الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

هآرتس 7/4/2026

كلما تبددت توقعاته، يصعد الرئيس الامريكي من تهديداته

بقلم: تسفي برئيل 

 لقد تم تاجيل العرض الفظيع الذي وعد الرئيس الامريكي بتنفيذه في ايران، الذي يشمل قصف البنى التحتية للطاقة والكهرباء والجسور، ثلاث مرات. الموعد الحالي هو الساعة الثالثة فجر يوم الاربعاء بتوقيت اسرائيل، اذا لم يطرأ أي تغيير في اللحظة الاخيرة. ربما يكون هذا التغيير محتمل اذا تبنت ايران والولايات المتحدة اقتراح التسوية الذي طرحته باكستان، بالاتفاق كما يبدو مع الشركاء في الوساطة، السعودية ومصر وتركيا.

 تشمل النقاط الرئيسية في الاقتراح وقف اطلاق النار لمدة 45 يوم وفتح مضيق هرمز بشكل كامل امام الملاحة، وستستمر المفاوضات بين الولايات المتحدة وايران من اجل التوصل الى اتفاق نهائي في الاسابيع القادمة. أما رد ايران العلني – حتى لو لم يكن رسميا – جاء من علي اكبر ولاياتي، المستشار السياسي الكبير لمجتبى خامنئي، المرشد الاعلى “الخفي”، الذي لم يظهر علنا حتى الآن. لقد حذر ولاياتي في تغريدة له في “اكس” وقال: “الرئيس الامريكي الغبي يهدد بتدمير البنى التحتية للكهرباء! اذا اراد زعماء الدول العربية منع كل المنطقة من الوقوع في الظلام فيجب عليهم الشرح لترامب بان الخليج الفارسي ليس مكان للمقامرة.

 ولاياتي (80 سنة) هو شخص مثير للاهتمام، وله نفوذ كبير في عملية صنع القرار في ايران الآن. وقد شغل منصب وزير الخارجية مدة 16 سنة في عهد رؤساء محافظين وغير محافظين، وهو يعرف جيدا معظم زعماء العالم، وقد تورط مع عدد منهم في قضايا حساسة مثل قضية “ايران غيت” في ثمانينيات القرن الماضي. ويشتبه في انه خطط مع خامنئي وآخرين لمهاجمة المركز اليهودي في بوينس آيريس في 1994. وكان ولاياتي مبعوث خامنئي للمهمات السياسية الخاصة، وهو مقرب جدا من الحرس الثوري والجماعات التي تدير الاقتصاد في ايران.

 وهو طبيب اطفال في مهنته، تخصص في هذا المجال في جامعة جونس هوبكنز في الولايات المتحدة. وقد جمع ثروة طائلة من الامتيازات التي حصل عليها لاقامة مستشفيات خاصة في ايران. ويظهر اسمه في قائمة من يديرون المؤسسات والشركات الحكومية الغنية بالمعرفة ورؤوس الاموال في ايران.

 في 2013 عندما ترشح لمنصب الرئاسة، هاجم سعيد جليلي وقال: “لقد كنت المسؤول عن الملف النووي لسنوات كثيرة، ولكن نحن لم نتقدم خطوة واحدة. الدبلوماسية ليست مسالة قسوة أو عناد. فن الدبلوماسية هو الحفاظ على حقوقنا في مجال الذرة وليس توسيع العقوبات على ايران”. جليلي الذي شغل منصب الامين العام لمجلس الامن القومي الاعلى، وكان رئيس طاقم المفاوضات حول الاتفاق النووي، الذي سعى بجهد لافشاله دائما، يشغل الان منصب رفيع في لجنة فحص مصالح النظام.

 حتى الان ما زالت العلاقة متوترة بين جليلي وولاياتي، وتكتسب هذه العلاقة اهمية كبيرة عند محاولة تعقب مسار عملية اتخاذ القرارات في ايران، وهي جزء من نسيج معقد اكثر من مجرد اعتبار الحرس الثوري انه الجهة الوحيدة التي تحدد سياسة ايران.

 بعد تغريدة ولاياتي صدر رد رسمي مقتضب يفيد برفض ايران لاقتراح باكستان. ومطالبتها بانهاء الحرب وانشاء آلية للمرور الامن في مضيق هرمز والبدء في اعادة الاعمار ورفع العقوبات الدولية. وقد صرح ترامب بان الاقتراح الايراني “محترم، لكنه غير كاف”. مع ذلك، ما زال رده يترك مجال للمزيد من جهود الوساطة طوال هذا اليوم، التي قد تؤجل تنفيذ تهديد ترامب، والتي ربما تفضي الى اقتراح مقبول على الطرفين. السؤال الان هو من الذي سيتراجع أولا، ومن الذي سيسيطر على التصعيد عمليا؟.

 يبدو ان ترامب يملي بتهديده حجم التوتر، وهو ايضا الشخص الذي يملك القدرة على اطفاء اللهب. ولكن يبدو انه عالق الان في دوامة تتفاقم مع كل تنبؤ لم يتحقق. فالنظام لم يسقط بعد الضربة الاولى التي اطاحت بالقيادة العليا في ايران وبالمرشد الاعلى علي خامنئي. ورغم الصعوبات الكبيرة ما زالت آليات الحكم تعمل.

 لم يوقف تدمير البنية التحتية العسكرية استمرار اطلاق الصواريخ والمسيرات، أو عمليات وكلاء ايران في لبنان والعراق واليمن. بسرعة استبدلت ايران استراتيجية “الجيرة الحسنة” مع دول الخليج بسياسة عدائية منهجية بهدف تجنيد هذه الدول ضد الولايات المتحدة، وهو الامر الذي فاجأ ترامب نفسه. وقد أدى اغلاق مضيق هرمز، خطوة اخرى غيرت وجه العالم من جانب الايرانيين والتي تلقى ترامب بشانها تحذيرات من ايران وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، الى تحويل الحرب من مواجهة ثلاثية بين امريكا – اسرائيل – ايران الى مستوى دولي بدون ان يتمكن ترامب من تشكيل تحالف دولي وعربي لمساعدته. والان قد يلحق تهديده ضرر بالبنية التحتية للكهرباء في ايران ويشعل فتيل مرحلة جديدة للحرب، ليس ضد النظام، بل ضد مواطني الدولة مباشرة. هنا ايضا ايران مستعدة ولديها تهديدها الخاص.

 هذا تصعيد خرج عن السيطرة، وهو يفرض نفسه. فكلما ازداد تصاعده زادت التكلفة السياسية والدبلوماسية الباهظة للخروج منه. والاهم من ذلك هو ان هذه التكلفة، حتى لو تم دفعها، فهي لن تضمن تحقيق اهداف الحرب الاصلية. لقد اصبح من الواضح ان فتح مضيق هرمز، القضية التي لم تكن مطروحة أصلا على جدول الاعمال في بداية الحرب، ذريعة للحرب. ترامب صرح في السابق بان اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة لا يثير اهتمامه لانه “مدفون في اعماق الارض”، وان الصواريخ يمكن مراقبتها من الجو، وان اسقاط النظام لم يعد وارد في تصريحاته منذ زمن.

 اقوال ولاياتي توضح بان ايران ما زالت تلتزم بالسياسة التي تبنتها لعقود. ايران لم تبدأ حرب مباشرة ضد جيرانها أو ضد دول اخرى، وهي لا تحتل أي اراضي. لقد تركت مهمة المواجهة المباشرة لوكلائها في لبنان واليمن والعراق.

 يضا في هذه الحرب تسعى ايران بجهد الى تقديم نفسها كطرف مدافع وينفذ “تصعيد متكافيء”، لكن في الحقيقة هي تخوض حرب غير متكافئة أو يمليها عليها وضعها العسكري الاضعف مقارنة مع امريكا واسرائيل، وفي خضم ذلك هي تستغل ميزتها الجغرافية، مثل القدرة على السيطرة على مضيق هرمز والتهديد باغلاق مضيق باب المندب قرب اليمن، أو قربها من دول الخليج الهشة، التي اصبحت سلاح استراتيجي في ايديها، فضلا على قدرتها على تشغيل وكلائها بطريقة تضعضع استقرار دول المنطقة. وبالمثل، استقبل تهديد ترامب بتهديد البنى التحتية المدنية، لا سيما محطات توليد الطاقة، بنفس الرد. فحسب دول الخليج لا يمكن ان يكون هذا التهديد اقل تدميرا من الظلام الذي يهدد الرئيس الامريكي بالقائه على ايران.

 قد يؤدي اندلاع حرب الكهرباء الى توسيع نطاق الصراع من حقول النفط والغاز والسيطرة على ممرات الملاحة الى محطات تحلية المياه، التي تؤمن حوالي 90 في المئة من استهلاك المياه في دول الخليج، وقد تضررت كثيرا هذه المحطات في الاعوام 2019  – 2022 في السعودية، وقبل ذلك بكثير في الكويت عندما قام بغزوها صدام حسين في 1990، ونتيجة لذلك تبنت معظمها سياسة التخزين وبناء بدائل لتلبية احتياجات السكان مثل لامركزية محطات تحلية المياه في السعودية أو انشاء خزانات جوفية في دولة الامارات.

