كيف نجح أفيخاي أدرعي في اختراق الوعي العربي؟

فاطمة نعيم

عمل أدرعي لسنوات على خلق صورة إنسانية تمسح الإجرام عن سجل “إسرائيل”. فكيف بات المتلقي يصدق رسائله؟ وما هي الأدوات التي استخدمها لتقليص الحاجز النفسي مع العدو؟

المسار: «بدأ جيش الدفاع شنّ موجة غارات ضدّ بنى تحتية لحزب الله في بيروت. يتبع»، و«يا أهالي القرى المسيحية، أنا متأكد من أنكم تفهمون خطورة الوضع، ادفعوا حزب الله خارج قراكم ولا تتعاونوا معه…». هاتان الرسالتان ليستا مجرّد إشعارات ميدانية، بل جزء من منظومة رسائل متكاملة تستهدف الوعي اللبناني، عبر الناطق باسم جيش العدو الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، تهدف لبناء علاقة مع الجمهور وشرعنة ما يقوم به من تدمير للقرى والمدن.

يمثّل أدرعي نموذجاً لشخصية رقمية مُصمَّمة بعناية ضمن منظومة أوسع تُعنى بما يُعرف بـ«حرب الوعي»، حيث يعمل الاحتلال على التأثير في مواقف الجمهور المستهدف ومشاعره، عبر أدوات نفسية وإعلامية مدروسة. ويجسّد ذلك الهدف الأساسي للحرب النفسية، التي تُعرَّف، وفق نظرية «الرصاصة السحرية» لدى «لاسويل»، كأداة ذات تأثير قوي قادرة على إحداث استجابات فورية وموحّدة لدى الجمهور، بما يتوافق مع نوايا المرسل وأهدافه.

تندرج هذه الجهود ضمن مركز عمليات تشكيل الوعي «ملات» الذي تقوده وحدات متخصصة تضم خبراء في علم النفس والإعلام، تتولّى تصميم حملات تستهدف الوعي، وتطوير أدوات تكنولوجية تدعم الرواية الإسرائيلية، إضافة إلى تدريب كوادر قادرة على مخاطبة الجمهور المعادي بلغته. ولا تقتصر هذه الأدوات على الرسائل المباشرة، بل تشمل أيضاً إدارة منصات رقمية، والتأثير في بيئة المعلومات، وأحياناً التشويش عليها. في هذا السياق، يظهر أدرعي كواجهة أساسية لهذه الاستراتيجية، لا باعتباره مجرد ناطق رسمي، بل كفاعل أساسي في المنظومة.

أفيخاي أدرعي: حرب سرية على الوعي

يمكن تقسيم الحرب على الوعي إلى فئتين:

  1. «عمليات سرية للوعي»، لا يكون متلقي الرسالة فيها على دراية بوجود جهد حربى على وعيه.
  2. «الدعاية الكاذبة»، وهدفها «شن حملات ضد الوعي» من خلال الإعلانات والرسائل.

وهنا يبرز أفيخاي أدرعي كنموذج أساسي ضمن الفئة الأخيرة مع تقاطع في الفئتين الأولى والثانية، إذ أنّه يقدّم نفسه بصراحة أمام الجمهور كناطق رسمي باسم الاحتلال، لكن رسائله لا تقدّم على أنّها رسائل عسكرية فقط إنما رسائل طبيعية دون إدراك من المتلقي أنّه تحت عملية ممنهجة، فضلاً عن صياغة جديدة للواقع وانتقاء في عرض الواقع تتناسب مع الرواية الإسرائيلية.

يمثل أدرعي نموذجاً لشخصية رقمية مُصمَّمة بعناية ضمن مركز «ملات»

يعتمد أدرعي على نمطين أساسيين في مخاطبة الجمهور: الفيديوهات والمنشورات المكتوبة. فهو يواظب على نشر محتوى مرئي، يتبعه برصد تفاعل الجمهور والردّ عليه، بما يخلق حلقة تواصل مستمرة مع الجمهور اللبناني وتطبيع لحضوره عبر الفضاء الرقمي. كما يعتمد في خطابه على مخاطبة الجمهور بلغته، مستخدماً مفرداته وسياقه الثقافي، بل ويذهب إلى تهنئته بمناسباته، في محاولة لخلق شعور بالألفة وتقليص الحاجز النفسي.

ولا يقتصر نشاطه على لحظات التصعيد، بل يمتد على مدار العام، ضمن استراتيجية تهدف إلى ترسيخ سردية متكاملة وتقديم تفسير دائم للأحداث من منظور إسرائيلي، فيما يُعرف بـ«حرب الرواية».

