(صور وفيديو ) قصة البداية والتطور… حسن طهراني مقدم، “أبو الصواريخ” الإيرانية التي ترهب إسرائيل

عندما أنظر إلى مسرح العمليات وأتأمل التهديد الإيراني، فإن ذلك يمثل أكثر التهديدات إثارة للقلق بالنسبة لي”.

المسار: في أبريل/نيسان عام 2021، أطلق قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) آنذاك الجنرال كينيث إف. ماكنزي هذا التصريح، ردا على سؤال طُرح عليه حول تطور القدرات الإيرانية في مجال الصواريخ الباليستية. وأضاف ماكنزي قائلا: “خلال السنوات الخمس إلى السبع الماضية، حقق الإيرانيون تحسينات نوعية ملحوظة في قوتهم الصاروخية الباليستية، كما شهدت هذه القوة نموا كميا أيضا، إذ يبلغ عدد الصواريخ الآن -بحسب طريقة احتسابها- ما يقارب 3 آلاف صاروخ مختلفة المدى”.

وفي مقابلة أجريت معه في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، ذهب الجنرال ماكنزي إلى أبعد من ذلك؛ إذ نقلت وسائل إعلام عنه قوله إن برنامج الصواريخ الإيراني أصبح يشكل تهديدا مباشرا أكبر من البرنامج النووي الإيراني، وأن الصواريخ تمنح طهران ما وصفه بـ”تفوق حاسم”، يشمل القدرة على “إغراق” أو “إرباك” الدفاعات العسكرية الأمريكية أو دفاعات القوات الحليفة في المنطقة بقوة نارية تفوق قدرتها على المواجهة.

يعد هذا البرنامج الصاروخي عنصرا أساسيا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي ترمي في أدنى الأحوال إلى تقليص قدرة طهران على الردع العسكري وفي القلب منها برنامجها الصاروخي. في المقابل، توظف إيران ترسانتها الصاروخية لإثبات قدرتها على الصمود في وجه الضربات موجهة صواريخها إلى قلب المدن الإسرائيلية، وكذلك إلى القواعد والمصالح الأمريكية كما تقول تصريحات المسؤولين الإيرانيين.

US Central Command Gen. McKenzie Briefs Media On Response To Rocket Attack In Iraq
ماكنزي: برنامج الصواريخ الإيراني أصبح يشكل تهديدا مباشرا أكبر من البرنامج النووي الإيراني (رويترز)

قصة البرنامج الصاروخي الإيراني

ولهذا البرنامج الصاروخي، الذي اختُبر بصورة عملية في حرب الـ12 يوما في يونيو/حزيران 2025، والحرب الجارية التي اندلعت فجر يوم 28 فبراير/شباط 2026 قصة طويلة بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، مع موجة التطوير العسكري الذي حاول الشاه تدشينها في تلك الفترة التي سبقت قيام الثورة الإسلامية التي أطاحت بنظامه عام 1979.

ففي عام 1977 وقعت طهران اتفاقا عسكريا مع إسرائيل عُرف وقتها باسم “مشروع الزهرة” (Project Flower)، وهو واحد من سلسلة اتفاقات إيرانية إسرائيلية أبرمت وفق صيغة “النفط مقابل السلاح”. هدف المشروع إلى تطوير صواريخ باليستية متوسطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية، واستند تصميمها إلى صاروخ أمريكي الأصل، مع أجزاء مصنَّعة في إسرائيل ومعدات ملاحة وتوجيه أمريكية.

“وقّعت طهران اتفاقا عسكريا مع إسرائيل عام 1977 عُرف وقتها باسم مشروع الزهرة (Project Flower)، وهو واحد من سلسلة اتفاقات إيرانية إسرائيلية أبرمت وفق صيغة النفط مقابل السلاح”.

