| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
القناة 12 العبرية 15/4/2026
قد تُفضي إعلانات “النصر” إلى اتفاق مع إيران
بقلم: اريه كاتسوفيتش
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 نيسان 2026 بعد 40 يومًا من الحرب، بوساطة باكستان التي تربطها علاقات وثيقة بإيران وإدارة ترامب، وبمشاركة عدد كبير من الدول (منها مصر وتركيا والسعودية وعُمان والصين). ومن المرجح أن يضع وقف إطلاق النار حدًا لحرب الولايات المتحدة (وإسرائيل، التي لم تُذكر صراحةً في بيان رئيس الوزراء الباكستاني، وإنما ضمنيًا كـ”حليف للولايات المتحدة”) ضد إيران. كما يُرجح أن يشمل وقف إطلاق النار حرب إسرائيل مع حزب الله في لبنان، رغم نفي إسرائيل. وقد يستغرق الأمر عدة أيام حتى يستقر وقف إطلاق النار على جميع الجبهات، كما حدث بعد قرار مجلس الأمن رقم 338 الصادر في 22 تشرين الأول 1973، والذي أنهى حرب أكتوبر/تشرين الأول. وبعد 20 ساعة من المفاوضات المباشرة الأولية بين الولايات المتحدة وإيران في 11 و12 نيسان، والتي لم تُكلل بالنجاح حتى الآن، لا يزال مصير وقف إطلاق النار غير واضح.
فيما يلي بعض الأفكار الأولية من وقف إطلاق النار والمفاوضات المقرر إجراؤها في الأسبوعين المقبلين بين الولايات المتحدة وإيران، من منظور أبحاث السلام وإنهاء الحروب:
بدأ الرئيس دونالد ترامب الحرب، وهو من سيقرر كيفية إنهائها. يكشف إعلان الرئيس ترامب عن وقف إطلاق النار، بعد ساعة ونصف من انتهاء مهلة الإنذار الذي وجهه لإيران لفتح مضيق هرمز، أن دور إسرائيل في هذه العملية كان مجرد وسيط، في الدراما الدبلوماسية التي دارت رحاها ليلة 7-8 نيسان. من المفترض أن رئيس الوزراء الإسرائيلي عارض وقف إطلاق النار، لكن لم يكن أمامه خيار سوى الموافقة على قرار الرئيس ترامب كحليف مخلص للولايات المتحدة. هذا يثبت من هو اللاعب المهيمن ومن هو الشريك الثانوي، وينبغي اعتباره أيضًا دحضًا للادعاءات التآمرية بأن رئيس الوزراء نتنياهو هو من فرض الحرب على إيران على الرئيس ترامب. وكما في حالة انتهاء الحرب مع حماس في 9 أكتوبر 2025، نكتشف مرة أخرى أن الطرف المسيطر ليس هو من يحرك الطرف الآخر، بل إن الولايات المتحدة هي من فرضت وقف إطلاق النار على إسرائيل (وإلى حد ما على إيران)، وليس العكس.
قد لا يختلف الاتفاق الذي ستتوصل إليه الولايات المتحدة وإيران خلال الأسبوعين المقبلين اختلافًا جوهريًا عما كان يمكن تحقيقه في المفاوضات قبل 28 شباط، لكن لا يوجد يقين: فقد قدمت الولايات المتحدة لإيران “خطة من 15 نقطة” لإنهاء الحرب، وردت إيران بخطتها المتشددة “من 10 نقاط”. ومن المثير للاهتمام أننا لا نعرف حتى الآن ما ستكون عليه النتيجة النهائية للاتفاق (إن وُجد) فيما يتعلق بالقضايا الرئيسية الثلاث الحاسمة من وجهة نظر دولة إسرائيل: 1. مصير البرنامج النووي الإيراني، وتحديدًا حق ايران (أو عدمه) في تخصيب اليورانيوم، وماذا سيُكون مصير الـ 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة والتي لا تزال موجودة في مكان ما على الأراضي الإيرانية؟ من المرجح أن تلعب الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة دورًا حاسمًا في مراقبة هذه القضية وحلها تقنيًا؛ 2. القيود المفروضة على برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تضرر بالفعل في حرب الأربعين يومًا؛ 3. دعم إيران لحزب الله والحوثيين والميليشيات الموالية لإيران في العراق. عندما نطلع (إن اطلعنا) على تفاصيل الاتفاق، سنتمكن من مقارنته بالمقترحات التي قُدّمت في المفاوضات قبل أسبوعين من الحرب، وسنكتشف (ربما) أن الاتفاق لا يختلف جوهرياً عما كان يمكن تحقيقه سابقاً.
لا أتفق مع تصريحات بعض قادة المعارضة بأننا نواجه كارثة سياسية. مع أن هناك منطقًا في تصريحاتهم حول الفجوة بين نجاح العمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب مع إيران، وصمود المجتمع المدني الإسرائيلي على مدى السنوات الثلاث الماضية، والنتائج السياسية والدبلوماسية حتى الآن، إلا أنه من السابق لأوانه استخلاص النتائج. أتفق مع رؤيتهم، وهناك بالفعل نمط يتكرر في معظم الحروب التي شاركت فيها إسرائيل عبر تاريخها (1956، 1967، 1970-1969، 1982، 2006، 2025-2023)، باستثناء حرب الاستقلال وحرب أكتوبر (حرب يوم الغفران)، اللتين أسفرتا عن نتائج واتفاقيات سياسية (اتفاقيات الهدنة لعام 1949 التي حددت الحدود السيادية لدولة إسرائيل، واتفاقيات فصل القوات، والاتفاقيات المؤقتة، ومعاهدة السلام مع مصر التي أعقبت حرب أكتوبر عام 1973).
لكنني أسأل نفسي وهم: ماذا كانوا يتوقعون؟ تغيير النظام، وهو هدف طموح منذ البداية، يفوق قدراتنا، بل ويتجاوز قدرات الولايات المتحدة؟ أم مواصلة الحرب؟ أم عقد تحالف مع دول الخليج العربي التي تضررت بشدة في الحرب، لكنها قررت عدم مهاجمة إيران ردًا على ذلك، لأنها تخشى ليس فقط إيران، بل أيضًا طموحات إسرائيل للهيمنة في المنطقة، في أعقاب تعاملنا العنيف مع لبنان وسوريا والفلسطينيين؟
وإن كنا صادقين، فلا بد لنا من الاعتراف بأن النظام الإيراني قد تكبد خسائر فادحة في حرب الخليج الثالثة خلال أربعين يومًا من القتال، عسكريًا واقتصاديًا، مما دفعه في نهاية المطاف إلى الموافقة على وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز خلال الأسبوعين التاليين، وربما أيضًا إلى اتفاق رسمي ينهي الحرب. من الممكن أن تتوصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق عدم عداء يحظى بموافقة مجلس الأمن الدولي، ومن الممكن أيضاً أن يُفضي وقف إطلاق النار مع حزب الله إلى بدء عملية سياسية مع الحكومة اللبنانية والولايات المتحدة وفرنسا وجهات أخرى في المجتمع الدولي، تُتكلل بالنجاح في تحييد حزب الله، ليس فقط بالوسائل العسكرية. لذا، من السابق لأوانه وغير الصحيح وصف إعلان وقف إطلاق النار بأنه “كارثة سياسية”، وسيكشف لنا الزمن الحقيقة. أعتقد أنه ينبغي علينا الترحيب، مع توخي الحذر اللازم، بهذا الوقف، الذي يفتح الباب أمام عمليات سياسية قد تُفيد إسرائيل أيضاً، إذا أحسنا التصرف سياسياً، وإذا لم نُعرقل الجهود الدبلوماسية (كما كان يفعل رئيس الوزراء نتنياهو خلال عامي حرب إسرائيل وحماس الطويلين).
إذا أعلنت الولايات المتحدة وإيران (وليس إسرائيل) “النصر” في الحرب الحالية، فسيكون الطريق مفتوحًا أمام التوصل إلى اتفاق دبلوماسي بينهما. لقد نجا النظام الإيراني من الحرب، وبسبب عدم تكافؤ موازين القوى في الحملة، يمكنه إعلان “النصر” بالبقاء في السلطة، رغم ضعفه والخسائر الفادحة التي تكبدها. كما يمكن للرئيس ترامب إعلان “النصر” بعد تحديد مهلة تصل إلى ستة أسابيع لتحقيق الأهداف العسكرية (مع أنها لم تتحقق بالكامل)، والتوصل إلى استنتاج مفاده أن استمرار الحرب يضر بمصالحه ومصالح بلاده الاقتصادية والسياسية، فضلًا عن إحداث تأثير مدمر على الاقتصاد العالمي. سيكون من الصعب على إسرائيل إعلان “النصر” لأن الأهداف المحددة لم تتحقق فعليًا، وفي النهاية، سيتعين على إسرائيل قبول أي اتفاق تتوصل إليه الولايات المتحدة وإيران. السؤال المهم بالنسبة لنا هو إلى أي مدى ستهتم الولايات المتحدة بمصالحنا في المفاوضات مع إيران، فيما يتعلق بالملف النووي ومصير 450 كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب؟ القيود المفروضة على برنامج الصواريخ الإيراني؛ ودعم إيران لـ”محور المقاومة”. في غضون ذلك، لم تتُكلل المحادثات في إسلام آباد بالنجاح، ولكن من الصعب التوصل إلى اتفاق بين عشية وضحاها، خاصةً بعد عامين من المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي مع إيران. ومن المفارقات، أنه على الرغم من الطبيعة المتطرفة والثورية للنظام الإيراني، لا أعتقد أنهم يُقدمون على الانتحار أو أنهم غير عقلانيين، وربما تكون الأزمة الاقتصادية الخانقة هي ما سيدفعهم للتوصل إلى اتفاق. إذا أعلنت الولايات المتحدة وإيران “النصر”، يكون تم على الأقل خلق حالة من “التعادل” أو حالة من “النضج”، على الأقل في الوعي، كما كان الحال بين إسرائيل ومصر في نهاية حرب أكتوبر، وهذا يفتح الباب أمام التوصل إلى تسوية سياسية، لن تكون مثالية، ولكنها قد تُصحح، من وجهة نظر الرئيس ترامب، خطأه الجسيم المتمثل في انسحابه من الاتفاق النووي عام 2018.
لم تنتهِ الحرب مع إيران رسميًا بعد، لكن إنهاء الحروب يتطلب دائمًا مفاوضات وجهودًا دبلوماسية. لذا، يُعدّ وقف إطلاق النار درسًا بليغًا في حدود استخدام القوة من قِبل جميع الأطراف، وبرهانًا على أنه رغم الأداء التكتيكي المذهل لسلاح الجو الإسرائيلي، ثمة حاجة إلى التواضع والحكمة السياسية والاستراتيجية، حيث تُشبه إسرائيل الفأر أكثر من الأسد. في الفيلم الأصلي “زئير الفأر” (1959)، وهو فيلم بريطاني ساخر، تُعلن دولة صغيرة خيالية الحرب على الولايات المتحدة لابتلاعها، لكن الأمور تتعقد. في حرب “زئير الأسد”، تورطت إسرائيل الصغيرة في حرب مع الولايات المتحدة ضد إيران، تصاعدت إلى حرب إقليمية ذات تداعيات عالمية، وبالتالي خرجت أحداث الأسابيع القليلة الماضية عن السيطرة وأعادتنا إلى واقعنا الطبيعي، على الأقل على الصعيد السياسي والدبلوماسي، رغم الأداء العسكري المذهل. لدينا قدرات عسكرية مثبتة، لكننا لسنا قوة “شبه عالمية”، وقد دفعت الجبهة الداخلية الإسرائيلية ثمناً باهظاً من الأرواح البشرية والأضرار المادية. لن يضرنا المزيد من التواضع والحذر في ظل حاجتنا إلى الحكمة السياسية، لأن خبرتنا في الاغتيالات المستهدفة لن تجلب بالضرورة الفرج.
