المسار : لم يكن السفير الألماني لدى تل أبيب شتيفن زايبرت يوماً خصماً لإسرائيل في الخطاب الرسمي، بل على العكس تماماً. الرجل الذي شغل لسنوات موقع المتحدث باسم المستشارة السابقة أنغيلا ميركل، ثم انتقل إلى تل أبيب سفيراً لبرلين، قدّم نفسه مراراً بوصفه دبلوماسياً منحازاً بوضوح لأمن إسرائيل، متعاطفاً مع عائلات الأسرى، ومتقناً للعبرية، وحاضراً في لحظات التضامن العلني مع المجتمع الإسرائيلي.
لكن كل ذلك لم يشفع له حين قرر أن يلمّح إلى ما وصفه بـ”الواقع الموازي” في الضفة الغربية، حيث يتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين. عند تلك النقطة، انفجر الخلاف، لا لأن زايبرت تراجع عن دعمه لإسرائيل، بل لأنه كسر قاعدة غير مكتوبة: يمكنك أن تتحدث عن أمن إسرائيل، لكن الحديث عن الفلسطينيين، حتى على الهامش، بات يُنظر إليه في حكومة بنيامين نتنياهو كاستفزاز سياسي لا يُغتفر.
انفجر الخلاف، لا لأن زايبرت تراجع عن دعمه لإسرائيل، بل لأنه كسر قاعدة غير مكتوبة: يمكنك أن تتحدث عن أمن إسرائيل، لكن الحديث عن الفلسطينيين، بات يُنظر إليه في حكومة نتنياهو كاستفزاز سياسي لا يُغتفر
القصة بدأت حين نشر زايبرت تعليقاً على منصة “إكس” دان فيه الهجمات التي استهدفت إسرائيليين، ثم أضاف أن هناك “واقعاً موازياً” يتمثل في “هياج المستوطنين العنيف” ضد قرى فلسطينية. هذا الربط هو ما أثار غضب ساعر، الذي اتهمه بما سماه “الوسواس” تجاه المستوطنين، وقال، بلهجة لا تخلو من الإهانة، إنه “من الجيد” أن سفيراً جديداً سيحل محله قريباً. هكذا تحولت ملاحظة دبلوماسية عن عنف قائم على الأرض إلى أزمة سياسية، لا لأن ما قاله زايبرت غير صحيح، بل لأن مجرد قوله علناً صار في نظر الحكومة الإسرائيلية تجاوزاً للحدود المسموح بها حتى للحلفاء.
اللافت أن برلين لم تبتلع الإهانة هذه المرة، بحسب ما نشرت مجلة دير شبيغل الألمانية، حيث إن وزارة الخارجية الألمانية أعلنت بوضوح أنها تقف خلف سفيرها، وأكدت أن وزير الخارجية يوهان فاديبول تحدث هاتفياً مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر، فيما نقلت وسائل إعلام ألمانية أن الحكومة شددت مجدداً على ضرورة التصدي بشكل أكثر حزماً لعنف المستوطنين. بهذا المعنى، لم يعد الخلاف مجرد مشادة على منصة تواصل اجتماعي، بل صار اختباراً دقيقاً لعلاقة طالما قُدمت في ألمانيا بوصفها “خاصة” مع إسرائيل: هل يحق لبرلين أن تنتقد الاستيطان وعنف المستوطنين، أم أن المطلوب منها الاكتفاء بالتضامن والصمت؟
وما يزيد من دلالة الواقعة أن زايبرت ليس من الوجوه الأوروبية المعروفة بعدائها لإسرائيل. الرجل جاء إلى تل أبيب وفي جعبته تاريخ طويل في الدولة الألمانية، وعُرف في إسرائيل أيضاً بمواقف داعمة لها، بل ورد في التغطيات الإسرائيلية أنه رد على ساعر مؤكداً أن ألمانيا تقف إلى جانب إسرائيل في الحرب، وأنه أدان استهداف المدنيين الإسرائيليين، لكنه أصر في الوقت نفسه على أن عنف المستوطنين يظل مثيراً لقلق بالغ. أي أن الرجل لم يبدل موقعه السياسي، بل حاول فقط أن يقول إن دعم إسرائيل لا يستلزم شطب الفلسطينيين من الصورة. وهنا بالتحديد انفجرت المشكلة.