وبحلول عام 1978، قدمت إيران دفعة مقدمة بقيمة نحو 260 مليون دولار من النفط كمقابل لتنفيذ المشروع، وتم تزويد إسرائيل بالنفط عبر شركات وسيطة لضمان السرية. ورغم أن المشروع توقف مع اندلاع الثورة الإسلامية بعد ذلك بعامين، فإنه مثّل المحاولة الأولى لإيران لاقتناء قدرة صاروخية متطورة.

لم يتوقف هذا الحلم الإيراني بقيام الثورة الإسلامية، بل إنه تعزز وأثبت أهميته خلال الحرب مع العراق (1980-1988). وبقدوم فجر يوم 12 مارس/آذار 1985 تمكنت الجمهورية الإسلامية من إطلاق أول صاروخ باليستي لها بمساعدة فريق من مهندسي الصواريخ الليبيين الذين أرسلهم العقيد معمر القذافي، حيث أطلقت طهران صاروخا معدلا من طراز “سكود-بي” (Scud-B) باتجاه مصنع للإسمنت بالقرب من مصفاة نفط كركوك في شمال العراق، وقد مثّلت هذه الضربة بداية سلسلة من الهجمات الصاروخية، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران أطلقت نحو 117 صاروخ سكود خلال الحرب العراقية الإيرانية.

وقد جاء ذلك الهجوم بعد أن تعرضت المدن الإيرانية ومراكزها السكانية لهجمات صاروخية عراقية باستخدام صواريخ “سكود-بي” وصواريخ “فروغ-7” (FROG-7) بهدف تقويض إرادة طهران في مواصلة الحرب، وهو ما دفع إيران إلى الرد بالمثل، بحسب ما يرصده بهنام بن طالبلو في دراسته بعنوان: “تقييم برنامج الصواريخ الباليستية لجمهورية إيران الإسلامية”.

لقد اتسم الرد الإيراني على الهجمات الصاروخية العراقية خلال الحرب العراقية الإيرانية بطابع تدريجي قائم على حسابات عسكرية وسياسية دقيقة، وتشير روايات رسمية إيرانية، من بينها مادة وثائقية بثها التلفزيون الرسمي الإيراني حول نشأة البرنامج الصاروخي الإيراني وسيرة الشخصيات التي أسهمت في تأسيسه، إلى أن طهران سعت منذ البداية إلى إدارة التصعيد الصاروخي بصورة محسوبة، حيث شكّل إطلاق أول صاروخ “سكود” إيراني باتجاه الأراضي العراقية لحظة مفصلية في مسار الحرب التي امتدت ثماني سنوات.

وقد جاءت هذه الخطوات في سياق ظروف داخلية وعسكرية شديدة التعقيد، فمع اندلاع الحرب في سبتمبر/أيلول 1980 لم تكن إيران حديثة العهد بالثورة مهيأة لخوض صراع طويل الأمد، في ظل معاناتها من مشكلات عميقة شملت نقصا ملحوظا في التجهيزات العسكرية وحتى في الكوادر البشرية المؤهلة.

تفاقمت هذه الصعوبات بفعل العُزلة الدولية التي واجهتها إيران بعد أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران في نوفمبر/تشرين الثاني 1979، حيث ردّت الولايات المتحدة على الحادثة بتجميد الأصول المالية الإيرانية، وهو ما حدّ من قدرة طهران على شراء منظومات عسكرية من الأسواق الخارجية، ثم تصاعدت الضغوط الأمريكية في السنوات اللاحقة، حيث أطلقت واشنطن عام 1983 ما عُرف بـ”عملية ستاونش”  (Operation Staunch) بهدف منع وصول التكنولوجيا العسكرية إلى إيران.

“أطلقت واشنطن عام 1983 عملية ستاونش (Operation Staunch) بهدف منع وصول التكنولوجيا العسكرية إلى إيران”.