مع رفع حالة الطوارئ الخارجية ضد إيران، يجب أن نعود للتركيز على الساحة الفلسطينية، التي لا تشهد أي تقدم، بل تم تجاهلها مؤقتًا، لا سيما بعد أن أصابت الصواريخ الإيرانية الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء بشكل عشوائي، مما يثبت مصدر التهديد الحقيقي. في الضفة الغربية (يهودا والسامرة)، حيث يتولى الجيش مسؤولية السكان اليهود والفلسطينيين، يستمر الإرهاب اليهودي في الانتشار. وفي قطاع غزة، يُطرح على الطاولة إنذار نهائي من “مجلس السلام” التابع لترامب لحماس بالموافقة على نزع سلاحها، للسماح بإعادة إعمار القطاع وانسحاب الجيش الإسرائيلي. ستحدد هذه القضايا مستقبلنا، تمامًا كما ستحدده المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. إذا أردنا النجاح في بناء تحالف إقليمي مع الدول السنية ضد إيران، التي تُشكل تهديدًا مشتركًا لنا جميعًا، فإن هذا التحالف يحمل دلالات سياسية واضحة: يجب أن نوافق على عملية سياسية تدريجية تُفضي في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل، في غضون سنوات قليلة. يُؤمل أن تفقد حماس وحزب الله، بنهاية هذه الحرب، الدعم (اللوجستي والمالي والعسكري) من إيران، التي ستضطر للتركيز على إعادة بناء نظامها داخلياً وضمان بقائه. ومع انتهاء الحرب مع إيران، ستنفد الأعذار، وسنضطر للعودة إلى التعامل مع القضية الفلسطينية بحكمة سياسية، لا باستخدام القوة.
وأخيرًا، وبنفس القدر من الأهمية، فقد عشنا خلال السنوات الثلاث الماضية حالة طوارئ داخلية عميقة، حيث تواجه الديمقراطية الإسرائيلية تحديات وتهديدات، وتسعى الحكومة الحالية إلى تقويض سيادة القانون والأسس الليبرالية للنظام. لذا، يجب علينا مواصلة النضال من أجل الحفاظ على الديمقراطية في بلادنا، خشية أن نصبح مثل إيران، حيث يحدث تغيير النظام (للأسوأ) هنا، وليس في إيران.
——————————————
هآرتس 15/4/2026
اذا كان حزب الله دولة داخل دولة، فان الارهاب اليهودي اصبح الدولة نفسها
بقلم: تسفي برئيل
يجري جدل سياسي وعسكري محتدم حول مسالة اذا ما كان يجب الحاق الضرر بالبنى التحتية المدنية في لبنان في اطار الحرب ضد حزب الله. ويستند منطق من يؤيدون تدمير البنى التحتية المدنية الى ان الحكومة اللبنانية، التي تترأس دولة ذات سيادة، هي المسؤولة في نهاية المطاف عن كل ما يحدث على اراضيها، وأن ممثلين عن حزب الله يشغلون مناصب في هذه الحكومة، يوجد للحزب اعضاء في البرلمان، وأن الحزب يمثل شريحة طائفية واسعة ويتمتع بشرعية سياسية ومدنية، ويشارك في ميزانية الدولة، وفي الواقع لا يوجد أي فصل بين الدولة اللبنانية والحزب، الذي يستطيع جرها الى الحرب واملاء عليها سياستها. هذا منطق شديد وبحق، مجرد نسخ ولصق.
اسرائيل، كما هي الحال في لبنان، لديها ايضا مليشيات ارهابية يهودية تتمتع بدعم سياسي كامل، بما في ذلك وزراء “من قبلها”. وتعتمد هذه المليشيات بشكل كبير على ميزانية الدولة، ويمتلك اعضاؤها سلاح مرخص من الدولة، ويؤيدها كثيرون علنا، وحتى اولئك الذين يعارضونها لا يتجرأون على وصفها بأنها ارهابية.
عندما سئل بنحاس فالرشتاين في مقابلة اجرتها معه “هآرتس” (10/4)، اذا كان يعترف بمصطلح “الارهاب اليهودي” اجاب باعصاب باردة: “بالطبع، هذا عنف يهودي له اساس عرقي. هل هذا يعتبر ارهاب؟ لا اعرف، لا اريد الخوض في جدل المصطلحات، لانه ينفر من يرغبون في التعبير عن رفض هذه الافعال”.
لكن توجد للمصطلحات اهمية كبيرة. فهي التي تميز، ايديولوجيا وقانونيا، بين الجريمة القانونية التي تحتاج الى اجراءات وقائية ودفاعية صارمة وبين العنف “المجرد” الذي له اساس عرقي، والذي لا يختلف، حسب فالرشتاين، عن العنف في العائلة. وربما هذا ما قصده حقا، لانه يعتبر ان عنف العصابات الناتج عن مشروع الاستيطان “العظيم” يهدد هذا “المشروع” غير القانوني في المقام الاول. ويقدم لبنان مرة اخرى الدليل على اهمية المصطلحات. ففي شهر شباط قاطع السناتور الجمهوري المؤثر لندسي غراهام اجتماعه مع قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل وقال: “عندما سالته اذا كان الجيش اللبناني يعتبر حزب الله منظمة ارهابية اجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وطالما بقي هذا الموقف هو السائد في الجيش اللبناني فأنا لا اعتقد ان لبنان شريك موثوق. لقد سئمت من ازدواجية الاقوال الشائعة في الشرق الاوسط. الامر عظيم”.