اقرأ أيضا: آلة الحرب الأميركية الإسرائيلية في مأزق

ويُعدّ التكرار أحد أبرز أدوات هذا الخطاب، إذ يجري تثبيت توصيفات محددة عبر استخدامها المستمر، ما يؤدي مع الوقت إلى ترسيخها في الوعي الجمعي، كاستخدام مصطلح «حزب الله الإرهابي».

وفي دراسة أجريت في جامعة النجاح الوطنية في فلسطين عام 2023 تحت عنوان «توظيف الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي للأطر الإعلامية وتقنيات الدعاية للتأثير على تصورات الجمهور خلال أحداث رمضان 2022»، أظهرت نتائج تحليل منشورات أفيخاي على فيسبوك خلال فترة رمضان وعيد الفطر أنّ أدرعي يعتمد بشكل أساسي على «إطار المسؤولية»، إذ يعمل على تحميل الفلسطينيين أو المقاومة مسؤولية التصعيد، مقابل تبرئة الاحتلال من نتائجه. كما يبرز «إطار الصراع» كأحد المكونات الرئيسية لخطابه، من خلال تصوير الواقع كحالة مواجهة دائمة، ما يعزز سردية أمنية تبريرية. إلى جانب ذلك، يستخدم أطراً أخرى مثل المبادئ الأخلاقية والاهتمامات الإنسانية، ولكن بوظيفة داعمة لإعادة تقديم صورة الاحتلال بشكل أكثر قبولًا.

أما على مستوى تقنيات الدعاية، فتؤكد الدراسة أن خطاب أدرعي يقوم على توظيف أدوات كلاسيكية بشكل مكثف، أبرزها تقنية «النقل» التي تربط الرسائل برموز دينية أو إنسانية لإضفاء شرعية عليها، إضافة إلى «التسمية السلبية» لتشويه صورة الخصم، و«العموميات البرّاقة» لتجميل صورة الاحتلال، و«البطاقة الرابحة» عبر انتقاء المعلومات بما يخدم السردية. هذا الاستخدام المتوازي للتقنيات يعكس خطاباً مركّباً يجمع بين التأثير العاطفي وإعادة تأطير الواقع.

  • يعتمد أدرعي على نمطين أساسيين في مخاطبة الجمهور: الفيديوهات والمنشورات المكتوبة (تصميم رامي عليان)
    يعتمد أدرعي على نمطين أساسيين في مخاطبة الجمهور: الفيديوهات والمنشورات المكتوبة (تصميم رامي عليان)

أفيخاي أدرعي: جيشنا أخلاقي لا يستهدفكم

يساهم أفيخاي في ترويج صورة «الاحتلال الأخلاقي»، عبر نشر تحذيرات مقرونة بخطاب إنساني، من قبيل: «أنتم متواجدون بالقرب من منشآت تابعة لحزب الله… ومن أجل سلامتكم وسلامة عائلاتكم، عليكم إخلاء المكان فوراً والابتعاد لمسافة لا تقل عن 500 متر».

هذا النوع من الخطاب يقوم على مزيج محسوب من الخطاب السلطوي والتأطير الإنساني، إذ يُقدَّم التهديد ضمن إطار «حماية المدنيين»، ويتحوّل القصف إلى إجراء «مبرّر» يمكن تفاديه عبر الامتثال للتعليمات ونقل المسؤولية إلى الأفراد أنفسهم، من خلال دفعهم لاتّخاذ قرار الإخلاء تحت ضغط التهديد. ومع ذلك، تشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن هذه التحذيرات لا تضمن حماية فعلية للمدنيين، ولا تعفي من المسؤولية عن الأضرار الناتجة.

يعمل أفيخاي أدرعي على مسح الإجرام عن السجل الإسرائيلي عبر خطابه الإنساني السلطوي

ويؤدي هذا الخطاب، بشكل غير مباشر، إلى ترسيخ فكرة أن الاستهداف موجّه فقط إلى حزب الله، لا إلى المدنيين، ما يدفع شريحة من الجمهور إلى تفسير أي ضربة خارج مناطق الاشتباك المحددة، على أنها تستهدف عناصر لحزب الله، لا المجتمع ككل.

حرب الشخصيات: أفيخاي امتداداً للحرب العالمية الثانية

ظاهرة «أفيخاي أدرعي» تمثل امتداداً حديثاً لنماذج الدعاية الموجهة للعدو التي ظهرت في القرن العشرين، مثل «Tokyo Rose» و«Hanoi Hannah».

