المسار: تحت عنوان: جي دي فانس في الواجهة لإجراء مفاوضات محفوفة بالمخاطر مع إيران، أوضحت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن السيناتور السابق عن ولاية أوهايو هو أعلى مسؤول أمريكي يشارك في محادثات مع طهران منذ عام 1979. وبينما كان يعارض حربا واسعة النطاق، سيرافقه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهما المفاوضان المعتادان لدونالد ترامب.
أضافت الصحيفة القول إن دونالد ترامب غالبا ما يستخدم صورة لعبة الورق في الدبلوماسية، للإيحاء بأنه يمتلك جميع الأوراق الرابحة، على عكس الآخرين. لكن لا شيء يبدو أبعد عن الحقيقة، مع انطلاق المفاوضات مع إيران في إسلام آباد، هذا السبت.
الوضع الراهن يظهر موقفا أمريكيا هشا، بعد أربعين يوما من الحرب، تقول “لوموند”، موضحة أن هناك تفوقا عسكريا أمريكيا، لكن مع تخبط استراتيجي وعلاقات متضررة مع الحلفاء. في المقابل، ازداد النظام الإيراني تشددا رغم ضعفه، وتعززت شكوكه تجاه الولايات المتحدة، ناهيك عن اكتشافه لأوراق قوة جديدة من خلال السيطرة على مضيق هرمز.
الوضع الراهن يظهر موقفا أمريكيا هشا، بعد أربعين يوما من الحرب، تقول “لوموند”، موضحة أن هناك تفوقا عسكريا أمريكيا، لكن مع تخبط استراتيجي وعلاقات متضررة مع الحلفاء. في المقابل، ازداد النظام الإيراني تشددا رغم ضعفه،
يضاف إلى ذلك نقطة ضعف أخرى، وهذه المرة مقصودة ومختارة، والتي تتمثل في تركيبة الوفد الأمريكي إلى إسلام آباد، بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، والمبعوث الخاص وصديق الرئيس ستيف ويتكوف، ثم صهره جاريد كوشنر، تقول “لوموند”.
الأول، الذي خدم في العراق كجندي في قوات المارينز خلال العقد الأول من الألفية، بنى مسيرته السياسية في السنوات الأخيرة على معارضته للتدخلات العسكرية الطويلة في الخارج. ومنذ شهر يناير، ومع القمع الدموي للاحتجاجات في إيران، كان فانس يعارض في الكواليس حربا واسعة. وها هو الرجل الساعي لفرض نفسه في مرحلة ما بعد ترامب يجد نفسه اليوم مكلفا بتنظيم الخروج من هذه الحرب. وقبيل سفره صباح الجمعة، اكتفى بتعليق مقتضب: “كما قال الرئيس، إذا كان الإيرانيون مستعدين للتفاوض بحسن نية، فنحن بالتأكيد مستعدون لمد اليد. وإذا حاولوا التلاعب بنا، فسيدركون أن فريق التفاوض لن يكون متساهلا”.
أما العضو الثاني في الوفد، ستيف ويتكوف، فهو بمثابة “سكين الجيش السويسري” لترامب في جميع الملفات الدبلوماسية الحساسة (أوكرانيا، غزة، إيران)، لكن أدواته تبدو قصيرة ومتهالكة، بسبب نقص الخبرة والتجربة. وقد صدم الدبلوماسيون الأوروبيون من مزيج السذاجة وعدم الدقة لدى رجل الأعمال العقاري بشأن روسيا ونواياها، بعد لقاءاته المتكررة مع فلاديمير بوتين، تتابع “لوموند”.
الرجل الثالث، جاريد كوشنر، لا يحمل أي صفة رسمية – وهو أمر لم يكن يوما مشكلة في عهد “الترامبية”، التي تعتمد هياكل موازية – ويجسد وحده تضارب المصالح داخل الإدارة. فصندوقه الاستثماري “Affinity Partners” يعتمد أساسا على دول الخليج. وقد ارتفعت أصوله بنحو 30% في عام 2025 لتصل إلى 6.2 مليارات دولار. وبينما كان يوسع أعمال الصندوق، كان كوشنر يعد عروضا “ملونة وخيالية” لإعادة إعمار غزة، محولا إياها إلى “ريفييرا”.
فوضى مكلفة بسبب الحرب
بالنسبة للإيرانيين – توضح “لوموند” – ينتمي ويتكوف وكوشنر إلى معسكر مؤيد بشدة لإسرائيل، على عكس جي دي فانس. والقاسم المشترك بين الرجال الثلاثة – الذين سيرافقهم خبراء مدنيون وعسكريون – هو ضعف معرفتهم بإيران، لا سيما الملف النووي، الذي يعد منذ عشرين عاما ميدانا شديد التعقيد للنخب الدبلوماسية الغربية.