أنا اتساءل اذا كان هذا هو الجواب الذي سيعطيه ايضا لفالرشتاين وبنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس ودافيد زيني، الذين لا يعتبرون هذه “الحفنة” العنيفة منظمة ارهابية “في السياق الاسرائيلي”.
هنا يكمن الفرق الكبير بين الحكومة اللبنانية وحكومة الحقد. لقد اتخذت حكومة لبنان قرار جريء برفض الاعتراف بشرعية حزب الله العسكرية، وأمرت الجيش بنزع سلاحه، واعتبرته كيان ينتهك سيادتها، بينما تحتضن اسرائيل المليشيات فيها، وجيشها يتعاون معها والشرطة تدعم جرائمها، وتعتبرها جزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الاسرائيلية. ويتجلى هذا التفاوت بشكل اوضح عند مقارنة ضعف قدرات الجيش اللبناني في قتاله ضد حزب الله مع القوة العسكرية التي تمتلكها اسرائيل لمواجهة ارهابها الداخلي.
بالتالي، في حين يحظى طلب اسرائيل نزع سلاح حزب الله والمليشيات الاخرى بدعم كامل من المجتمع الدولي يمكن للمرء تخيل بسهولة حجم الاضطراب الكبير الذي كان سيثور لو طالبت جهة دولة بنزع سلاح المليشيات اليهودية، مهددة اياها بانه سيتم ادراجها في قائمة الدول الداعمة للارهاب اذا لم تعمل على تحييدها. لا يشترط في مواجهة الارهابيين اليهود برامج تعليمية أو دروس منزلية أو محاضرات أو خطابات أو ادانة من الحاخامات، بل تفكيك كامل وشامل ومصادرة سلاحها ومحاكمتها. ففي حين اسست هذه المليشيات في الدول الجارة دولة داخل دولة، اصبحت في اسرائيل هي الدولة نفسها.
——————————————
معاريف 15/4/2026
سيختبر أي اتفاق مع لبنان بقدرة الدولة على التنفيذ والوفاء بالتزاماتها
بقلم: د. موشي العاد
لبنان هو احدى الدول المعقدة والمتضاربة في الشرق الأوسط، بل وربما في العالم كله. منذ اعلان الاستقلال في العام 1943 وهي تعيش كدولة ذات سيادة ظاهريا، لكن يصعب عليها ممارسة سيادتها عمليا. “بلاد الأرز” تتحرك على مدى ثمانية عقود بين الازدهار والانهيار، بين الانفتاح الثقافي والعنف الطائفي، وبين حلم الدولة المتبلورة وواقع التفكك من الداخل. ليس صدفة ان اللبنانيين يصفون بلادهم بمفارقة مريرة كـ “جنة عدن يسكنها مجانين” – قول ينطوي على فخر عميق بجمال البلاد وباعتراف واع أيضا بالفوضى التي تميز الحياة اليومية فيها.
في قلب لبنان يوجد الفسيفساء الطائفي المركب فيه – مارونيون مسيحيون، مسلمون سُنة وشيعة، دروز وجماعات أخرى ممن يتقاسمون المجال الجغرافي إياه لكن ليس الهوية الوطنية. بدلا من الامتزاج في آتون صهر تصمم في لبنان نظام سياسي يوزع مراكز القوة بين الطوائف المختلفة. رئيس الدولة مسيحي ماروني، رئيس الوزراء مسلم سُني ورئيس البرلمان مسلم شيعي، فيما أن الوظائف العامة هي الأخرى، البرلمان والجيش توزع حسب نسب طائفية واضحة. لقد ولد هذا النظام انطلاقا من محاولة منع سيطرة جماعة واحدة، لكنه عمليا ثبت الهويات الطائفية وحول الدولة الى منظومة توازنات هشة.
في داخل هذا المبنى غرست ميزة عميقة أخرى: حكم السلالات. أسماء عائلات كـ جميل، فرنجية، جنبلاط، شمعون، كرامة وسلام ليست فقط أسماء تاريخية بل مؤسسات سياسية حية تنتقل من جيل الى جيل. السياسة في لبنان ليست فقط صراع فكري بل وأيضا ميراث عائلي تكون فيه القوة، المقدرات والنفوذ تنتقل كالاملاك. المحسوبية تصبح آلية سلطوية، تمنع الإصلاحات، تحفظ النخب القديمة وتبعد الجمهور الغفير عن مراكز اتخاذ القرار. في هذا الواقع ولد القول “الطوائف هي رب البيت والدولة هي مجرد ضيف” – وصف دقيق لسلم الأولويات في لبنان، الولاء الأول فيه هو للطائفة وللعائلة وليس للدولة.
الدستور الخفي
غياب الرسمية يجد تعبيره أيضا في الساحة الأمنية. لبنان لم يخض ابدا تقريبا مواجهة عسكرية كدولة ذات سيادة. بدلا من ذلك عمل من خلال لاعبين آخرين انطلقوا من أراضيه: م.ت. في السبعينيات، سوريا في الثمانينيات ومنذ التسعينيات تنظيم حزب الله المدعوم من ايران. لقد خلق هذا الوضع واقعا تتخذ فيه قرارات الحرب والسلام أحيانا من خارج بيروت بينما السكان المدنيين يتحملون الثمن. هنا أيضا يعكس القول الشعبي الوضع: “في لبنان توجد أسلحة اكثر مما توجد اعلام”.
