الامن والاستقرار على المدى البعيد.
والمنطقة اليوم رغم الانفجار الذي تسبب فيه العدوان الإسرائيلي والأمريكي تقف بين هذين الخيارين، مع احتمالية اعلي لحريق متصاعد ومتواصل يعيد تشكيلها لعقود قادمة.