 هل ستجعل كارثة انسانية وطنية، تؤثر على ملايين المواطنين، الولايات المتحدة حليفة مفضلة لدى الرأي العام في ايران؟ لقد تعلمت اسرائيل درس أو اثنين من فرض العقوبات الانسانية القاسية على سكان غزة، وادركت بعد فوات الاوان بأنها لم تحقق أي مكسب استراتيجي، بل هذا جعلها دولة منبوذة. ولا يقل اهمية عن ذلك، الى متى سيبقى سكان دول الخليج يعيشون في الظلام الذي ستفرضه عليهم ايران، اضافة الى نقص حاد في المياه، قبل ان يخرجوا هم ايضا الى الشوارع ويهددون استقرار الانظمة في بلادهم؟

——————————————

هآرتس 7/4/2026

ترامب يهدد بالمزيد من التصعيد، ولكن مشكوك فيه ان يحقق ذلك نتائج

بقلم: عاموس هرئيلِ 

 من المرجح ان يستمر التوتر حتى اللحظة الاخيرة، موعد انتهاء الانذار الذي حدده الرئيس الامريكي لايران، غدا الساعة الثالثة فجرا بتوقيت اسرائيل. لقد طلب الرئيس الامريكي من ايران فتح مضيق هرمز والسماح بحرية الملاحة فيه من الخليج الفارسي، وإلا، كما هدد، سيفتح باب جهنم عليها.

 تركز الخطة العملياتي الامريكي – الاسرائيلي على قطاع الطاقة في ايران، لا سيما محطات توليد الكهرباء. أمس هاجمت اسرائيل بشكل غير مسبوق مصنع بتروكيماويات كبير في جنوب ايران، وهو الهجوم الذي تسبب باضرار اقتصادية كبيرة. يبدو ان هذه الخطوة، في منطقة تقصفها الولايات المتحدة في العادة، تم تنسيقها مع الولايات المتحدة، وهذه اشارة من ترامب على تصعيد محتمل.

 كما هي العادة ظهرت مبادرة وساطة جديدة في اللحظة الاخيرة تطالب بوقف اطلاق النار لمدة 45 يوم. ومساء أمس جاء في تقارير ان ايران رفضت هذه المبادرة وطالبت بوقف اطلاق نار دائم. في الوقت الحالي تبدو فرصة تحقيق انفراجة ضئيلة، لا سيما ان ترامب تجاهل الموعد النهائي الذي حدده هو نفسه مرتين خلال السنة الماضية، وعمل قبل انتهاء هذا الموعد. وقد صرح للمراسل براك ربيد انه يعتقد بامكانية التوصل الى اتفاق، ولكنه اوضح انه بدون الاتفاق “ساقوم بتدمير كل شيء”.

 ترامب يستخدم في الخليج قوة عسكرية لم يسبق لأي رئيس امريكي ان استخدمها ضد ايران، ولكن حتى الان لا تتم ترجمة هذا الضغط الى نتائج استراتيجية، بل ربما العكس هو الصحيح. في الوقت الحالي يبدو ان الضربات التي تعرض لها النظام تقوي موقف القيادة التي ورثت قتلى اغتيالات اسرائيل. خبراء كثيرون في الشان الايراني يقولون ان ترامب لا يفهم بالضبط ما يحدث هناك، ويتجاهل تحذيرات كبار المسؤولين في البنتاغون ووزارة الخارجية ومجلس الامن القومي – الهيئات التي تم افراغها في اعقاب موجة التطهير التي قامت بها الادارة الامريكية من معلومات كثيرة كانت لديها.

 كتب المحلل المخضرم كريم ساجابور في هذا الاسبوع بان النظام في ايران يتمسك بمبادئه: ايديولوجيا المقاومة، استراتيجية الفوضى وهدف البقاء. وبحسبه فان الخطأ الامريكي الاكبر هو ربط مصالح النظام مع مصالح البلاد، في حين ان النظام نفسه لا يرغب في الاستقرار والانفتاح، وهي الامور التي تتعارض مع اهدافه. النظام يفضل تدمير البلاد وقتل مواطنيه شريطة ان لا يتم اجباره على الموافقة على تقديم أي تنازل حقيقي عن مبادئه. وقال ساجابور: “ترامب يعتبر الحرب ازمة تمهيدية لصفقة كبيرة، والنظام لن يوافق الا على صفقة صغيرة. لقد اختار علي خامنئي الشهادة على الاستسلام، وهكذا سيفعل خليفته، نجله مجتبى. يريد ترامب صفقة سريعة يعجز النظام عن تحقيقها”.

 اذا فشلت المفاوضات فيبدو ان ترامب سيكون مقبل على تصعيد خطير. الهدف هو الرد بالمثل: تحميل الجماعة في طهران ثمن باهظ يجبرها على التوقف والموافقة على بعض شروط الولايات المتحدة. الى جانب اهداف البنى التحتية المدنية طرحت اهداف اخرى مثل السيطرة على جزيرة خارج في الخليج، التي تمر فيها معظم صادرات النفط الايرانية، الاستيلاء على جزر اخرى، بل وحتى احتلال مناطق في داخل ايران تسمح بفتح مضيق هرمز.

 بين حين وآخر تظهر تقارير في وسائل الاعلام الامريكية عن محاولة عملية لحل المشكلة التي شغلت الادارة الامريكية قبل اغلاق ايران لمضيق هرمز بطريقة متوقعة تماما وهي مشكلة الـ 440 كغم من اليورانيوم المخصب. ويؤكد الخبراء على ان هذا سيحتاج الى عملية معقدة جدا، بسبب توزيع اليورانيوم في ثلاثة مواقع تحت الارض، ولان ايران تستعد لاحتمالية هذا التحرك منذ فترة طويلة.

 في حالة انهيار ايران امام الضغط العسكري – الامر الذي يشكك فيه الكثير من الخبراء – فان المؤسسة الامنية الاسرائيلية لا تتوقع في الوقت الحالي تصميم امريكي على اتخاذ اجراءات لاسقاط النظام. قد يعلن الرئيس الامريكي النصر ويقلص بالتدريج التواجد الامريكي العسكري في الخليج، ويلقي بالمشكلة الملحة على مسؤولية المجتمع الدولي. سيواجه النظام في طهران صعوبة على المدى البعيد في ادارة دولة فاشلة مع بنى تحتية مدمرة، وقد يمهد ذلك الطريق لتجدد موجة الاحتجاجات التي تم قمعها بوحشية في كانون الثاني الماضي. اسرائيل تخشى من انه في ظل غياب علاج اليورانيوم بدون تغيير النظام، ستقتنع القيادة التي نجت من الحرب في ضرورة الذهاب الى خيارها الاحتياطي وهو القدرة النووية العسكرية، حتى لو كان ذلك جزئيا ومرتجلا مقارنة مع المشروع النووي الاصلي. بعد مرور شهر واكثر على الحرب اصبح الوضع الحقيقي لايران، اقتصاديا وعسكريا، مخيفا. وتكمن المشكلة في ان انهاء الحرب بالنصر واسقاط النظام غير كاف بالضرورة.

 ضعيفون ولكن مصممون

في اعقاب حرب الـ 12 يوم في حزيران الماضي حققت اسرائيل وامريكا تفوق جوي كامل على ايران. ومن المرجح ان الهجمات المنهجية تسببت للايرانيين بأضرار كبيرة لسنوات. ومثلما ذكر هنا قبل الحرب فانه يصعب جدا استغلال هذه القوة الجوية الهائلة من اجل اجبار ايران على الخضوع لاملاءاتها (حتى لو كان ذلك ما زال ممكنا)، بل والاصعب من ذلك هو اجبارها على تغيير النظام. من خططوا للهجوم في الولايات المتحدة وفي اسرائيل لم يجدوا حتى الآن حل لهذه المعضلة. ورغم التفوق العسكري الكبير الا انه لا يبدو ان هناك تحرك امريكي اصيل لحل هذه المعادلة. هذا لم يكن مفاجيء. فبعض الوعود المتعلقة بنجاح القوة الجوية تبدو وكانها ماخوذة من الجدل الذي كان يجري حول عمليات القصف الامريكية في شمال فيتنام في نهاية ستينيات القرن الماضي. في ذلك الحين تم الزعم بان العالم لم يشاهد مثلها، ومع ذلك حكومة هانوي لم تستسلم.

في مقابلة في هذا الاسبوع في “بودكاست” (مجلة فورين افيرز)، قدم الدبلوماسي المخضرم بيل بيرنز، الذي شغل منصب رئيس الـ .سي.آي.ايه في ادارة بايدن، صورة قاتمة للحرب. وقال بيرنز، الذي لا يعتبر من مؤيدي ترامب، بان الرئيس لم يدرك قدرة النظام الايراني على البقاء، ولم يتوقع قرار طهران تحويل الصراع الى حرب اقتصادية لها تاثيرات عالمية. وقال: “افترض الايرانيون بانه يمكنهم تحمل الضربات اكثر مما تستطيع الولايات المتحدة تحمله من اضرار اقتصادية. نحن دخلنا الى مازق عميق، وكل خيارات الخروج منه صعبة”. وحسب اقواله فان النظام الذي يتشكل الان في ايران “اضعف، لكنه شرير ومتطرف اكثر ومنفتح أقل على التسوية”. واضاف بانه بعد موجة الاحتجاجات دخلت القيادة الى طريق لا رجعة عنه نحو الانهيار، وربما تكون الحرب قد قللت وتيرته.

في هذا النقاش تحتل اسرائيل مكانة هامشية نسبيا. كان لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تاثير كبير على قرار ترامب شن الحرب الحالية، لكن استمرارها سيتحدد في المقام الاول من خلال اعتبارات امريكية داخلية، بدءا بالاضرار التي تعرض لها الاقتصاد وانتهاء بانتخابات نصف الولاية في الكونغرس في تشرين الثاني القادم.

في غضون ذلك تزداد الاضرار على الجبهة الداخلية. يعترف الجيش الاسرائيلي بان الصواريخ العنقودية تشكل صعوبة جديدة امام انظمة الاعتراض، الى جانب تراكم الاصابات المباشرة بسبب الصواريخ ذات الرؤوس الحربية الكبيرة (حسب “هآرتس”، هناك 16 اصابة منذ بداية الحرب وحتى أمس). قبل يومين قتل اربعة اسرائيليين في حيفا بسبب اصابة مباشرة لبيتهم، يعتقد انها ناتجة عن جزء كبير من صاروخ لم ينفجر. عدد الضحايا غير مرتفع بشكل خاص، لكن لا يمكن تجاهل عدد الضحايا والاضرار، لا سيما مع وضوح ان مخزون صواريخ الاعتراض المتاحة لمنظومة الدفاع الجوية، ليس مخزون غير محدود.

وزير الدفاع يسرائيل كاتس اعلن امس عن صفقة لتسريع التسلح بصواريخ حيتس. الارقام وبحق هي غير متاحة للجمهور، لكن يمكن القول ان هذه خطوة كان يمكن اتخاذها في السابق، ربما بمساعدة الاموال الاضافية المخصصة لشركاء الليكود في الائتلاف. أمس عين كاتس الرئيس التنفيذي السابق بوعز ليفي في منصب رئيس مجلس ادارة الصناعات الجوية الاسرائيلية (هذا تعيين مناسب على الاقل للتغيير). هذا جاء بعد ان بقي مجلس ادارة الشركة بدون رئيس دائم لاكثر من سنة، في حالة الحرب، بسبب الصراع على السلطة بين وزراء الليكود.

في مثل هذه الظروف الحكومة تحتاج الى حرف الانتباه كل يوم. ومن هنا جاءت الاتهامات الموجهة للمحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة واهود باراك. ومن بين وسائل وسائل حرف الانتباه الاخرى قضية اقالة المتحدث باسم الكنيست، وبعد ذلك اعادته ثم اقالته. من ناحية نتنياهو الافضل التحدث عن هذا الامر بدل التحدث عن المسؤولية عن مذبحة 7 اكتوبر، أو عرقلة امكانية التحقيق معه أو فشل الحكومة في ادارة ازمة الجبهة الداخلية في الحرب الحالية، أو الوضع في الجبهات الثانوية، في لبنان وفي قطاع غزة.

مثل حجم التوقعات

اذا لم يتم التوصل الى وقف اطلاق نار قريب في ايران، فمن المرجح ان تستمر الحرب بين اسرائيل وحزب الله في لبنان. يوجد تشابه بين وضع حزب الله ووضع راعيتها. في مساء 7 اكتوبر بعد المذبحة بفترة قصيرة انخدع جميع اعضاء المحور الراديكالي بقيادة طهران بفكرة الهزيمة القريبة لاسرائيل، الى درجة انهم وضعوا خطة ايرانية لتدميرها. هذه لم تعد الحال الان بعد مرور سنتين ونصف بالضبط. لكن في ايران وفي حزب الله قاموا بتعديل التوقعات. فهم الان يخوضون حروب هدفها الانتصار بتجنب الخسارة. وطالما أنهم بقوا صامدين بعد تبادل الضربات فهذا سيعتبر انتصار لهم.

لقد ظهرت الجولة السابقة بين اسرائيل وحزب الله، التي انتهت بوقف اطلاق النار المفروض على الحزب في تشرين الثاني 2024، حاسمة اكثر من الجولة السابقة بين اسرائيل والولايات المتحدة من جهة وبين ايران من الجهة الاخرى في حزيران 2025. لقد فقد الحزب رئيسه حسن نصر الله، ومعظم قادته البارزين اصحاب الخبرة، وجزء كبير من ترسانته الصاروخية متوسطة المدى، وتعرض ايضا لهجوم باجهزة البيجر الامر الذي ادى الى انهيار معنوياته وتضرر معظم بنيته التحتية القتالية في جنوب لبنان. ومنذ ذلك الحين امتنع الحزب تماما عن اطلاق النار على اسرائيل، رغم ان الجيش الاسرائيلي قتل اكثر من 400 من اعضائه في لبنان في شهر شباط الماضي، وقام باغتيال رئيس اركانه.

هذه الانجازات، اضافة الى امتناع حزب الله عن المشاركة في حرب حزيران الماضي وقطع خطوط التهريب من ايران عبر سوريا، كل ذلك اثار ايضا الاوهام في الجانب الاسرائيلي. فقد احتفل نتنياهو والوزراء والجنرالات بالانتصار على حزب الله. ولمحوا في برامج التلفزيون الى ان الحزب قد أنهى دوره التاريخي. هذا ادى الى فجوة بين توقعات الحكومة والجيش وتوقعات الشعب، لا سيما سكان المنطقة الشمالية، والتي ازدادت عند بداية الحرب الحالية. وتبين ان حزب الله، حتى بشكل محدود، يمكنه الحاق خسائر باسرائيل وهو لا يجد صعوبة في العودة الى القتال.

صحيح ان رئيس الاركان ايال زمير يتحدث عن قتل اكثر من 1000 عنصر من حزب الله منذ 28 شباط الماضي، لكن اطلاق النار لم يتوقف، حيث يتم اطلاق 100 صاروخ ومسيرة كل يوم على قوات الجيش الاسرائيلي في جنوب لبنان وعلى البلدات الشمالية. وقد اثار اعتراف ضابط كبير بان الجيش لن يتمكن من نزع سلاح حزب الله بشكل كامل بالنهج الحالي، خلافا لتصريحات نتنياهو وكاتب وزمير، اثار ضجة صغيرة. وقد قال الخبير في شؤون حزب الله، الدكتور شمعون شبيرا، لـ “هآرتس” بأن “تصور خاطيء للواقع في لبنان قد ترسخ في الوعي الاسرائيلي، المكاتب والاستوديوهات، حيث تحققت نجاحات باهرة في الجولة السابقة وخسر حزب الله جزء كبير من سيطرته في جنوب الليطاني، وسحب قوة الرضوان نحو الشمال. ولكن صورة مزيفة لهزيمة كاملة لحزب الله تم رسمها هنا. عمليا، ما زال لديه آلاف الصواريخ، حتى لو كان بعضها قصير المدى نسبيا”.

في الشهر الماضي نقلت “رويترز” عن مصادر في حزب الله تقرير حول جهود اعادة ترميم الحزب بمساعدة ايران. وحسب هذه المصادر فقد ارسلت ايران بعد وقف اطلاق النار عشرات القادة والمدربين الى لبنان من اجل المساعدة في اعادة الترميم. وقد ركز حزب الله على الحفاظ على قدرته العسكرية في شمال الليطاني، وغير مفهومه العملياتي بشكل جذري. وحسب التقرير، الامين العام للحزب نعيم قاسم، قام بعقد مجلس الجهاد ثلاث مرات من اجل صياغة هذه التغييرات، وقرر الحزب الانتقال الى مفهوم “التماسك”، أي الثبات حتى النصر.

حزب الله الذي كان يعمل كجيش ارهاب منظم مع قدرات كبيرة، وغير مركزي في سلسلة القيادة، نقل السلطة الى قادة ميدانيين من الرتب المتوسطة وعاد ليكون منظمة حرب عصابات. لم يكن غياب الرد الكامل على الهجمات الاسرائيلية حتى شباط نتيجة ضبط النفس فقط، بل كان ايضا نتيجة رؤية بعيدة المدى.

——————————————

هآرتس 7/4/2026 

الحرب تتخذ طابع صراع كارثي بين التحالف المسيحي اليهودي والاسلام

بقلم: دافيد اوحنا

في كتابه “الحملة الصليبية الامريكية: نضالنا من اجل البقاء احرار” (2020)، شبه بيت هيغست، وهو مذيع التلفزيون الذي اصبح “وزير الحرب الامريكي”، الامريكيين بالصليبيين الجدد، ويتفاخر بالوشم الموجود على ذراعه “ديوس فولت” (ارادة الله)، وهي صرخة حرب الصليبيين الذين، حسب قوله، “يجب ان نشكرهم”.

عتبر هيغست ان الصليبيين كانوا محاربين مسيحيين من غرب اوروبا، انضموا الى مهمة تحرير القدس، حيث سيطر المسلمون الكفار على كنيسة القيامة. هم حماة حضارة الغرب التي حسب رأيه تعزز قيمة “الحرية” و”العدالة” و”المساواة”. وقد دافع المسيحيون ضد غزو الاسلام في حينه مثلما يفعلون الآن. وشعر هيغست بانه مسيحي مضطهد: كرجل قوات امن في فترة الاعداد لتنصيب جو بايدن في العام 2021 تم طرده من وظيفته بسبب وشم على جسده، وهو الحرق الذي جسد قلقه من ان الولايات المتحدة لن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها ضد ايديولوجيا اسلامية ويسارية، التي يمكن ان تقضي على حرية الانسان.

في الحرب الحالية ضد الجمهورية الاسلامية الايرانية، يضيف الامريكيون مدماج آخر الى اسطورة الحروب الصليبية التي لها اوجه كثيرة. ومثل أي اسطورة فهي ليست فقط خرافة أو مجموعة اكاذيب. فالاسطورة هي حقيقة من منظار معين واسلوب آخر للتفسير، وسجل اسطوري يصوغ فيه كل طرف روايته.

بالنسبة للمؤرخين هي حبكة دراما يغزو فيها المسيحيون الغربيون الشرق الاسلامي. وبالنسبة لعلماء اللاهوت تعتبر هذه الحادثة رمز ومثال على القوة الروحية للمؤمنين، سواء كانوا مسيحيين يهاجرون من وطنهم لحماية نسيجهم الديني، أو مسلمين توحدت قلوبهم وسيوفهم لهزيمة الكفار المسيحيين بعد قرنين. أما بالنسبة للقومية العربية الحديثة فهي اسطورة سياسية تحشد الجهود بمثابة “عمل الآباء هو اشارة للابناء”، حيث كانت الحادثة التاريخية مثال ونموذج للاحفاد الذين سيتمكنون من طرد الكفار اليهود من ارض اسرائيل في القرن العشرين. وبالنسبة للقوميين الاسرائيليين هي درس تاريخي يحتاج الى تقديم علاج مسبق للمرض. وبالنسبة للاصوليين هي ذريعة لمهاجمة العولمة والحداثة والعلمانية. وبالنسبة للاصوليين الامريكيين وممثليهم في الحكومة هي نموذج الهام لكيفية ادارة الحرب الآن ضد ايران والاسلام.

تردد الرواية الامريكية الاسطورية الحالية عن الحروب الصليبية، التي يمثلها مفهوم “تفوق العرق الابيض” للافنغلستيين، صدى ملاحظة الجغرافي التاريخي الراحل روني الينبلوم، الذي جادل بان أي أمة غربية في القرن التاسع عشر اخترعت رواية مشابهة عن الحروب الصليبية على ارضها. الثورة الاسلامية ضد الكولونيالية في العصور الوسطى تم تجنيدها في العصر الحالي لتكون ثورة القوميين العرب الناشئين ضد الكولونيالية الغربية. ولكن المستعمرين الاوروبيين استثمروا علم التاريخ الجغرافي في خدمة السياسة، وضموا الجغرافيا للتاريخ.

لقد تخيل الفرنسيون حملات تشارل العاشر ونابليون كحروب صليبية فرنسية، وتوج الالمان فريدريك بارباروسا كبطل قومي في السعي لتوحيد المانيا، واعتبرت بلجيكا غوتفريد ديبوا، الذي لم تكن بلجيكا هي مسقط رأسه، لكنه اصبح كذلك في القرن التاسع عشر. وفي العام 1851، بعد المعرض العالمي الكبير نقل الانجليز تمثال ريتشارد قلب الاسد الى مكانه الجديد قرب قصر ويستمنستر، حيث ما زال قائما حتى الآن. ويعتبر هيغست وامثاله ان مصير البشرية يتعلق بحملة صليبية امريكية. فحسب رأيه يجب على الامريكيين طرد شبح السيطرة على التعليم والثقافة والدين. الحرب المقدسة من اجل ما يسميه “الامركة”، التي تتسم بمعارضة النسوية والعولمة والماركسية والتقدمية. ويقول ان اليساريين “يكرهون امريكا”، ولذلك هم يكرهون الدستور.

يعتبر الاسلام في طليعة الاعداء. هيغست هو عضو في الكنيسة الافنغلستية الاصلاحية، وهي جزء من حركة راديكالية قام بتاسيسها داغ ويلسون، وتضم اكثر من 150 كنيسة افنغلستية. ويلسون، القومي المسيحي، وصف الحروب الصليبية مؤخرا بشكل ايجابي رغم اعمال القتل التي نفذها الصليبيون، ووصفها بانها “رد فعل مناسب في ذلك الحين على العدوان الاسلامي”. وكتب هيغست: “حملتنا الصليبية لا تتناول السيوف، كما يقال، ونضالنا ليس بالبنادق والمسدسات حتى الآن”.

في حرب الخليج الاولى (1991) قدمت الولايات المتحدة، القوى العظمى في حينه، نفسها كقائدة حملة اخلاقية على خلفية الصورة الذاتية التي انعكست في كتاب بعنوان “الحملة الصليبية في اوروبا”، الذي اختاره ايزنهاور لمذكراته عن الحرب العالمية الثانية، والتي وصفها بانها حرب عادلة ولا مثيل لها. بسرعة اكتسبت الحرب ضد العراق رموز وقواعد ثقافية، “حرب علامات تجارية”، حسب تعبير الباحثة الثقافية نعومي كلاين، التي ورثت الصراعات الفعلية. كان الصراع في الشرق الاوسط حرب مقدسة بين صدام حسين (صلاح الدين) وجورج بوش (ريتشارد قلب الاسد).

لقد تبنى بن تسيون نتنياهو، المؤرخ من العصور الوسطى، تصور مشابه للخوف من الاسلام، والعداء الشديد تجاهه، والنظرة التي تقول بضرورة خوض حرب أبدية بين الحضارات. وقد قال ان 1200 سنة مرت منذ اوقف شارلمان (كارل الكبير) الموريون الذين حاولوا السيطرة على بلاد الغال (فرنسا الان). ومرت اكثر من 300 سنة على طرد الاتراك عن ابواب فيينا، ويرى ان النزعة الاسلامية الامبريالية القديمة نزعة مشتركة بين العرب والاتراك والموريون، وقد تنفجر هذه النزعة على شكل هجوم عربي – اسلامي جديد على الغرب، ويرى ان الاسلام عمل دائما على استعباد عالم الغرب، ولو وقف الهجومين السابقين له لما كانت اوروبا ستتمكن من التطور الثقافي الذي شاهدته خلال الخمسمائة سنة الاخيرة. الغرب اعمى، “الانحلال في الغرب هو نفس الانحلال”. ويؤدي تشاؤم بن تسيون نتنياهو الى استنتاج أنه “كثيرا ما يظهر لي أن شبنغلر كان على حق: الغرب في حالة تدهور… لم يستوعب الرأي العام الصهيوني حتى الان حقيقة ان حياة الدولة هي قبل أي شيء آخر، حياة صراع دائم”.

في حديث جرى بيننا قبيل بلوغه 100 سنة، شرح بن تسيون نتنياهو المنطق الذي يكمن في رغبة الصليبيين في هزيمة الاسلام. وقد واصل بنيامين نتنياهو النهج الذي بدأه والده. وفي كلمته امام النصب التذكاري لاسحق رابين في جبل هرتسل في 2018 قال “جيراننا ما زالوا يدفعون اموال طائلة لقتلة اليهود… البعض يقومون بمقارنتنا، نحن الصهاينة، بالصليبيين الذين حكموا هذه الارض 100 – 200 سنة. ومثلما سقط الصليبيون على يد المماليك واختفوا، يأمل هؤلاء الاصوليون أن تختفي اسرائيل. نحن لسنا صليبيين أو صليبيين جدد”.

في بداية العام 2000 وصف الصحافي غاي باخور بدقة الفرضية الاساسية لنتنياهو (وأنا أقول التي تحركه ايضا في حربه مع ايران)، “ان اسرائيل على وشك ان تصبح طواعية حصن صليبي منفصل، الامر الذي يشهد على غربتها وخلوها من أي محاولة للاندماج واكتساب شرعية حقيقية في المنطقة” (“يديعوت احرونوت”، 13/12/2000).

المسيحية الغربية احتضت اسرائيل في حربها ضد الاسلام الشرقي – وتبين ان الصراع هو صراع بين الغرب واليهود من جهة وبين العرب والمسلمين. وهكذا حدث انقلاب يثير الاهتمام في العلاقة التاريخية المعقدة بين اليهود والمسلمين والمسيحيين، حيث انضمت نجمة داود للصليب في الصراع ضد الهلال. في صراع الحضارات، في الصراع بين الاسلام والمسيحية، بين الشرق والغرب، هل لا تجد اسرائيل نفسها معرضة لأن تكون بين المطرقة والسندان، بين “الخير” المسيحي و”الشر” المسلم؟. ألا يقتبس الاسرائيليون نمط العلاقة المعقدة التي كانت بين المسيحيين واليهود في اوروبا ويسقطونه على علاقاتهم مع المسلمين في الشرق الاوسط؟ ألا يتراجع الاسرائيليون في الوعي الذاتي من نموذج الدولة السيادية الى نموذج الشتات، الذي هو ضحية الخوف الصليبي، سواء من الغرب المسيحي في السابق أو الشرق المسلم في الحاضر؟.

ان المحتوى الديني والنوايا المسيحانية والمصالح الاستعمارية يمكن ان تخفي الصراعات الحقيقية. فالحرب الحالية بين الولايات المتحدة واسرائيل ضد ايران، التي بدأت كحرب على اهداف محددة مثل السلاح النووي والصواريخ، تتخذ ببطء صفة صراع كارثي بين الغرب والشرق، بين التحالف المسيحي – اليهودي وبين الاسلام. في معركة الصور في حرب الخليج شبه هينتنغتون صدام حسين بزعيم المسلمين الذين لم يحالفه الحظ في هذه المرة. ويبدو ان وزير الحرب الحالي، مبعوث رئيسه، يكرر من جديد صدى البشرى المسيحية في الولايات المتحدة بصورة اكثر شدة.

اثناء حرب الخليج الثانية شبه جورج بوش الحرب ومكافحة الارهاب بـ “حملة صليبية طويلة، ويجب علينا الصبر”. كان هناك تخوف من ان ينظر الى هذا التصريح على انه بداية لصراع بين الحضارات، يستند الى سابقة العصور الوسطى. حيث يمكن اعتبار الغرب المسيحي قوة سياسية وثقافية تهدد الاسلام. وبالتالي، قد يجر اسرائيل الى صراعات لا تخصها.

لقد سارع اسامة بن لادن في حينه الى الاعلان “لقد اسسنا مع شريحة كبيرة من اخواننا الجبهة الاسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين… ضد العدو الخارجي الاكبر – التحالف الصليبي اليهودي”. ولكن قبل الهجوم على ابراج التوائم بثلاث سنوات اعلن بالفعل ان هدفه هو “محاربة اليهود والصليبيين”. وقد عمل ابن لادن على قيادة صراع عالمي شامل وعميق ضد اسس حضارة الغرب، حيث كانت اسرائيل بمثابة رأس السهم. ويحسب لدونالد ترامب انه، على الاقل في هذه المرحلة، لا ينجر وراء خطاب وزير حربه الشعبوي.

يستطيع السياسيون والجنرالات والشعبويون، البعيدون عن الصراع الدموي في الشرق الاوسط، أن يغرقوا في الخيال ويصلون الى عوالم كارثية، نظريات سياسية وحروب ايديولوجية. أما نحن هنا، في زاويتنا الصغيرة من البحر المتوسط، الى جانب جيراننا، نحلم ونصلي بأن لا يأكل سيفنا الى الأبد. وتقع علينا مسؤولية عدم ادامة الصراعات عبر صور لا نستطيع التحرر منها. فبدلا من الصور الحتمية، تعالوا ننمي الامل في امكانية تحويل الاعداء الوهميين الى اصدقاء حقيقيين أو جيران طيبين..

——————————————

يديعوت أحرونوت 7/4/2026

لا يوجد ما يدعو للاحتفال بأي نصر، وبالتأكيد ليس نصرًا عظيمًا

بقلم: ناحوم برنياع

 “الرئيس ترامب، دونالد، صديقي العزيز، لقد حققت قيادتكم الحازمة نصرًا عظيمًا لأمريكا مرة أخرى. أحييكم!”

في الواقع، كانت عملية إنقاذ الملاح الذي أُسقطت طائرته في الأجواء الإيرانية عمليةً رائعةً انتهت نهايةً سعيدةً ومبهجة. ولكن عندما تُسقط طائرة بنيران نظام دفاع جوي أعلن ترامب، ترامب نفسه، أنه قد دُمّره نهائيًا، فلا يوجد ما يدعو للاحتفال بأي نصر، وبالتأكيد ليس نصرًا عظيمًا. يفقد الأمريكيون طائراتهم في إيران بمعدل ينذر بالخطر. ويُعدّ نقص الخبرة القتالية أحد العوامل، وربما أيضًا عدم الإلمام بالمنطقة. على أي حال، فإن قدرة الإيرانيين على الرد، باستخدام نيران المدفعية المضادة للطائرات والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، على إعادة تأهيل الأنظمة المتضررة، تُفنّد التقييمات المتفائلة للقيادات السياسية في الولايات المتحدة وإسرائيل. المشكلة لا تقتصر على الأمريكيين فحسب، بل تواجهنا يوميًا، جوًا وبرًا، في كل منطقة من مناطق إسرائيل.

لقد ترك جورج كليمنصو، رئيس الوزراء الفرنسي خلال الحرب العالمية الأولى، تصريحًا مدويًا: “الحرب أمر بالغ الخطورة، ولا يجب تركها للجيش”. وبالنظر إلى ما يحدث في الحرب الحالية، كان بإمكانه إضافة القادة السياسيين إلى القائمة. فبدلًا من التقييمات الموضوعية، يُقدّمون لناخبيهم أوهامًا، وبدلًا من الحقائق، يُقدّمون خطابات جوفاء. والقيادة العسكرية، سواء طوعًا أو قسرًا، تُجرّ معهم.

لنبدأ باللغز الأكثر تعقيدًا على الإطلاق: متى ينهار نظام فاشل؟ تخطئ أجهزة الاستخبارات في هذا الشأن مرارًا وتكرارًا، وكذلك السياسيون. يتذكر الكثيرون أنه خلال الحرب الأهلية السورية العام 2012، أعلن إيهود باراك بثقة أن نظام الأسد سيسقط في غضون أسابيع. وأدلى آخرون، عسكريون ومدنيون، بتقييمات مماثلة. كانت الحرب الأهلية مجزرة جماعية، وتدخل الروس وحزب الله لإنقاذ الموقف، وتحولت الأسابيع إلى شهور وسنوات. وفي العام 2024، سقط النظام في غضون أيام، دون معركة حقيقية.

أو لنأخذ دولة أكثر حساسية، واسمها إسرائيل. بعد انهيار السابع من أكتوبر، توقعت جميع أجهزة الاستخبارات الغربية سقوط الحكومة. وكان هذا أيضًا تقييم وزراء الحكومة. لم يكن بتسلئيل سموتريتش، الذي صرّح بذلك علنًا، الوزير الوحيد. والآن، لم تسقط الحكومة فحسب، بل إنها تعتزم أن تكون أول حكومة منذ العام 1988 تُكمل ولايتها كاملة، وربما، إذا رأت ضرورة لذلك، تؤجل الانتخابات إلى أجل غير مسمى. تكمن قوتنا في فشلنا: الفشل يُقوّي، الفشل يُوحّد، الفشل يُرسّخ. أحيانًا تسير السياسة عكس قوانين الطبيعة.

يمكنك دراسة القضية دولةً تلو الأخرى، كل دولة وقصتها الخاصة. العبرة هي أنك لا تستطيع الجزم، ولا يمكنك التنبؤ، والأفضل أن تكون متواضعًا. قد يُحدث مئات الآلاف من المتظاهرين فرقًا في كييف أو في ميدان التحرير بالقاهرة، لكن ليس في طهران أو، على النقيض، في كابلان بتل أبيب. يعتمد الكثير على عزيمة النظام القائم: فقد يكون فاشلًا من جميع النواحي، ولكنه بارع وقاسٍ في نضاله من أجل البقاء. ويعتمد الكثير على المعارضة، وما هي مستعدة للتضحية به، وما إذا كانت هناك قيادة بديلة أم لا. إذا لم يكن هناك بديل، يبقى النظام قائمًا، كما هو الحال في إيران، وكما هو الحال في غزة. أحيانًا يكون التغيير قصير الأجل: كما حدث لجماعة الإخوان المسلمين في مصر؛ وكما حدث لحكومة التغيير في إسرائيل؛ وأحيانًا يكون مجرد خدعة، كما هو الحال في فنزويلا.