التاريخ اللبناني مرصوف بمواجهات داخلية هي جزء من نمط متكرر. فمنذ العام 1958 اصطدم المسلمون والمسيحيون حول هوية الدولة، في صدام تطلب تدخل الولايات المتحدة. لكن الحدث الأكثر تأسيسية كان الحرب الاهلية التي نشبت في 1975 واستمرت حتى 1990 – حرب بدأت بصدام بين م.ت.ف والمعسكر الإسلامي وبين المسيحيين، وسرعان ما أصبحت حربا متعددة الساحات، الطوائف والمشاركين الأجانب. في الثمانينيات أصبحت سوريا اللاعب السائد في الدولة، قاتلت اللبنانيين أنفسهم، صفت خصوما سياسيين وأفرغت السيادة من مضمونها. خلفت الحرب وراءها اكثر من 150 الف قتيل، دمار هائل، صدمة عميقة ودرس مركزي: لا منتصرين في مثل هذه الحروب.
من داخل هذه الصدمة ولدت منظومة قواعد غير مكتوبة – “الدستور الخفي” للبنان. القاعدة الأولى والاهم هي غياب الحسم: لا يفترض باي طائفة ان تنتصر تماما. عندما يتعزز طرف ما، على الفور تنشأ آلية توازن. القاعدة الثانية تقول ان مسا خطيرا بطائفة ما لا يبقى بلا رد، لكن الرد يبقى في الغالب في حدود تمنع التدهور العام. أما القاعدة الثالثة فلعلها أكثر تعقيدا: يتذكرون كل شيء لكنهم لا يفتحون شيئا. لا توجد لجان حقيقة، لا توجد محاكمات حرب، لا توجد محاولة للوصول الى حسم تاريخي. الذاكرة تدحر في صالح البقاء المشترك. ومرة أخرى ولد القول الذي يوجز الوضع: “لا يوجد حل – توجد إدارة أزمة”.
الى جانب هذه القواعد توجد خطوط حدود غير رسمي: لكل طائفة توجد مجالات جغرافية تعتبر كمجالات “لها”، حتى لو لم يعلن عن ذلك رسميا؛ لا يوجد إحصاء سكاني منذ 1932، لان الاعداد تعتبر سلاحا سياسيا؛ والجيش اللبناني؟ هذا يعتبر كخط دفاع أخير في وجه الفوضى في الدولة يعد نحو 80 الف جندي ويسمى “جيش الفزاعات”. الفوارق العسكرية – وعلى رأسهم الفرق بين الجيش اللبناني وبين حزب الله – يستقبل كجزء من النظام طالما لا توجه الى الداخل. كل هذا بدأ عندما رفض الغرب جعل جيش لبنان جيشا متقدما خشية أن يتسرب السلاح والعتاد الحديث والسري الى محافل الإرهاب. هكذا أقيم جسم هو نصف ميليشيا ونصف شرطة. اما عسكري فلا. ان آليات بقاء لبنان لا تعتمد فقط على توازنات داخلية بل وأيضا على تدخلات اجنبية دائمة. لبنان هو ساحة نفوذ ايران، السعودية، فرنسا والولايات المتحدة، وكل واحدة منها تؤيد جهات مختلفة داخل الدولة. أي منها ليست معنية بتفكيك تام للبنان بل بالنفوذ عليه. هكذا نشأ استقرار متضارب – دولة تعيش بالذات بفضل تدخل خارجي يمنع حسما داخليا.
الاقتصاد أيضا، رغم انهياره في السنوات الأخيرة شكل على مدى الزمن مصدر وحدة. البنوك، التجارة والخدمات كانت موزعة بين الطوائف وبيروت عملت كمركز اقتصادي مشترك. انهيار مطلق كان سيضر بالجميع وعليه فقد نشأ منطق بقائي مشترك. لكن منذ 2019، مع انهيار العملة والمنظومة المالية، فان هذه الالية أيضا تضعضعت والدولة دخلت الى أزمة عميقة أخرى – أزمة تجسد مرة أخرى كم هي المنظومة هشة.
الامتناع عن الهوة
ومع ذلك، فان لبنان ليس فقط قصة فشل. هو أيضا مركز ثقافي وحضاري استثنائي. المجتمع اللبناني يتميز بتعدد اللغات، بانفتاح نسبي وبثراء ثقافي – صحافة، جامعات، فن وموسيقى. شخصية المغنية فيروز أصبحت رمزا شبه وحيد ينجح في تجاوز الطوائف. اغانيها تسمع في كل بيت وهي تعبر عن توق وهوية ليست سياسية. في لبنان درجوا على القول: “اذا كان ثمة شيء يوحدنا جميعا – فهو فيروز”، قول يجسد كم هو صعب إيجاد رموز مشتركة في هذه الدولة. إضافة الى ذلك، يوجد الشتات اللبناني – ملايين اللبنانيين الذين يعيشون في ارجاء العالم ويواصلون ضخ الأموال، الأفكار والامل. لكن مجرد وجود الشتات يشهد على عمق الازمة على أن الكثيرين يختارون المغادرة لاجل البحث عن استقرار في مكان آخر. ومع ذلك، فانه حتى من غادر يبقي على علاقة عاطفية عميقة بالوطن.
في لبنان لا يوجد “أب مؤسس”، لا توجد رواية تاريخية متفق عليها ولا توجد شخصية تنجح في اجتياز كل الخطوط الطائفية. كل بطل هو أيضا موضع خلاف. وعليه فان لبنان لا يقوم على أساس الوحدة بل على أساس توافق بالحد الأدنى على عدم التفكك.
في نهاية الامر لبنان يبقى بفضل توازن حساس بين الخوف، الذاكرة والمصالح. هذا ليس استقرار ازدهار بل استقرار امتناع عن الهوة. هو ليس دولة متفكك بالمعنى الكلاسيكي لكنه ليس أيضا دولة ميتة. التوازن الهش يصمد منذ عشرات السنين، رغم كل شيء وربما بالذات بسبب كل شيء.
