المسار : في كل جولة تصعيد عسكري يشهدها الشرق الأوسط، تتكشف أزمة عميقة في بنية الخطاب لدى شريحة واسعة من المثقفين والمحللين السياسيين العرب. هذه الأزمة لا تتعلق فقط بالموقف من الحرب على إيران، بل تمتد إلى خلل في تحديد المرجعيات الفكرية التي ينبغي أن يستند إليها المثقف في قراءته وتحليله.
ويظهر هذا الخلل بوضوح في المشهد الإعلامي، حيث يتأرجح الخطاب بين مواقف متناقضة، تفتقد إلى بوصلة معرفية واضحة تميز بين الموقف المبدئي والموقف السياسي. فبدل الانطلاق من ثوابت متعارف عليها عالميًا، مثل رفض العدوان والتدخل الخارجي، واحترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، يجد كثير من المثقفين أنفسهم في حالة ارتباك: هل يعارضون النفوذ الأمريكي في المنطقة؟ أم يرفضون في الوقت ذاته سياسات إيران الإقليمية؟ أم يحاولون الجمع بين موقفين متناقضين دون امتلاك إطار فكري واضح؟
وهذا التردد لا يعكس تعقيد الواقع فحسب، بل يكشف أيضًا عن هشاشة فكرية لدى بعض النخب، حيث يتقدم الانتماء السياسي على حساب الاستقلال الفكري. وفي كثير من الأحيان، يفضّل بعض المثقفين الصمت، تجنبًا لكشف مواقفهم الحقيقية، وهو صمت لا يقل دلالة عن التناقض في التصريحات.
وكما أن الارتهان لوسائل الإعلام الموجهة، سواء المحلية أو الدولية، يحوّل بعض الأصوات الفكرية إلى أدوات لإعادة إنتاج سرديات جاهزة، بدل أن تكون قادرة على تقديم قراءة نقدية مستقلة. وهنا يفقد المثقف دوره الطبيعي كفاعل في تشكيل الوعي العام، ويتحول إلى مجرد صدى لمواقف سياسية أو إعلامية قائمة.
وبدلًا من ذلك، ينشغل جزء من النخبة بخلافات هامشية أو حسابات شخصية، في وقت يتطلب فيه الواقع العربي رؤية نقدية عميقة واستشرافًا للمستقبل. هذا العجز في إنتاج موقف واضح يؤدي إلى انتشار ما يمكن تسميته بـ”الخطاب الرمادي”، حيث تختلط الشعارات بالمواقف المتناقضة، فيظهر المثقف وكأنه ضد جميع الأطراف، دون أن يقدم تحليلًا حقيقيًا أو بديلًا فكريًا واضحًا.
إن الإشكالية لا تكمن في تعدد المواقف، فهذا أمر طبيعي في أي فضاء فكري حي، بل في غياب المنهجية التي تضبط هذا التعدد وتمنحه اتساقًا داخليًا. فالمثقف الحقيقي لا يُقاس بمدى انحيازه لهذا الطرف أو ذاك، بل بقدرته على بناء موقف متماسك يستند إلى مبادئ واضحة، حتى في أكثر السياقات تعقيدًا.
وفي ضوء ذلك، تطرح الأحداث الأخيرة في المنطقة سؤالًا جوهريًا: هل سيظل المثقف العربي أسير التناقضات والضغوط السياسية، أم سيتمكن من استعادة دوره كصوت نقالمثقف كفاعل أساسي في تشكيل الوعي، لا كمتلقٍ أو مبرر لمواقف الآخرين.
عن شبكة وطن الاخبارية
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار

