المسار :لا يمكن التعامل مع ما يُسمّى “قانون إعدام الأسرى” بوصفه تشريعًا قانونيًا عاديًا، أو حتى إجراءً استثنائيًا في سياق أمني. هذا القانون، في جوهره، ليس سوى إعلان صريح بأن المنظومة التي تدّعي انها الديمقراطية الوحيدة بالمنطقة، استبدلت ديمقراطيتها المزعمة بمنطق القتل المنظّم. هنا، لا نتحدث عن عدم تطبيق العدالة فقط، بل عن اغتيالها.
إن أخطر ما في هذا القانون ليس فقط العقوبة التي يفرضها، بل الوظيفة التي يؤديها. فالقانون، الذي يُفترض أن يكون أداة لضبط “السلطة” في الدول والانظمة الطبيعية، يتحوّل اليوم في اطار الدولة القائمة بالاحتلال إلى غطاء رسمي لممارستها أقصى درجات العنف بشكل قانوني ومنظم. حيث يتحول القضاء إلى أداة لتنفيذ احكام القتل والاغتيال والتصفية. بهذا المعنى، نحن أمام تشريع لا يُنظّم الحياة، بل يُشرعن الموت والاغتيال.
هذا التحوّل يكشف طبيعة أعمق: فحين تصل السلطة إلى حدّ تشريع الإعدام بحق أسرى واقعين تحت سيطرتها واحتلالها، فإنها تعلن عجزها عن كسر إرادتهم بوسائل أخرى. الإعدام هنا ليس تعبيرًا عن قوة، بل عن ضعف وأزمة، وليس ردعًا بقدر ما هو محاولة يائسة لاستعادة السيطرة عبر الإرهاب القانوني المنظم. إنه انتقال من محاولة إدارة الصراع إلى محاولة حسمه بالعنف، بعد فشل كل أدوات القمع السابقة.
لكن هذا القانون لا يستهدف الأجساد فقط، بل الوعي أيضًا. فهو يسعى إلى إعادة تعريف الأسير الفلسطيني، من مناضل يقاوم واقعًا استعماريًا إلى “مجرم” يستحق الموت والقتل. في عملية تزوير سياسي وأخلاقي تُستخدم فيها اللغة القانونية لإخفاء حقيقة الصراع. فبدل الاعتراف بجذور القضية، يجري اختزالها في ملفات قضائية، تُفرّغ الفعل من سياقه وتُعيد تقديمه بما يخدم رواية القوة المهيمنة.
والأخطر من ذلك أن هذا التشريع موجّه إلى المجتمع بأكمله. ليس كعقوبة فردية، بل رسالة جماعية بأن الحياة نفسها يمكن أن تُسلب بقرار قانوني. سلاح الترهيب هذا يستهدف كسر الإرادة الجماعية، وإعادة تشكيل العلاقة بين الشعب الذي يعيش تحت الاحتلال وتشريعات المبنية على قاعدة الخوف المطلق. غير أن هذا الرهان، تاريخيًا، لم ينتج إلا مزيدًا من الرفض، ومزيدًا من القناعة بأن ما يُفرض بالقوة لا يمكن أن يستمر إلا بالقوة.
أما على المستوى الدولي، فإن استمرار الصمت إزاء هذا القانون واختصار الموقف بالتنديد يفضح زيف الخطاب السائد حول حقوق الإنسان. فحين يشرع القتل تحت غطاء قانوني دون مساءلة، تصبح كل الشعارات المرفوعة مجرّد أدوات انتقائية، تُستخدم حين تخدم مصالح الامبريالية وشركائها، وتُهمَل حين تتعارض معها ومع ادائها. هنا، لا يعود السؤال عن خرق القوانين الدولية، بل عن جدوى هذه القوانين أصلًا في ظل هذا العجز أو التواطؤ.
سياسيًا، لا يمكن فصل هذا القانون عن مسار أوسع من التصعيد، فهو تعبير عن عقلية يمينية فاشية ترى في العنف الحل الوحيد، وفي الإلغاء الجسدي وسيلة لإدارة الواقع. لكنه، في الوقت نفسه، يكشف حدود هذه العقلية، حيث أن اللجوء إلى أقصى درجات القمع هو، اعتراف واضح بالفشل في تحقيق أي شكل من أشكال الهيمنة والسيطرة.
لا بد من قول الأمور كما هي: تشريع إعدام الأسرى ليس قانونًا، بل أداة قتل مغطّاة بنصوص. فحين تصل “الأنظمة” إلى حدّ تشريع الموت، فهي لا تُثبت قوتها، انما تعلن عن تعلن سقوطها الأخلاقي والسياسي..