في الواقع، لم يأت حديث زايبرت من فراغ. فالأمم المتحدة قالت في تقرير صدر في مارس/ آذار 2026 إن أكثر من 36 ألف فلسطيني هُجّروا من الضفة الغربية خلال سنة واحدة بفعل التوسع الاستيطاني والعنف المرتبط به، وتحدثت عن 1732 اعتداءً، ووصفت عنف المستوطنين بأنه جرى “بشكل منسق واستراتيجي وإلى حد كبير من دون رادع”، مع اتهام السلطات الإسرائيلية بلعب دور مركزي في تمكين هذا السلوك أو المشاركة فيه. كما نقلت رويترز قبل ذلك أن نحو 700 فلسطيني نزحوا بسبب عنف المستوطنين منذ بداية 2025 وحتى أوائل فبراير/شباط 2026. هذه ليست إذن مبالغة في منشور دبلوماسي، بل توصيف لواقع موثق دولياً.
لا تبدو أزمة زايبرت حادثاً عابراً، بل علامة على شيء أكبر: تضاؤل المساحة المتبقية حتى أمام الأصدقاء كي يقولوا لإسرائيل إن ما يجري في الضفة ليس “تفصيلاً مزعجاً”، بل جوهر الصراع نفسه
والأحداث الميدانية الأخيرة تعزز ذلك أكثر. فقد أفادت تقارير صحافية دولية قبل يومين، بأن مستوطنين هاجموا قرى فلسطينية قرب نابلس، وأحرقوا منازل وسيارات، ما أدى إلى إصابة أكثر من عشرة فلسطينيين. وقبلها بثلاثة أيام فقط، تم نشر شهادة فلسطيني قال فيها إنه تعرض لاعتداء جنسي وتعذيب على أيدي مستوطنين ملثمين أمام عائلته، في حادثة قالت الشرطة الإسرائيلية إنها تحقق فيها بعد توقيف مشتبه بهم. وحين يوضع هذان المثالان إلى جانب تقرير الأمم المتحدة، يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا ذكر زايبرت عنف المستوطنين؟ بل: كيف يمكن لدبلوماسي أجنبي في تل أبيب أن يتجاهله أصلاً؟
صحيفة تسايت الألمانية التي نشرت أيضا عن الحادثة ترى أن ما تكشفه هذه الواقعة أعمق من خلاف بين وزير وسفير. إنها تكشف المزاج السياسي السائد في إسرائيل اليوم: حتى الحليف الألماني، بكل ما تمثله برلين من حساسية تاريخية خاصة تجاه إسرائيل، يمكن أن يصبح هدفاً للتوبيخ العلني إذا اقترب من الخط الأحمر، أي إذا ربط بين أمن إسرائيل وواقع الاحتلال، أو بين ضحايا الصواريخ وضحايا الاستيطان. بكلمات أخرى، تريد الحكومة الإسرائيلية تضامناً بلا أسئلة، وتعاطفاً بلا سياق، ومساندة لا ترى من المشهد إلا نصفه.
لهذا لا تبدو أزمة زايبرت حادثاً عابراً، بل علامة على شيء أكبر: تضاؤل المساحة المتبقية حتى أمام الأصدقاء كي يقولوا لإسرائيل إن ما يجري في الضفة ليس “تفصيلاً مزعجاً”، بل جوهر الصراع نفسه. وإذا كان مجرد ذكر عنف المستوطنين قد فجّر كل هذا الغضب، فذلك لأن المشكلة لم تعد في الوقائع، بل فيمن يجرؤ على تسميتها. هنا، بالضبط، يبدأ المعنى الحقيقي للأزمة: حين يصبح توصيف الألم الفلسطيني تجاوزاً دبلوماسياً، فهذا لا يقول الكثير عن السفير الألماني، بقدر ما يقول كل شيء عن حكومة لم تعد تحتمل حتى النقد القادم من أقرب حلفائها.