وربما، في نظرة أوسع، لبنان ليس فقط قصصة لبنانية بل مرآة غير مريحة للعالم العربي كله. دول عديدة في المنطقة تكثر من عرض سيماء استقرار، وحدة وسيادة، لكنها عمليا تواجه الشياطين المعروفة إياها: هويات متنافسة، حكم ونخب، تعلق بقوى خارجية وفجوة عميقة بين الدولة والمواطنين. الفرق هو أن لبنان لا يخفي هذا. بينما أنظمة أخرى تطور اساطير وحدة وطنية وسيطرة مطلقة، يكشف لبنان الهشاشة التي من خلف فكرة الدولة. وعليه، فبدلا من أن يكون لبنان تحذيرا فقط فانه تذكير غير لطيف أيضا – بان المشكلة ليست فيه فقط بل في النموذج الاوسع الذي تعيش فيه الدول تجاه الخارج لكنها في الداخل تصارغ على التعريف من هي حقا.
اذا كنا سنوجه اصبع اتهام، فمن الصعب ان نتجاهل دور الجامعة العربية والعالم العربي الواسع في تصميم مصير لبنان. باسم شعارات “الوحدة العربية” و “الكفاح المشترك” سمحت الدول العربيةلـ م.ت.ف ان تجعل لبنان ابتداء من السبعينيات ساحة مواجهة مع إسرائيل. لبنان تحمل الثمن – دمار، حروب، تفكك داخلي – بينما الدول العربية الأخرى أبقت على استقرارها النسبي. لاحقا، حين بدأ النفوذ الإيراني يتعاظم عبر حزب الله في الثمانينيات، فان “الامة العربية” العظمى إياها لم تنجح وربما حتى لم تحاول كبح المسيرة.
ولم تكن النتيجة فقط تشييع مراكز القوة في لبنان بل وأيضا الإيرانية التدريجية للمجال الذي كان يفترض أن يكون جزءاً من العالم العربي. هنا يظهر التناقض بكامل حدته: الدول إياها التي رودجت للوحدة لم تنجح في الدفاع عن واحدة منها في وجه تحولها الى ميدان لعب للاخرين. بهذا المفهوم، فان لبنان ليس فقط ضحية ضعفه الداخلي بل وأيضا فشل إقليمي أوسع – لمن تحدثوا باسم الوحدة لكنهم عملوا على الانقسام.
في هذه الأيام بدأت مفاوضات بين إسرائيل ولبنان على اتفاق سلام وتطبيع، لكن كل من يسارع الى تطوير توقعات لاتفاق تاريخي يجدر به أن يتذكر: تنفيذ الاتفاقات لم يكن ابدا الجانب القوي في لبنان. باستثناء اتفاق الطائف في 1989 الذي ثبت المبنى السياسي لكنه لم يحل المشاكل الجذرية للبنان، تكاد تكون كل تسوية أخرى بقيت على الورق أو دابت في الواقع المعقد في الدولة. وعليه، فحتى لو تحقق اتفاق – ومهما كان مبهرا – فانه سيختبر ليس بالعناوين الصحفية بل في القدرة على البناء في منظومة لا تؤدي مهامها كدولة كلاسيكية. بين التصريحات والواقع في لبنان تفتح ثغرها هوة، وفي أحيان كثيرة تكون هي التي تقرر.
——————————————
يديعوت احرونوت 15/4/2026
الولايات المتحدة وإيران في طريق العودة إلى باكستان
بقلم: إيتمار إيخنر
بعد أيام قليلة من تعثر المحادثات في إسلام آباد، وبعد أقل من يوم على دخول الحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز حيز التنفيذ، أفادت “رويترز” أمس، نقلاً عن أربعة مصادر، أنه من المتوقع أن يعود المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون إلى العاصمة الباكستانية في الأيام المقبلة لاستئناف المحادثات لإنهاء الحرب. قال الممثل الإيراني في السفارة الباكستانية إن “المحادثات قد تُعقد في وقت لاحق من هذا الأسبوع أو مطلع الأسبوع المقبل”، وفي وقت لاحق، صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لصحيفة “نيويورك بوست” بأن المحادثات مع إيران “قد تُعقد خلال اليومين المقبلين” في باكستان. ووفقًا له، فإن الولايات المتحدة “تميل” إلى القدوم إلى باكستان لإجراء هذه المحادثات.
وفي وقت سابق من تلك الليلة، أشار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، الذي ترأس الوفد الأمريكي إلى إسلام آباد، إلى إمكانية عقد جولة أخرى من المحادثات مع إيران في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز”، قائلاً إن “الكرة في ملعب طهران”. وعلى الرغم من انتهاء المفاوضات دون التوصل إلى اتفاق، ادّعى فانس أن “هذه كانت محادثات جيدة”، وفي إشارة إلى حصار مضيق هرمز، قال: “التوقع هو أن تتحرك إيران نحو فتحه”.
وأشار إلى أن إيران أبدت بعض المرونة في المحادثات “لكن ليس بالقدر الكافي من التقدم”، وتطرق إلى بعض الخطوط الحمراء للولايات المتحدة. وقال: “علينا الحصول على المواد المخصبة من إيران والتزامها بعدم تطوير أسلحة نووية”. أعتقد أنه إذا وافق الإيرانيون على هذه النقاط، فسيكون ذلك اتفاقًا جيدًا جدًا للبلدين.