وبحلول عام 1984 صنّفت الولايات المتحدة إيران رسميا دولة راعية للإرهاب، الأمر الذي ترتب عليه حظر شامل على بيع الأسلحة الأمريكية لطهران، إضافة إلى فرض قيود صارمة على تصدير المواد والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن توظيفها في الصناعات العسكرية، وفق ما يرصده مايكل أيزنشتات في دراسته “هل تستطيع الولايات المتحدة التأثير على سياسات أسلحة الدمار الشامل في العراق وإيران؟” المنشورة في عام 2000.

رغم ذلك نجحت إيران في تدشين برنامجها الصاروخي بهدوء بمساعدة ليبية في البداية كما أشرنا. وبحلول عام 1987 حصلت طهران على نحو 100 صاروخ “سكود” من كوريا الشمالية، حيث استخدمت العديد من هذه الصواريخ في ضرب مراكز سكانية خلال ما عُرف بـ”حرب المدن”، وذلك في المراحل الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية التي انتهت عام 1988.

ومن اللافت أن الحرب عززت الحاجة الملحة لدى طهران إلى إقامة صناعة تسليح محلية، ففي ثمانينيات القرن العشرين أنتجت إيران عدة منظومات صاروخية، كان من بينها صاروخ مدفعي غير موجه يعرف باسم “عقاب” ولاحقًا طورت إيران صاروخا آخر أطلق عليه اسم “نازعات” بلغ مداه حوالي 150 كم، ولا تزال بعض نماذجه قيد الخدمة حتى اليوم.

وفي مرحلة ما بعد الحرب أدت التجارب على أنواع مختلفة من الوقود الصاروخي إلى تمكين طهران من تطوير منظومات أكبر حجما وأطول مدى وأكثر قدرة تعتمد على الوقود الصلب، وقد أفضى التقدم الإيراني في هذا المجال إلى إنتاج صواريخ أكثر دقة استخدمتها إيران في عمليات عسكرية علنية خلال السنوات الأخيرة، كما طورت إيران محركين على الأقل لصواريخ إطلاق الأقمار الصناعية تعمل بالوقود الصلب.

صاروخ شهاب-3 خلال عرض عسكري أُقيم في طهران عام 1998 إحياءً لذكرى بدء الحرب على العراق (1980-1988)) (الفرنسية)

وقد أسهمت الصين في تزويد إيران بعدد من التقنيات الصاروخية، من بينها منظومة صواريخ “أرض-أرض” عُرفت إيرانيا باسم “توندار-69” وهي نسخة من صواريخ (CSS‑8 / M‑7) الصينية، إضافة إلى أنظمة التوجيه ومعدات تقنية أخرى مرتبطة بصناعة الصواريخ. كما قامت روسيا خلال تسعينيات القرن الماضي بتقديم دعم تقني ومواد أولية ساعدت في تطوير البنية الصناعية للبرنامج الصاروخي الإيراني، ولا تزال الصين حتى اليوم تمثل إحدى القنوات المهمة التي تلجأ إليها طهران للحصول على التقنيات والمواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن توظيفها في تطوير القدرات الصاروخية.

“مطلع التسعينات، نقلت كوريا الشمالية إلى إيران صواريخ سكود-سي (Scud-C) وخلال العقود الأربعة الماضية حصلت طهران من بيونغ يانغ على ثلاثة أنظمة صواريخ باليستية كاملة على الأقل”.

وفي بداية تسعينيات القرن العشرين نقلت كوريا الشمالية إلى إيران صواريخ “سكود-سي” (Scud-C) إلى جانب منصات إطلاق متنقلة إضافية، وخلال العقود الأربعة الماضية حصلت طهران من بيونغ يانغ على ثلاثة أنظمة صواريخ باليستية كاملة على الأقل، وتشير تقارير عديدة إلى أن كوريا الشمالية ساعدت طهران في تطوير نسختها الخاصة من صاروخ “نودونغ-أ” (No‑dong‑A)، وهو صاروخ باليستي متوسط المدى، وقد أنتجته إيران محليا تحت اسم “شهاب-3” الذي خضع لأول تجربة إطلاق في أواخر تسعينيات القرن العشرين.