في مقال نشره يوم الـ 3 أبريل الجاري بمجلة Foreign Affairs، طرح وزير الخارجية الإيراني السابق جواد ظريف ملامح حل تفاوضي محتمل. فطهران “يمكن أن تقترح فرض قيود على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز مقابل رفع جميع العقوبات”. وانتقد الوزير السابق، الذي تم تهميشه حاليا، بشدة نهج ترامب المتخبط تجاه إيران منذ عودته إلى البيت الأبيض، بين الدبلوماسية والعمليات العسكرية. وقال: “بدلا من إرسال ممثلين ذوي خبرة، أرسل اثنين من رجال الأعمال العقاريين المقربين منه – صهره جاريد كوشنر وشريكه في الغولف ستيف ويتكوف – المفتقرين تماما إلى المعرفة الجيوسياسية والتقنية النووية”.
مضت “لوموند” متسائلة كيف يمكن تفسير تركيبة هذا الوفد؟ لتقول في هذا الصدد إن رفض ترامب للخبرة وثقته الشخصية في هذا الثلاثي يبدوان تفسيرين مقنعين. لكن هذا الاختيار يعكس أيضا غياب الرغبة في مفاوضات طويلة، وهي نقطة قوة إيرانية. وربما ترى الإدارة الأمريكية في هذه الهدنة مجرد “فترة تبريد”، تتيح لها إعادة التموضع ومراقبة تحركات النظام الإيراني قبل استئناف العمليات إذا فشلت المحادثات.
ربما ترى الإدارة الأمريكية في هذه الهدنة مجرد “فترة تبريد”، تتيح لها إعادة التموضع ومراقبة تحركات النظام الإيراني قبل استئناف العمليات إذا فشلت المحادثات
ذكرت “لوموند” أن الحرب مع إيران التي بدأت في 28 فبراير، التقى قبلها بيومين ويتكوف وكوشنر في جنيف بوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضمن جولة ثالثة من المفاوضات بوساطة عمانية. لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية القصوى، لكنها أبدت مرونة، معلنة استعدادها لوقف تخزين اليورانيوم المخصب. وهي خطوة غير كافية لكنها ليست بلا أهمية. غير أن قرار الهجوم كان قد اتخذ مسبقا في الجانب الأمريكي، ما جعل المسار الدبلوماسي يبدو وكأنه مجرد تمويه، وفق “لوموند”.
تابعت الصحيفة الفرنسية معتبرة أنه رغم أن التبعات الاقتصادية للحرب ثقيلة – ارتفع التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.3% في مارس – فإن فشل مفاوضات إسلام آباد قد يقود إلى أسوأ السيناريوهات: فوضى مكلفة، ونظام إيراني أكثر قوة، ومضيق تحت سيطرة طهران.
غضب “الصقور” الأمريكيين
من أجل إنجاح المفاوضات – توضح “لوموند” – دفعت واشنطن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لبدء حوار مع الحكومة اللبنانية، سيعقد في واشنطن. ووفق نمط معتاد، تطرح الإدارة مشاريع اقتصادية مشتركة، مع التركيز على الموارد الطاقية. وكتب ترامب: “سيكون هناك الكثير من المال… يمكن لإيران أن تبدأ إعادة الإعمار”.
أشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه في شهر يوليو عام 2015، عندما تم توقيع الاتفاق النووي الإيراني في فيينا، كان وزير الخارجية آنذاك جون كيري يمثل الولايات المتحدة. أما في إسلام آباد، فيجد جي دي فانس نفسه في الواجهة، كأعلى مسؤول أمريكي يتفاوض مباشرة مع طهران منذ 1979. ووفق تقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، كان فانس من أكثر المعارضين للحرب، محذرا من الفوضى الإقليمية واستنزاف الموارد العسكرية وانقسام التحالف السياسي.
ويرى روبرت مالي، المبعوث السابق لإيران، أن اختيار فانس “مهم لما يمثله وما لا يمثله… فهو ليس مثل ويتكوف أو كوشنر، اللذين فقد الإيرانيون الثقة بهما”. ويضيف أن فانس يمثل “الجناح الأقل تشددا داخل الحزب الجمهوري، وربما ترى فيه طهران إشارة إلى اعتدال أكبر”. لكنه حذر من أن القرار النهائي يعود إلى “رئيس غير قابل للتوقع ومندفع”.
أما فكرة التفاوض المباشر – تضيف “لوموند” – فقد أثارت غضب “الصقور” الأمريكيين. وقال السيناتور ليندسي غراهام إنه ينتظر من فانس وفريقه أن يشرحوا أمام الكونغرس كيف سيحقق الاتفاق أهداف الأمن القومي. كما شدد المعلق المحافظ هيو هيويت على ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز ونقل اليورانيوم المخصب، محذرا: “إذا كان القادة الجدد لإيران مثل السابقين، فانسحبوا”.

