المسار : في عمق الليل، حين كانت قرية أبو فلاح شرق رام الله تغفو على قلقٍ ثقيل، دوّى صوت الخطر. اقتحم المستوطنون أطراف القرية، فهبّ أبناؤها دفاعًا عن بيوتهم وكرامتهم. كان بين الذين لبّوا النداء الشابان ثائر وفارع حمايل، اللذان خرجا مع عدد من الشبان والأهالي للتصدي للهجوم، غير آبهين بالرصاص الذي كان يترصّد كل خطوة. لكن رصاص المستوطنين كان أسرع، فأصاب الشابين إصاباتٍ قاتلة، فيما أُصيب عدد من الشبان بجروح وهم يحاولون حماية قريتهم.
لم يكن المشهد أقل وجعًا عند المركز الصحي في القرية، حيث تجمهر الأهالي بقلوبٍ يعتصرها القلق على الجرحى. وفي تلك اللحظات، اقتحم جنود الاحتلال القرية، وأطلقوا وابلاً من الغاز المسيل للدموع ما أدى لاستشهاد المواطن محمد حسن مرة.
وقال أمين شومان، أبن قرية أبو فلاح ورئيس الهيئة العليا لمتابعة شؤون الاسرى والمحررين، لوطن، إنه في تمام الساعة الواحدة ليلا تفاجأ أهل بلدة أبو فلاح ومن قبل لجان الحراسة في القرية، أن هناك هجوم مفاجئ من أكثر من ثمانين من قطعان المستوطنين الذين هاجموا القرية من محيطها الشمالي، وعندما تم اكتشافهم قاموا بإطلاق الرصاص الحي على الشبان والمواطنين الذين هبّوا لحماية ممتلكاتهم وأرواحهم والدفاع عن أرضهم وعن بلدتهم.
وأضاف: هذه السياسة هي مبرمجة وممنهجة وبحماية جيش الاحتلال الإسرائيلي الذي كان متواجدا بكثرة في هذه الليلة والذي يعطى الضوء الأخضر لقطعان المستوطنين كي يعيثوا فسادا في الأرض الفلسطينية. في هذه الليلة ارتقى ثلاثة من شهداء هذه البلدة.
من جانبها، قالت محافظة رام الله والبيرة د. ليلى غنام، لوطن، إنه في اليوم الذي يحتفيه فيه العالم بيوم المرأة بحقوق وكماليات، تحتفي المرأة الفلسطينية اليوم بوداع الشهداء من أبنائها، وتسهر الليالي بصد العدوان عن البلاد.
هكذا ارتقت ثلاثة أرواحٍ عُرفت بين أهلها بالشهامة والنخوة، وبوقوفها الدائم إلى جانب أبناء قريتها في وجه اعتداءات المستوطنين. رحلوا وهم يدافعون عن أرضهم وأهلهم، لكن أسماءهم بقيت حاضرة في ذاكرة القرية، شاهدةً على قصة شجاعةٍ ووفاءٍ كتبها أبناء أبو فلاح بدمائهم في ليلةٍ ثقيلة من ليالي الوطن.
وقال أيمن حمايل رئيس مجلس قروي أبو فلاح وقريب الشهيد ثائر حمايل، إنه عندما بدأ المستوطنون بإطلاق النار على المواطنين استشهد ثلاثة مواطنين، وأصيب أكثر من 10 أخرين بجروح.
وأضاف: هذا ليس الاعتداء الأول على أبو فلاح، فمنذ اسبوعين قاموا بحرق عزبة بمساحة 200 متر. كما اعتدوا أكثر من مرة على أبو فلاح وعلى الأراضي والممتلكات. مؤكدا أن القرية تشهد اعتداءات شبه يومية من قبل المستوطنين.
وقال عمر حمايل، قريب الشهداء الثلاثةفي لقاء صحفي ، إن الشهيد فارع ابن عمي وثائر ابن خالتي ومحمد عديلي. إنهم أناس مسالمين، فثائر شاب صغير في العمر، رُزق بمولود من فترة قصيرة. أما الشهيد فارع فهو رجل مسالم، كذلك عديلي محمد رجل مسالم، استشهد داخل منزله، وهذا هو الواقع الذي نعيشه في فلسطين.
في قرية أبو فلاح، لم تكن تلك الليلة مجرد اعتداءٍ عابر، بل صفحة أخرى من حكاية الصمود الفلسطيني. ثلاثة شهداء ارتقوا في ساعاتٍ قليلة، لكنهم تركوا خلفهم معنىً أكبر من الغياب؛ تركوا درسًا في الشجاعة والانتماء، حين وقفوا بصدورهم العارية دفاعًا عن بيوتهم وأهلهم.