ويُعد هذا الصاروخ اليوم الأساس الذي بُنيت عليه عدة منظومات صاروخية إيرانية متوسطة المدى تعمل بالوقود السائل، كما استُخدم أيضا في تطوير صواريخ إطلاق الأقمار الصناعية، وفي بداية الألفية الثالثة استمر التعاون بين البلدين، حيث حصلت إيران على صاروخ باليستي إضافي يعمل بالوقود السائل، وذلك بحسب ما يرصد موقع “إيران ووتش” (Iran Watch) في تقرير له بعنوان “المحطات الرئيسية في تطور البرنامج الصاروخي الإيراني”.

ولكن يجب القول إن شخصية محورية كانت وراء تطوير البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني طوال 30 عاما منذ الحرب العراقية الإيرانية، وعملت ليل نهار لتحقيق إيران اكتفاءها الذاتي في صناعة وتطوير هذه المنظومة التي بلغت أوجها مع الصواريخ الفرط صوتية من نوعية “فتاح-1″ و”فتاح-2”. هذا الرجل هو اللواء حسن طهراني مقدم.

حسن طهراني مقدم منصة اكس - @Mahdiibakhtiari
حسن طهراني مقدم – أبو البرنامج الصاروخي الإيراني (مواقع التواصل)

طهراني مقدم أبو الصواريخ الإيرانية

برز اسم حسن طهراني مقدم في السنوات الأولى من الحرب العراقية-الإيرانية. وقد ارتبط اسمه بتطوير عدد من المشاريع الصاروخية التي شكلت جزءا مهما من القدرات الاستراتيجية لإيران، الأمر الذي أكسبه لقب “أبو الصواريخ الإيرانية”. وخلال مسيرته داخل الحرس الثوري الإيراني شغل مقدم عدة مناصب عسكرية وتنظيمية، بدأها بتوليه مسؤولية فرع المعلومات في المنطقة الثالثة التابعة لفيلق الشمال، قبل أن يتدرج في مواقع مختلفة داخل المؤسسة العسكرية وصولا إلى منصب رئيس منظمة الاكتفاء الذاتي والبحوث الصناعية.

وُلد حسن طهراني مقدم في 29 أكتوبر/تشرين الأول 1959 في العاصمة الإيرانية طهران، وكان والده يعمل في مهنة الخياطة، متنقلًا بين منطقتي شكوفه وبهارستان في المدينة، وفي هاتين المنطقتين أمضى مقدم سنواته الدراسية الأولى، وخلال المرحلة الثانوية اختار التخصص في فرع الصناعات، قبل أن يحصل عام 1979 على دبلوم في الهندسة الصناعية من مدرسة “نفيسي”، وعقب ذلك واصل تعليمه الجامعي فتخرج عام 1981 في جامعة طوسي التكنولوجية في مدينة مشهد.

“انخرط طهراني مقدم في النشاط المعارض لنظام الشاه، كما شارك في الثورة الإيرانية وهو في سن 19 عاما”.

خلال السنوات التي سبقت انتصار الثورة الإسلامية في إيران، انخرط طهراني مقدم في النشاط المعارض لنظام الشاه، كما شارك في الثورة الإيرانية وهو في سن 19 عاما مع عدد من الناشطين وانخرط في أعمال سرية تضمنت تصنيع متفجرات بدائية باستخدام أدوات محلية بسيطة، ومع انتصار الثورة الإيرانية عام 1979 التحق وهو في الحادية والعشرين من عمره بصفوف الحرس الثوري الإيراني، الذي كان قد تأسس بقرار من آية الله الخميني في تلك المرحلة المفصلية من عمر الثورة. وبعد بضعة أشهر من انضمامه عُيّن مديرا لدائرة المعلومات في المنطقة الثالثة لفيلق الشمال، وظل في هذا المنصب قرابة عام واحد، قبل أن ينتقل إلى مهام ميدانية أوسع تمثلت في التعامل مع الاضطرابات الأمنية التي شهدتها محافظة كردستان غرب إيران في تلك الفترة.

مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/أيلول 1980 برزت لدى القيادة الإيرانية قناعة متزايدة بوجود اختلال واضح في ميزان القوى العسكرية لصالح الجيش العراقي، الذي كان يمتلك ترسانة واسعة من الأسلحة الحديثة حصل عليها من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وعدد من الدول الأخرى، وأمام هذا التفوق العسكري سعت إيران إلى البحث عن وسائل بديلة لتعويض هذا النقص وخلق قدر من التوازن النسبي يمكّنها من مواجهة الهجمات العراقية والحد من آثارها على الجبهة الإيرانية.

“مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 برزت لدى القيادة الإيرانية قناعة متزايدة بوجود اختلال واضح في ميزان القوى العسكرية لصالح الجيش العراقي”.

في تلك المرحلة كانت إيران تمتلك عددا محدودا من صواريخ “سكود” المستوردة التي يصل مداها التشغيلي إلى نحو 300 كيلومتر، وقد حاول حسن طهراني مقدم الاستفادة من هذه الصواريخ عبر تفكيكها ودراستها وفق منهج الهندسة العكسية بهدف فهم بنيتها التقنية وإمكانية تطوير نماذج مشابهة محليا، غير أن هذه المحاولات لم تكن كافية لبناء برنامج صاروخي مستدام قادر على مضاهاة القدرات العسكرية الكبيرة التي امتلكها الجيش العراقي آنذاك، الأمر الذي دفع القيادة العسكرية الإيرانية إلى التفكير في خيارات أخرى لتطوير منظومات تسليحية أكثر تقدمًا.

وقد شكّلت معركة فك الحصار عن مدينة عبادان نقطة تحول مهمة في هذا المسار، فبعد انسحاب القوات العراقية من بعض مواقعها مخلفة وراءها معدات عسكرية استولى عليها الإيرانيون، كان من بينها عدد من المدافع الميدانية، عمل طهراني مقدم مع فريقه على دراسة هذه المدافع ومحاولة استنساخها تقنيًا، وهو ما أدى إلى تطوير مدفع جديد اعتُبر من أوائل النماذج المدفعية التي صمّمها الحرس الثوري الإيراني.

وقد بادر حسن طهراني مقدم عام 1982 إلى تأسيس مركز للبحوث المدفعية في مدينة الأهواز، بهدف إنشاء قاعدة تقنية وبشرية لتطوير القدرات المدفعية الإيرانية، حيث ركز هذا المركز اهتمامه على تدريب عدد كبير من المهندسين والفنيين على تشغيل وصيانة وتطوير المدافع، سواء تلك التي كانت بحوزة الجيش الإيراني، أو التي حصلت عليها القوات الإيرانية غنائم خلال المعارك، وأسهم هذا الجهد المؤسسي في إرساء البنية الأولية لبرامج التطوير العسكري والصاروخي داخل الحرس الثوري خلال السنوات اللاحقة.

“نجح طهراني في توظيف الخبرات الصاروخية من ليبيا وسوريا وكوريا الشمالية وحتى الصين لتطوير برنامج صاروخي محلي ناضج وفعال”.

استمر حسن طهراني مقدم في البحث عن سبل تمكّن إيران من تحقيق توازن صاروخي مع العراق خلال سنوات الحرب، وفي هذا الصدد قاد وفدًا عسكريًا إيرانيًا إلى سوريا في أكتوبر/تشرين الأول 1984، حيث التقى رئيسها آنذاك حافظ الأسد سعيًا للاستفادة من مجال التسليح الصاروخي السوري وقتها، وخلال هذه الزيارة خضع مقدم وأعضاء الوفد المرافق له لدورات تدريبية على صواريخ “فروغ-7″ و”سكود-بي” السوفياتية، وذلك في إطار اتفاق سبق أن تم التوصل إليه بين وزير الحرس الثوري آنذاك محسن رفيق دوست مع الأسد.