ففي الحرب العالمية الأولى، كانت المنشورات هي الوسيلة الأولى للحرب ومن ثمّ دخل المذياع في الحرب العالمية الثانية، إذ أصبح أداة تبث من خلالها الدعاية الموجهة للعدو، ولعل أبرز مثال هو برنامج الساعة صفر الذي كان يستمع إليه الجنود الأميركيون طوال الحرب العالمية الثانية، وهو برنامج ينتج باليابان ويبث عبر المحيط الهادئ.

  • صورة عائدة لـ«Tokyo Rose» (من الويب)
    صورة عائدة لـ«Tokyo Rose» (من الويب)

وقد خلق الجنود الأميركيين علاقة انجذاب خاصة مقدمة البرنامج ذات الصوت الجميل، التي كانت تطلق النكات والتعليقات الساخرة بين تشغيل أسطوانات البوب.

وقالت خلال إحدى برامجها الإذاعية عام 1944: «مرحباً بالجميع! هذه صديقتكم الصغيرة – أقصد عدوتكم اللدودة – آن، ومعي برنامج دعائي خطير وخبيث لضحاياي في أستراليا وجنوب المحيط الهادئ. استعدوا أيها المخلوقات التعيسة، ها أنا ذا قادمة!»، أطلق الجنود الأميركيون اسم «طوكيو روز» على هذه المذيعة، ولكن اسمعها الحقيقي كان إيفا توغوري.

بناء المصداقية: كيف تُزرع القناعات؟

يؤكد أخصائي علم نفس عيادي مصطفى مطر في حديثه لـ«الأخبار» أنّ اختيار ناطقين باللغة العربية أو الفارسية تعتمد على دراسة معمّقة تستهدف مخاطبة المجتمعات المعادية بلغتها، بما يعزّز فرص تقبّل الرسائل ومنحها مصداقية. فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة، بل أداة اختراق نفسي، تخلق شعوراً بالقرب والانتماء، ما يسهل التأثير على الجمهور.

يعمل أفيخاي على بناء هذه المصداقية من خلال استهداف أفكار معينة، مثل تحديد هدف مسبقاً ثم ضربه، ما يولّد لدى بعض الجمهور شعوراً بأنّ الضربات «دقيقة». ومع تكرار هذه التجارب، تكرّس قناعة لدى الجمهور بأنّ العدو عندما يحدّد مبنى فإنه سيلتزم بضربه بعيداً عن المباني الأخرى التي لم يحددها. في هذا الإطار، تبرز أهمية الخرائط كعامل أساسي في ترسيخ معتقد مفاده أن جيش الاحتلال «صادق وإنساني».

بالإضافة إلى ذلك، استفاد أفيخاي من حالات جزئية صُدفت أنها دقيقة، مثل «الاستهدافات» التي نفّذها جيش العدو الإسرائيلي في صبيحة 23 أيلول عام 2024 ، عندما جرى استهداف بالفعل مراكز للصواريخ ليُصار تعميمها فيما بعد، حتّى أصبح العدو يُقدَّم كل استهدافاته، بما في ذلك الميدانية على أنّها موجّهة ضد أهداف عسكرية فقط تحتوي على صواريخ أو مخازن أسلحة لحزب الله، باعتبار أنّه خلق ذرائع فعلية ترسّخت في عقل المجتمع اللبناني.

يذكر مطر لـ«الأخبار» أنّه «في علم النفس الحديث، يقوم هذا الأسلوب على بناء معتقدات ومن ثمّ تفسيرها عبر الأفكار التي تبرز في رسائله، يبدأ الجمهور فعلاً بتبنّي هذه السردية، حتى في حالات الشك، ما يجعل أي معلومة لاحقة، ولو كانت مضلّلة، قابلة للتصديق».

في المقابل، يعمل هذا الخطاب على قلب الحقائق، عبر تقديم الاحتلال كطرف «أخلاقي» يسعى إلى السلام، مقابل شيطنة الخصم واعتباره مصدر الخطر. وهنا تكمن خطورة هذه الاستراتيجية، إذ لا تكتفي بالتأثير على الرأي، بل تحاول إعادة صياغة البنية الفكرية التي تشكل هذا الرأي.

تجدر الإشارة أخيراً إلى أن التاريخ الإسرائيلي مليء بجرائم الحرب والاستهداف المباشر للمدنيين، ولا سيما النساء والأطفال. وهو ما لا يزال متواصلاً في غزة ولبنان، وتوثقه عدسات الكاميرات يومياً. يصعّب ذلك القدرة الإسرائيلية على التأثير، خصوصاً في المجتمعات التي تعرضت بشكل مباشر للأذى الإسرائيلي، لما يشكله من تناقض واضح بين الرسائل المصطنعة والواقع الملموس عن قرب.

نقلا عن الأخبار اللبنانية

 

Share This Article