لا يضمن القضاء على القادة أي شيء. فإذا كان النظام القائم متجذرًا في المجتمع، ومتشابكًا بشبكة معقدة من المصالح والأيديولوجيات والروابط العائلية والتعصب الديني، فسيجد سبيلًا لتعيين قادة بدلاء. يروي ترامب لنفسه قصةً عندما يدّعي أنه بعد القضاء على جيلين من القادة في إيران، بات يتعامل مع قيادة أكثر مرونةً وراحة. في الواقع، العملية معكوسة: فالقائد المتطرف الذي أُقصي استُبدل بقائد أشد تطرفًا. التنظيم أهم من القائد: انظروا إلى حزب الله، وانظروا إلى حماس.

تسمح القوى العظمى لنفسها بفرض أنظمتها على الدول الأخرى. هكذا تصرف الاتحاد السوفيتي في عصره، وهكذا تتصرف روسيا، وهكذا تتصرف الولايات المتحدة، ولا تزال تتصرف. ينبغي لإسرائيل أن تركز على أمن مواطنيها؛ فأي خطوة تتجاوز ذلك تنطوي على جنون العظمة. أخطأ مناحيم بيغن حين دعا إلى إنقاذ المسيحيين في لبنان العام 1982. وأخطأ نتنياهو حين وعد بتغيير النظام في إيران. لم تُنفذ هذه الوعود.

كما لم تُنفذ وعود النصر في لبنان. بعد عملية سهام الشمال، اقتنع السكان بأن مشكلة الصواريخ قد ولّت: لم يتبقَّ سوى الصواريخ المضادة للدبابات، والتي ستختفي أثناء الاقتحام البري. ولن يجرؤ حزب الله، ما تبقى منه، على الرد. لكن اتضح أن مشكلة الصواريخ لم تُحل: فحزب الله يمتلك مخزونًا من الصواريخ وقاذفات الصواريخ، والأهم من ذلك، ما يكفي من الروح القتالية؛ لم يعد نظام الصواريخ المضادة للدبابات يُهدد المستوطنات، بل يقتل المقاتلين. أخطأ المُقيّمون، وأخطأ السياسيون، وأخطأ المعلقون. وها هم يُخطئون مرة أخرى. ولدهشته، يُهدد وزير الدفاع مجددًا بتصفية القادة. هذا لا يُؤثر على قاذفات الصواريخ. من المشكوك فيه أن يُؤثر ذلك على هدف كاتس الحقيقي، وهم ناخبو الانتخابات التمهيدية: فهم أكثر تأثراً بالتحذيرات.

كتب كلاوزفيتس: “الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. والعكس صحيح أيضاً: فالتحركات السياسية هي استمرار للحرب بوسائل أخرى. في لبنان وسوريا وغزة أيضاً، ثمة حاجة إلى تحركات سياسية تضمن الأمن. هناك مخاطرة في هذه التحركات، ولكن هناك أيضاً مخاطرة في استمرار الوضع الراهن دون خطة للخروج. الإدارة الأمريكية تُدرك ذلك؛ أما الحكومة الإسرائيلية فتُفضل تأجيل النهاية. في هذه الأثناء، يتعرض المدنيون في الشمال للقصف الصاروخي، وتتوسع الحرب على الأرض وتزداد تعقيداً، وترفع الأسعار، والحكومة تحتفل بنصرٍ زائف، لا يرقى إلى مستوى النصر الحقيقي.

——————————————

معاريف: 7/4/2026

تقديرات إسرائيل: ترامب ليس مستعدا لان يوقف الحرب بكل ثمن

بقلم: آنا برسكي 

رفضت ايران العرض لوقف نار مؤقت وبدلا من ذلك تقدمت بوثيقة رد من عشر فقرات طالبت فيها الانتقال الى انهاء دائم للحرب بشروط مريحة لها. ومع أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف العرض الإيراني بانه “خطوة هامة جدا” لكنه أوضح ان من ناحيته “هذا ليس كافيا، وطرح إنذارا واضحا: يوم الثلاثاء هو الموعد النهائي”، من ناحية واشنطن.

وقال ترامب معقبا على رد ايران: “انا غاضب جدا. هم سيدفعون ثمنا باهظا على ذلك”. وبالتوازي أكد بان الإيرانيين “يجرون الان مفاوضات” وانه من ناحيته تم تقدم ما لكن ليس تقدما يتيح الانهاء.

في إسرائيل يرون في الرد الإيراني دليلا آخر على أن طهران مقتنعة بان الزمن يعمل في صالحها. وحسب التقديرات، في ايران يشخصون جيدا رغبة أجزاء هامة في محيط ترامب لانهاء القتال، ويستنتجون من ذلك بانه يمكن الابتزاز من الولايات المتحدة شروطا افضل. وبالتالي، بدلا من المرونة، رفضوا فكرة وقف النار المؤقت وطرحوا سلسلة مطالب لهم: انهاء الحرب في المنطقة، وفي الغالب في الساحة اللبنانية أيضا، بروتوكول لعبور آمن في مضائق هرمز، اعمار واسع للدولة ورفع العقوبات.

حسب التقديرات، فان هذا ليس موقفا تكتيكيا فقط بل فكر اعمق. في طهران يتبنون نظرية “الغرب الضعيف” – الفرضية بان الولايات المتحدة يصعب عليها احتمال حروب طويلة، ضغط اقتصادي وأسعار نفط عالية. من ناحية الإيرانيين، كل يوم إضافي من القتال كفيل بان يزيد الاستعداد الأمريكي للمساومة. وحسب التقدير فان هذا أيضا هو منطق من خلف رفض المقترح المؤقت وطرح عشرة مطالب مضادة: في ايران يقدرون بان الأمريكيين يريدون أن ينهوا المعركة اكثر مما يريد الإيرانيون انفسهم انهاءها، وعليه فيمكن جر واشنطن الى تسوية بشروط إيرانية.

غير أنه حسب مصادر مطلعة على التفاصيل، في هذه المرحلة على الأقل لم يصل الرئيس ترامب بعد الى النقطة التي يكون فيها مستعدا لان ينهي المعركة بكل ثمن. وحسب هذه المصادر فانه “مضغوط للانهاء – لكن ليس بكل ثمن”.

وعليه، فانه حتى لو قام الإيرانيون بـ “خطوة هامة” كما وصف ذلك فانه يوضح بان الخطوة بعيدة عن ان تكون كافية. وحسب التقديرات فان مجرد حقيقة أن ترامب اطلق أيضا رسالة حازمة وفتح أيضا كوة لاستمرار المفاوضات، تدل على أنه لا يزال يسعى الى انجاز لكنه غير مستعد في هذه اللحظة أن يتخذ صورة من خضع لاملاء إيراني.

من خلف الكواليس، حسب التقديرات، فان احدى المسائل الأساس هي مضائق هرمز. فاذا ما تبلور مقترح مؤقت لا يتضمن فتح أو ترتيب حقيقي للعبور هناك، فسيصعب على ترامب أن يعرض إنجازا. بالمقابل، في ايران يرون في هرمز، الى جانب مخزون اليورانيوم المخصب الذي في حوزتهم   واحدة من ورقتي المساومة المركزيتين لديهم – وعليه فليس واضحا على الاطلاق بانهم سيكونون مستعدين لان يتنازلوا عنها منذ المرحلة الأولى. هذه بالضبط نقطة الاختبار: اذا تحقق وقف نار مؤقت بلا مقابل امريكي حقيقي حول هرمز، فان الصورة التي ستنشأ ستكون أن ايران انتصرت في الجولة الأولى من المفاوضات وهذا وضع ليس مستعدا الرئيس الأمريكي لان يقبله، حاليا على الأقل.

بالتوازي، في إسرائيل يواصلون اعتبار استمرار الضغط العسكري قيمة طالما توجد اهداف مؤثرة للهجوم والثمن الذي تدفعه إسرائيل يبقى محتملا. تستند المعركة الحالية الى ثلاثة اهداف مركزية: ضرب شامل لبرنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية، استمرار ضرب غلاف البرنامج النووي وخلق ظروف لضعضعة داخلية للنظام من خلال ضربة عميقة قدر الإمكان للاقتصاد الإيراني.

حسب التقديرات في مجال الصواريخ سجل تقدم هام، لكنه لم تستنفد الامكانية الكامنة. فالهدف أوسع بكثير: ليس فقط إعاقة بل خلق “ضربة شاملة” – ضربة للمصانع الرئيسة التي تنتج الصواريخ، والمصانع التي تنتج لها المواد، العناصر والعتاد. في إسرائيل يقولون ان كل يوم إضافي من الهجمات لا يضيف فقط ضررا موضعيا بل يمدد زمن الاعمار، يرفع ثمنه ويمس بالقدرة الإيرانية على العودة الى حجوم انتاج خططت مسبقا. وحسب المصادر المطلعة ففي الماضي هوجمت عناصر حرجة بما فيها خلاطات اعتبرت حيوية لقدرة الإنتاج والتقدير هو أن ايران لم تنجح بالعودة الى الوتيرة التي خططت لها: 5 الاف صاروخ في غضون سنة و 10 الاف في غضون سنتين.