وفي الوقت نفسه كانت ليبيا بقيادة معمر القذافي قد زودت إيران بنحو ثلاثين صاروخًا من طراز “سكود-بي”، الأمر الذي أتاح لطهراني مقدم وفريقه فرصة عملية لدراسة هذه الصواريخ والعمل على تطويرها، وهو ما أسهم لاحقًا في وضع الأسس الأولى للبرنامج الصاروخي الإيراني والذي ظهرت إرهاصاته الأولى بإطلاق منظومة “زمزم” الصاروخية، التي شكّلت لاحقًا إحدى اللبنات الأساسية في تطور القوة الصاروخية الإيرانية، ومثلت أساس برنامج الصواريخ الذي تطور تدريجيًا ليصبح أحد أهم مكونات القدرات العسكرية للجمهورية الإسلامية.
TEHRAN- Iran owes its missile power to Hassan Tehrani Moghaddam, the founding father of Iran’s missile power, الصحافة الإيرانية
هدف طهراني مقدم إلى تقليص اعتماد إيران على مصادر التسليح الخارجية (الصحافة الإيرانية)

وفي مرحلة لاحقة أصدر المرشد الإيراني الأول آية الله الخميني قرارًا بإعادة تنظيم الحرس الثوري عبر تقسيمه إلى قوات جوية وبرية وبحرية، كما أصدر قرارًا منفصلاً بتعيين حسن طهراني مقدم قائدًا للقوة الجوية في الحرس الثوري، وهو المنصب الذي مثّل منعطفًا جديدًا في مسيرته العسكرية.

وبعد توليه هذا المنصب سعى طهراني مقدم إلى تقليص اعتماد إيران على مصادر التسليح الخارجية، ولا سيما في مجال الأسلحة الجوية والصاروخية التي كانت طهران تعتمد فيها إلى حد كبير على الدعم القادم من سوريا وليبيا، وقد تعززت لديه هذه القناعة بعد ظهور خلافات بين الخبراء العسكريين الليبيين الذين أرسلهم القذافي إلى إيران وبين القيادة العسكرية الإيرانية، الأمر الذي دفعه إلى تكثيف الجهود الرامية إلى بناء قدرة صناعية محلية في مجال الصواريخ.

وكما يذكر غفار حدادي في كتابه “الخط الأمامي”، ففي خلال السنوات الأخيرة من الحرب العراقية–الإيرانية شارك طهراني مقدم في تطوير صواريخ هجومية قادرة على الوصول إلى عمق الأراضي العراقية، ووفق الرواية الإيرانية استخدمت طهران صواريخ صُممت بإشراف طهراني مقدم لضرب عدد من الأهداف المهمة، كان من بينها نادي الضباط العراقي في بغداد وفندق الرشيد الذي قيل إنه كان يُستخدم مقرا لإقامة دبلوماسيين ومسؤولين عراقيين.

واصل حسن طهراني مقدم جهوده الحثيثة في تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية، حيث لعب دورا محوريا في إدخال عدد من المنظومات الصاروخية إلى الخدمة ضمن الترسانة العسكرية الإيرانية، ففي مرحلة مبكرة من هذا المسار تمكن من تطوير صاروخ “شهاب-1” الذي عُد نسخة محلية مستندة إلى صاروخ “سكود-بي” السوفياتي، ولم تقتصر جهوده على هذا النموذج، إذ جرى لاحقا تطويره ليظهر “شهاب-2” بقدرات محسنة، قبل أن يتجه إلى العمل على منظومة صاروخية أخرى عُرفت باسم “زلزال” التي طُوِّرت في عدة نسخ.