التقرير والنفي
في الوقت نفسه، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الولايات المتحدة طلبت من إيران، خلال المفاوضات في باكستان، وقف تخصيب اليورانيوم لمدة عشرين عامًا. ووافق الإيرانيون، في ردٍّ صدر يوم الثلاثاء، على تعليق التخصيب لمدة تصل إلى خمس سنوات. وبحسب التقرير، رفض ترامب هذا الاقتراح. وقال أحد المصادر إن الولايات المتحدة طلبت أيضًا من إيران سحب اليورانيوم عالي التخصيب من الجمهورية الإسلامية، وعرضت إيران تخفيف تركيزه “بشكل كبير” بحيث لا يُمكن استخدامه في إنتاج أسلحة نووية.
في الوقت نفسه، ذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” أن الولايات المتحدة طلبت من إيران أيضًا سحب اليورانيوم عالي التخصيب من الجمهورية الإسلامية، وعرضت إيران تخفيف تركيزه “بشكل كبير” بحيث لا يُمكن استخدامه في إنتاج أسلحة نووية. كتب إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، لاحقًا على شبكة X: “لا ينبغي أن يؤدي انتهاء وقف إطلاق النار إلى تمديده. إما أن يعترفوا بحقوق إيران، بما في ذلك سيطرتنا على مضيق هرمز، أو يعودوا إلى الحرب. لن يكون من الممكن استغلال وقف إطلاق النار لشن هجمات جديدة أو إعادة التسلح”.
وصرح مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية لشبكة “فوكس نيوز”: “هناك الكثير من الأحداث الجارية في طهران اليوم. لدينا جميع المقومات للتوصل إلى اتفاق، لكن لم يكتمل كل شيء. لقد أثار الحصار مخاوف كبيرة لديهم”.
الموقف الإسرائيلي
تطرقت إسرائيل أمس إلى المفاوضات مع إيران. وصرح وزير الدفاع يسرائيل كاتس قائلاً: “لقد دمرت عمليتا الأسد الصاعد وزئير الأسد البرنامج النووي الإيراني وقدرته على إنتاج أسلحة نووية. ولا تزال مسألة المواد المخصبة، التي يمكن أن تُستخدم كأساس لمحاولة إعادة تشغيل المشروع، قائمة، ولذلك حددت الولايات المتحدة وإسرائيل إزالة هذه المواد من إيران كشرط أساسي لإنهاء الحملة”.
وقال رئيس الموساد، دادي برنياع، في كلمة ألقاها خلال مراسم إحياء ذكرى المحرقة: “أسفرت أربعون يوماً من القتال العنيف عن إنجازات بالغة الأهمية، أبرزها توجيه ضربة للهدف الرئيسي للعدو، وهو تدمير دولة إسرائيل. وقد نفذ الموساد عملياته مجدداً في قلب طهران، وقدمنا معلومات استخباراتية دقيقة لسلاح الجو، وأسقطنا صواريخ تهدد المواطنين الإسرائيليين”.
وأضاف: “لكن مهمتنا لم تكتمل بعد. لم نكن نعتقد أن هذه المهمة ستنتهي فور انتهاء القتال، بل خططنا لاستمرار حملتنا وتعبيرها حتى بعد الهجمات على طهران”. لن يكتمل التزامنا إلا باستبدال هذا النظام المتطرف. يجب أن يزول هذا النظام الذي يسعى إلى تدميرنا من العالم. هذه هي مهمتنا، ولن نستمر في غض الطرف عن أي تهديد وجودي آخر. بأمر واضح، لن يتكرر هذا أبدًا.
وفي سياق التقارير التي تزعم أن إسرائيل ضللت ترامب وجعلته يعتقد أن النظام الإيراني سيسقط في الأيام الأولى للحرب، أضاف أن “الأبرياء مخطئون، لأن المحرقة أصبحت من الماضي، وفي واقعنا اليوم، الإبادة الجماعية غير ممكنة، ولن تكون هناك دعوات للإبادة، ولن ينمو الحقد الذي يهدد وجود شعب”.
بحسب قوله، يتصاعد التهديد الإيراني أمام أعيننا وأعين العالم، بشكل شبه متواصل. لقد حذرنا مرارًا وتكرارًا من الخطر النووي باعتباره تهديدًا وجوديًا، وحذرنا مرارًا وتكرارًا من كميات الصواريخ الباليستية التي تهدد المواطنين الإسرائيليين في كل مكان في البلاد، ومن الخطر الذي يمثله النظام الإيراني علينا، وفي النهاية، أخذنا مصيرنا بأيدينا، وخضنا حربين اضطراريتين.
“في حرب زئير الأسد، شنّ الجيش الإسرائيلي، بمساعدة الموساد، هجومًا غير مسبوق وجّه ضربة قوية للنظام الإيراني، ضد أولئك الذين نقشوا على علمهم تدميرنا، ضد أولئك الذين علّقوا ساعة عملاقة تزعم أنها تحسب أيام وجودنا. إلى جانبنا، في تحالف راسخ وتعاون تاريخي مع أقوى قوة في العالم، قاتلنا معًا من أجل قيم العدالة والحرية.”
بالإضافة إلى ذلك، قال وزير الخارجية جدعون ساعر: “أعتقد أن هناك التزامًا قويًا من جانب ترامب وإدارته بمنع إيران من الحصول على أسلحة نووية.” هذا هو الهدف، والموقف لتحقيقه هو إزالة المواد المخصبة من إيران والوصول إلى صفر تخصيب على الأراضي الإيرانية. أعتقد أن فريق التفاوض الأمريكي الذي عمل في باكستان قبل أيام قليلة قد عرض هذه المواقف. لسوء الحظ، أظهر ممثلو النظام الإيراني تشدداً في هذه القضايا، ولهذا السبب لم تنجح هذه الجولة.
ووفقاً له، “نعتقد أن هناك التزاماً أمريكياً قوياً، تماماً كما هو الحال بالنسبة للالتزام الإسرائيلي القوي. وقد أثبت كلا الجانبين ذلك بأفعال لا بأقوال. إذا أمكن تحقيق ذلك من خلال المفاوضات الدبلوماسية، فإننا لا نعارضه فحسب، بل ندعمه أيضاً.”