في مجال النووي الصورة اكثر تعقيدا: إسرائيل والولايات المتحدة ضربتا منشآت، بنى تحتية وعناصر دائمة. لكن مسألة اليورانيوم المخصب بقيت مفتوحة. الضربة لمفاعلات ومواقع مثل نتنز لكنها لم تشطب المادة الموجودة منذ الان. وحسب مصادر مطلعة، توجد أهمية خاصة بالذات لعنصر آخر: “الضربة لمجموعة التسليح والعلماء الذين اشتغلوا عليه. حسب التقدير كان هذا احد الإنجازات الأهم للجولة السابقة، لان المانع المركزي في طريق ايران للسلاح النووي ليس فقط مستوى التخصيب بل أيضا القدرة على تحويل المادة المخصبة الى سلاح عملياتي.

حسب الفهم في إسرائيل، فان العناصر الثلاثة الأساس هي الصواريخ، اليورانيوم المخصب و”مجموعة السلاح”. من هذه الناحية، يوجد لإيران منذ الان يورانيوم مخصب الى نسبة 60 في المئة والانتقال الى 90 في المئة يمكن أن يكون سريعا نسبيا. ولهذا فالتقدير هو ان ضرب المهنيين، المعرفة والبنية التحتية للتسليح  هو عنصر استراتيجي مركزي في تأخير المشروع. الى جانب ذلك، في الحرب الحالية، في الأيام الأخيرة سجلت أيضا هجمات على جامعات لانه في قسم منها توجد مختبرات ومعدات ذات استخدام مزدوج يمكنها أن تخدم برنامجي الصواريخ والنووي.

ومع ذلك، تبقى مسألة اليورانيوم المخصب، من ناحية إسرائيل، المسألة الأكبر. حسب التقدير، لا يمكن “إبادة” هذه المادة من الجو، يمكن فقط إخراجها – في خطوة خطيرة او في عملية برية، السيناريو الذي ليس واضحا بعد اذا كانت واشنطن مستعدة لان تنظر فيه. وحسب المحافل ذات الصلة، توجد حدود لما يمكن تحقيقه من الجو، حتى بعد أسابيع طويلة من الهجمات، وتوجد عناصر ببساطة لا يمكن تحييدها بدون سيطرة جسدية على الأرض او اتفاق سياسي.

الى جانب الهدف العسكري – النووي، في إسرائيل يحددون هدفا ثالثا: خلق شروط لضعضعة النظام. مع ذلك، حسب التقديرات، لم يعودوا يتحدثون عن اسقاط النظام في ظل القتال نفسه. فلئن كان ثمة في بداية الطريق من أمل في أن تسفر الحرب عن انهيار سريع فان التقدير الان اكثر وعيا: ما هو كفيل بان يضعضع النظام هو ضربة عميقة ومتواصلة للاقتصاد الإيراني. ولهذا فقد هوجمت أيضا اهداف مثل مصانع بتروكيماويات ومصانع فولاذ – ليس فقط لان لها قيمة ثنائية الاستخدام او مساهمة في الصناعة العسكرية بل لانها أصول اقتصادية جسيمة. وحسب المصادر المطلعة فان البتروكيماويات هو واحد من محركات الإنتاج المركزية لإيران بعد النفط، وأصيب منذ الان المصنعان الاكبران اللذان تعتمد عليهما هذه الصناعة.

بخلاف الانطباع الخارجي عن “وحدة الصف الوطنية”، حسب التقديرات تسود الان في الساحة الإيرانية فوضى كبيرة: صراعات قوى، تعليمات متضاربة، انعدام وضوح حول المراتبية وضعف في آليات اتخاذ القرار. حسب التقدير فانه بالذات حقيقة ان المنظومة لا تعمل حول قيادة واضحة ومستقرة تجعل من الصعب عليها اتخاذ قرارات براغماتية. وحسب المصادر المطلعة فان هذا هو التناقض المركزي من ناحية إسرائيل: لعل هذه الفوضى تعقد اتخاذ القرارا في ايران لكن من ناحية القدس فانها تمنع أيضا حاليا اتفاق سريع كان من شأنه أن يكون اشكاليا لإسرائيل.

أمام كل هذا تقف المسألة الامريكية. عشية الحرب، قدروا في إسرائيل بان ثلاثة حتى أربعة أسابيع من الصبر والتصميم الأمريكي ستعتبر كثيرة جدا. الفرضية كانت ان ترامب ومحيطه لا يحبون الحروب الطويلة، وان اغلاقا محتملا لهرمز وارتفاعا في أسعار النفط سيخلقان ضغطا شديدا للتوقف.

وعليه، حسب التقديرات، فان مجرد حقيقة ان المعركة مستمرة منذ اكثر من شهر هي انجاز بحد ذاته. كل يوم آخر يخلق فرصا أخرى لضرب اهداف هامة في ايران. ومع ذلك، في إسرائيل أيضا يفهمون بان هذه الصيغة ليست بلا نهاية. طالما توجد اهداف مؤثرة، وطالما الضرر الذي تتكبده إسرائيل لا يغير الميزان فان المنطق هو الاستمرار. لكن في اللحظة التي يبدأ فيها الجيش الاسرائيل بالبث بانه استنفدت الأهداف وحان الوقت للانهاء، فسيكون هذا، حسب التقدير، المؤشر الأول على أن المقاييس العسكرية او السياسية تبدأ بالتغير. 

——————————————

يديعوت 7/4/2026

لـلانـتـصـارات تـاريـخ انـتـهـاء..

بقلم: تساحي هنغبي

هناك أربع عبارات شائعة في هذه الأيام، لكنها خاطئة:

1- “إذا بقيَ اليورانيوم المخصّب في إيران، فمعنى ذلك أن الحرب فشلت”:

في أعقاب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي معها، قامت إيران بتخصيب جزء من اليورانيوم لديها إلى مستويات أعلى مما هو مسموح به، وفقاً للاتفاق، كذلك منعت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من فرض رقابة صارمة على هذه العمليات، في مخالفة تامة لالتزاماتها، بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ووفقاً لآخر تقرير نشرته الوكالة، تمتلك إيران 440.9 كغم من اليورانيوم المخصّب بنسبة تصل إلى 60%. 

ومع ذلك، لم يتم إدراج إخراج اليورانيوم من إيران ضمن أهداف عملية “شعب كالأسد”، ولا ضمن عملية “زئير الأسد”، وأسباب ذلك بسيطة: لم يكن لدى إسرائيل، وبحسب التقديرات أيضاً، لدى الولايات المتحدة، أي نية لإرسال آلاف الجنود إلى عمق إيران لتنفيذ سيطرة عسكرية برية على المنشآت النووية. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة، بخلاف إسرائيل، تمتلك قدرات عظمى فريدة، فإن التوجه السائد لديها هو إخراج اليورانيوم من إيران في إطار اتفاق شامل، وفي حال عدم التوصل إلى اتفاق، متابعة المواقع المشتبه فيها من أجل استهدافها جواً عند الحاجة، وأيضاً لا يتضح أين يتم تخزين اليورانيوم المخصّب بشكل مؤكد، ولا يمكن استبعاد أن يكون جزء منه، وربما معظمه، أو كله، موجوداً في مواقع غير معروفة. 

في أي حال، تم تعطيل منشآت التخصيب الإيرانية بالكامل، وهناك شك في إمكان إعادة تشغيلها، ومن المؤكد ليس في المستقبل القريب. من المعروف أن إيران، على الرغم من محاولاتها العديدة على مرّ السنين، لم تنجح بعد في تحقيق اختراق يتيح لها الانتقال من مرحلة الحصول على المواد الانشطارية إلى مرحلة إنتاج منظومة سلاح. وخلال العام الماضي، تم اغتيال عدد كبير من كبار العلماء الذين عملوا على هذه الجهود. 

ومن دون القدرة على تطوير السلاح نفسه، فإن اليورانيوم الذي تمتلكه إيران، حتى لو تم تخصيبه إلى مستوى عسكري كامل، لا يحمل معنى عملياً، وبناءً على ذلك، فإن نجاح العملية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة لن يُقاس على الإطلاق بمسألة إخراج اليورانيوم من إيران.

إن سقوط النظام، أو خضوعه لإملاءات ترامب سيحلّ أيضاً مسألة اليورانيوم، إلى جانب مزايا كبيرة أُخرى لمثل هذه التطورات. 

2-“تم تضليل ترامب بسبب التفاؤل الإسرائيلي/الموساد”:

تدل هذه المقولة على جهل بكل ما يتعلق بثقافة اتخاذ القرار في الولايات المتحدة. فالرؤساء الأميركيون يصوغون سياساتهم فقط وفقاً للمصالح الحصرية لبلدهم، والرئيس ترامب، شأنه شأن أسلافه، يأخذ حلفاءه في الاعتبار، لكن الاعتبارات الحاسمة التي توجّه البيت الأبيض تحت قيادته هي “ما هو الأفضل للشعب الأميركي”. 