المرحلة الأخيرة والاغتيال الغامض

يرصد مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) مراحل التطور في البرنامج الصاروخي الإيراني في العقد الأخير من حياة طهراني، ففي عام 1998 شهد البرنامج الصاروخي الإيراني خطوة نوعية مع تطوير صاروخ “شهاب-3” المستند تقنيا إلى صاروخ “سكود-سي” (Scud-C)، وهو صاروخ باليستي متوسط المدى يصل مداه التشغيلي إلى نحو 2000 كيلومتر، وقد خضع هذا الصاروخ لسلسلة من التجارب منذ عام 1998 قبل أن يدخل رسميا إلى الترسانة العسكرية الإيرانية بعد ذلك بسنوات.

وفي مرحلة لاحقة جرى تطوير “شهاب-3” إلى نسخة أكثر تقدما عُرفت باسم “قدر-110″، ويقدَّر مداها بما يتراوح بين 1800 و2000 كيلومتر، كما شهد عام 2008 خطوة أخرى لافتة في مسار البرنامج الصاروخي الإيراني، عندما جرى تطوير أول جيل من الصواريخ الباليستية الإيرانية العاملة بالوقود الصلب، والتي عُرفت باسم “سجيل”، وهو ما مثّل انتقالا تقنيا مهما في قدرات إيران الصاروخية.

في خضم انشغاله بتطوير البرنامج الصاروخي الإيراني قُتل اللواء مهندس حسن طهراني مقدم في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 إثر انفجار غامض وقع في قاعدة عسكرية تابعة للحرس الثوري الإيراني في ضواحي طهران، وأسفر الانفجار عن مقتل ستة عشر من ضباط وعناصر الحرس الثوري إلى جانب مقدم، وقد أعلنت السلطات الإيرانية آنذاك أن الانفجار وقع نتيجة حادث داخل قاعدة صاروخية، مستبعدة فرضية أن يكون ناجما عن عملية اغتيال أو عمل تخريبي نفذته أي قوة خارجية.

ولكن رغم ذلك لم تتوقف التكهنات الإعلامية والاستخباراتية حول احتمال تورط جهة خارجية في الحادث، رغم عدم صدور أي إعلان رسمي يؤكد ذلك أو تبنٍّ مباشر للعملية، وقد اتجهت أصابع الاتهام نحو إسرائيل، خاصة بعد ما نقلته مجلة “تايم” (Time) الأمريكية عن مصدر استخباراتي غربي أشار إلى أن التقديرات الاستخباراتية ترجح احتمال ضلوع جهاز الموساد الإسرائيلي في عملية الاغتيال.

وزادت هذه الشكوك بعد نحو شهر ونصف من مقتل مقدم، حين أعلنت جماعة تُطلق على نفسها اسم “سرايا الشهيد حسن طهراني مقدم” مسؤوليتها عن مقتل عالم الكيمياء الإسرائيلي إيلي لولاز في 26 ديسمبر/كانون الأول 2011، وهو ما فسّره بعض المراقبين في سياق عمليات رد أو تصفية متبادلة.

كما أُعيد طرح فرضية الاغتيال بصورة أوسع بعد صدور كتاب للصحفي والكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان عام 2018 في الولايات المتحدة بعنوان “أسرع واقتله”؛ ففي هذا الكتاب يضع بيرغمان حادثة مقتل حسن طهراني مقدم ضمن سلسلة العمليات السرية التي نفذها جهاز الموساد ضد شخصيات إيرانية.

وبحسب الرواية التي يوردها بيرغمان في كتابه، فإن حسن طهراني مقدم الذي كان يقود برنامج تطوير الصواريخ في الحرس الثوري الإيراني، قُتل مع عدد من معاونيه في انفجار ضخم تصاعدت منه سحب دخان كثيفة أمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويضيف الكاتب أن هذه العملية جاءت خلال مرحلة تولى فيها تامير باردو رئاسة جهاز الموساد خلفا لمائير داغان، الذي كان قد تبنى بدوره استراتيجية العمليات السرية والاستهداف المباشر للشخصيات التي تعتبرها إسرائيل تهديدا لأمنها.

المصدر: الجزيرة نت
Share This Article