وفي هذا الإطار، فإن المعلومات الاستخباراتية الوحيدة التي تساعد الرئيس وفريقه على صوغ السياسة يجب أن تكون أميركية المنشأ فقط. ويتم عرض تقديرات أجهزة استخبارات أجنبية على الجهات المهنية الأميركية ضمن الحوار الأمني الجاري بين الدول، لكن قيمة هذه التقديرات تعتمد فقط على مدى استنادها إلى معلومات مستقلة حصلت عليها الاستخبارات الأميركية. ويحرص الرؤساء الأميركيون على ذلك بشكل صارم، إذ يتعين عليهم تقديم تقارير للجان الاستخبارات السرية في مجلسَي الشيوخ والنواب، حيث يُطلب منهم توضيح الأساس الاستخباراتي الذي استندت إليه قراراتهم. 

وبناءً على ذلك، فإن الادّعاء أن رئيس الولايات المتحدة يتخذ قرارات مصيرية في مجالات الأمن القومي، استناداً إلى ما يعرضه عليه قادة إسرائيليون، أو مسؤولون في “الموساد”، يتناقض مع تقليد أميركي راسخ. إن دائرة المشورة الحصرية للرئيس تتكون من كبار مسؤولي الإدارة وخبراء التقييم، بما في ذلك رؤساء وكالة الاستخبارات المركزية، ورؤساء مجلس الأمن القومي، ورئيس هيئة الأركان المشتركة، وفي الحالة الإيرانية، أيضاً قائد القيادة المركزية للجيش الأميركي. وهم ليسوا بمنأى عن الأخطاء، لكن هذه 

الأخطاء، في حال حدثت، ستكون محلية الصنع وغير مستوردة.

3- “يمكن القضاء نهائياً على “حماس”/إيران/”حزب الله”/الحوثيين مرة واحدة والى الأبد”: 

لا توجد أي وسيلة تضمن أن يضع الحسم العسكري الواضح حداً لدوافع العدو إلى تنفيذ رؤيته القاتلة. إن عبارةً مثل “إلى الأبد” ليست سوى نبوءة، والقادة السياسيون والعسكريون ليسوا أنبياء. واجبهم هو تقييم نيات وقدرات الخصم، وأخذ احتمال تجدّد القدرات واستمرار النيات في الحسبان دائماً. وهذا ينطبق على الدول، وبالأحرى على المنظمات “الإرهابية المتطرفة”. هناك مجموعة من الأهداف الواقعية التي يمكن لإسرائيل تحقيقها نتيجة حرب ناجحة: منع العدو من تحقيق أهدافه، إضعاف قوته، وردعه عن مبادرات عدوانية إضافية فترة طويلة، والسيطرة على أراضٍ وترسيخ سيطرة عملياتية، أو سيادية عليها، وفرض ترتيبات سياسية تعزز الأمن القومي، وضمان شروط انطلاق أفضل لجولة قتال مستقبلية من خلال السيطرة على مناطق عازلة. 

لقد حققنا ذلك بنجاح في جميع حروب إسرائيل، وبعد انتهائها مباشرةً، كنا على استعداد لاحتمال ألّا تكون نتائج الصراع أبدية.

4-“حققنا/سنحقق إنجازات نصر مطلق”:

إن أكثر الانتصارات الساحقة التي حققتها إسرائيل على أعدائها كان في حزيران 1967، خلال حرب “الأيام الستة”، عندما ألحقَ الجيش الإسرائيلي بجيوش مصر وسورية والأردن هزيمة حاسمة، وأنهى المعركة وهو يسيطر على مساحات واسعة من الأراضي التي كانت، قبل الحرب، تابعة للدول التي هاجمت إسرائيل، ومع ذلك، حتى هذا الانتصار الفريد في نوعه، ومثله حرب 1948 وحملة سيناء اللتين سبقتا، كان لهما تاريخ انتهاء.

بعد بضعة أعوام فقط، بادرت مصر إلى جولة قتال جديدة وصعبة عُرفت بحرب الاستنزاف، وفي سنة 1973، شنّت مع سورية هجوماً مفاجئاً واسع النطاق ضد إسرائيل. ويمكن الاستنتاج من ذلك أن على إسرائيل أن تكسب الحرب المقبلة. وكلما كان النصر الذي تحققه شاملا كانت آثاره الإيجابية البعيدة الأمد على أمن إسرائيل أكبر. 

لكن من غير المجدي الجزم مسبقاً وبحزم بما ستكون عليه هذه التأثيرات، لا سيما تقدير المدة التي ستظل سارية فيها، لكن المؤكد هو أن للانتصارات، كما للإخفاقات، تاريخ انتهاء محتمل؛ لذلك، عندما ينجح الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف التي حددها له المستوى السياسي منذ البداية، يُستحسن وصف هذا النجاح بمصطلحات تعبّر عن الرضا، لكنها لا تزرع الوهم، مثل: “نصر مُلفت”، “نصر حاسم”، “نصر مدوٍّ”. 

حبذا لو كان في الإمكان، من خلال عملية ناجحة واحدة، القضاء على طموحات الشر لدى أعدائنا إلى الأبد، لكن من الأفضل تبنّي التقدير الأكثر تشكيكاً، والذي قرأناه للتو في ليلة عيد الفصح، والذي يفيد بأنه كُتب علينا، من جيل إلى جيل، مواصلة القتال ضد الذين يسعون لتدميرنا.

——————————————

هآرتس 7/4/2026

عيد الصافرات والطوارئ.. نتنياهو وائتلافه يستغلون الحرب والإسرائيليون في الملاجئ

بقلم: أسرة التحرير

عيد الفصح الحالي يجدر أن نسميه عيد الطوارئ: فإسرائيل تعيش للسنة الثالثة في وضع طوارئ مزدوج، أمني ومدني. مواطنوها منهكون خوفاً على حياتهم، ومن النزول المتواتر إلى الملاجئ، ومن الحصار الجوي وانعدام اليقين الاقتصادي. لكن حكومة نتنياهو لا تعمل على إعادة المجتمع الإسرائيلي إلى الحياة الطبيعية، بل بالعكس؛ تطبع وضع الطوارئ وتستغله لمنفعة رئيس الوزراء وشركائه السياسية والشخصية.

في الجبهة الأمنية تربأ إسرائيل عن إنهاء الحرب التي بدأت مع اجتياح حماس في7 أكتوبر 2023. في الصيغة المحدثة لأهداف القتال، يعمل الجيش الإسرائيلي على “خلق الشروط لاستبدال النظام في إيران” ولاحتلال حزام أمني جيد في لبنان، يطرد منه الشيعة. وذلك بما يشبه الخراب في غزة، التي تحوز فيها إسرائيل أكثر من نصف الأراضي، وإضافة إلى الأراضي التي استولت عليها في سوريا وطرد الجماعات الأهلية الفلسطينية في الضفة وسلب أراضيها من قبل المستوطنين، بإسناد من الجيش والشرطة. لا غرو أن رئيس الأركان يحذر من انهيار الجيش الإسرائيلي حيال مثل هذه المطالب من المستوى السياسي دون إضافة متجندين.

لقد شجع نتنياهو رئيس الولايات المتحدة على الخروج معاً إلى حرب في إيران، على أمل انهيار النظام بسرعة، لكن الإيرانيين انتعشوا وسيطروا على نقل النفط في مضيق هرمز ووضعوا ترامب أمام معضلة: أن يعترف بسيطرة طهران على مقدرات الطاقة في الخليج أو تصعيب القصف الجوي، وربما ضم قوات برية إليه. فجر الغد سينتهي موعد الإنذار الأمريكي النهائي للإيرانيين لفتح المضيق أو التصعيد. هذا في الوقت الذي يدحر فيه نتنياهو إلى موقع الشريك الصغير، وتصبح إسرائيل هدفاً لصواريخ باليستية ومُسيرات إيرانية، وخضوع سكان لبنان واليمن لنزوات ترامب.

وضع الطوارئ المدني يثقل الصافرات المتواترة. فنتنياهو لن يتخلى للحظة عن خطته لسحق الديمقراطية الليبرالية في إسرائيل، ومواصلة حكمه دون توازنات وكوابح، وتعميق الإكراه الديني. في ظل الحرب مع إيران، أجاز الائتلاف قانون عقوبة الإعدام للمخربين العرب. ورئيس الوزراء يدعو لتجاهل قرارات محكمة العدل العليا. والشرطة برئاسة شريكه بن غفير، تمنع الاحتجاج ضد الحكومة. وفوق كل شيء، يحوم طلب نتنياهو لإلغاء محاكمته، ما يعني تصفية المساواة أمام القانون في إسرائيل والخطر الملموس لإحباط حرية التصويت في الانتخابات.

من الصعب الاحتفال تحت عبء وضع الطوارئ المزدوج، لكن اليأس محظور؛ فالصراع لإنقاذ الديمقراطية يستوجب تجنداً عاماً لمنع مؤامرات الحكومة كي يعود عيد الفصح التالي ليكون عيد الحرية.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article