تمثل المفاوضات الدبلوماسية والحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة ضد إيران مصلحة المجتمع الدولي، على الرغم من أن معظمه غير مستعد للقتال من أجلها. لكن ذلك يصب في مصلحتها.
في غضون ذلك، وبعد بدء الحصار الذي أعلنه ترامب، عبرت خمس ناقلات نفط على الأقل مضيق هرمز، اثنتان منها غادرتا موانئ إيرانية. وأفادت وكالة بلومبيرغ أمس أن إيران تدرس وقف الملاحة مؤقتًا عبر مضيق هرمز، وذلك لتسهيل أي محادثات محتملة مع الولايات المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، ووفقًا لبيانات شركات تراقب بيانات النفط لحظة بلحظة وتحلل حركة السفن وتدفق البضائع، عبرت ناقلة نفط صينية، تابعة لشركة كانت خاضعة سابقًا لعقوبات أمريكية لنقلها النفط الخام الإيراني، المضيق أمس. وكانت الصين قد أعلنت سابقًا أن الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية “خطير وغير مسؤول” بعد أن هدد الرئيس ترامب بإغراق أي سفينة تحاول مغادرة الموانئ أو الرسو فيها.
——————————————
إسرائيل اليوم 15/4/2026
إيطاليا تعلق الاتفاق الأمني مع إسرائيل
بقلم: اريئيل كهانا
يلخص البيان الإيطالي عن “تعليق” الاتفاق الأمني مع اسرائيل فشلا سياسيا كان يمكن في هذه الحالة منعه. فليس للخطوة معنى عملي من ناحية إسرائيل، بل يحتمل أن تكون رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني تمس في هذه الحالة بدولتها.
نشأت ميلوني في أحضان اليمين الإيطالي. وبصفتها هذه كانت حليفا أيديولوجيا لليكود و “صديقة هاتف” للسفير الإسرائيلي السابق في إيطاليا د. درور ايدار. وهي محوطة حتى اليوم بيمينيين الذين يعجب بعضهم بإسرائيل.
بمعنى انه في عمل صحيح، وبالتأكيد حين تكون في إسرائيل “حكومة يمين مليء” كان ممكنا جعلها لاعبة محورية من أجل إسرائيل في أوروبا. وعلى الأقل كان يمكن منع هذا السقوط.
تدير ميلوني ظهرا باردا لإسرائيل منذ زمن بعيد. فالسفير الإسرائيلي في إيطاليا يستدعى المرة تلو الأخرى لـ “محادثات توبيخ” في وزارة الخارجية. وزير الدفاع يتهم إسرائيل بجرائم حرب. وهي نفسها تلقي علينا حتى بفشلها في الاستفتاء الشعبي قبل نحو شهر ويا له من هزء القدر على اصلاح قضائي.
يحتمل أن كالمعتاد، إسرائيل هي كبش الفداء الاسهل على الهجوم. ولا يزال كان يمكن وينبغي أن تبنى حيالها شبكة علاقات تجد فيها أكياس ضرب أخرى لتضربها. ولما كان هذا لم يحصل وبالاخذ بالحسبان أن ميلوني أعلنت بالذات عن مجال الامن كمجال هي ليست معنية به بالعلاقة مع إسرائيل، حان الوقت ان يرد عليها بالعملة ذاتها.
مثل دول عديدة في العالم، إيطاليا هي الأخرى تنتفع بمعلومات استخبارية منقذة للحياة تجمعها إسرائيل. حان الوقت للمطالبة بمقابل عن هذه المعلومات الغالية والايضاح بانه توجد حدود للاهانات التي يمكننا أن نحتملها. الخد الثاني، بعد كل شيء، يقدمونه في روما، وليس في القدس.
——————————————
هآرتس 15/4/2026
بديل للاستراتيجية القائمة
بقلم: اوري بار يوسف
كتب بول جونسون، وهو احد ابرز مؤرخي القرن العشرين، في كتابه بعنوان “تاريخ العصر الحديث” عن العمليات التي ادت الى تدمير اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية: “كان القادة العسكريون والسياسيون المدنيون في اليابان جميعهم بارعون في التكتيك، ولم يكن أي واحد منهم استراتيجي. جميعهم كانت لهم افكار مدهشة للبدء في الحرب، لكن من الاول وحتى الآخر من بينهم، من العام 1931 وحتى الهزيمة المرة في 1945، لم يقف أي ياباني، مدني أو عسكري، لتقييم بواقعية كيف يمكن ان تنتهي الحرب”.
أنا اتساءل ماذا كان سيقول جونسون لو انه سمع تصريح رئيس المعارضة في اسرائيل، يئير لبيد، عند بدء الحرب ضد ايران. لم يتردد لبيد في تذكيرنا بان “شعب اسرائيل قوي، الجيش وسلاح الجو قويان، واقوى قوة في العالم تقف الى جانبنا. في مثل هذه اللحظة نقف في صف واحد وننتصر معا. لا وجود لتحالف أو معارضة، بل شعب واحد وجيش اسرائيلي واحد نقف كلنا خلفه”. تميز خطاب لبيد بالحزم، لكن هذه اللهجة كانت مشتركة بين جميع قادة المعارضة اليهود.
حتى الان وفي ظل شعور الجميع بالمرارة من نتائج الحرب، وتكرار المعلقين على الشاشات الوعد بجولة حرب اخرى، وفي ظل غياب أي بديل في الافق، لم ينهض أي احد للقول بصوت مرتفع: الامر انتهى. نحن ضربنا ودمرنا وتسببنا بالاذى، وبالطبع قمنا بالتصفية، ولكن النظام في طهران ما زال قائما، واليورانيوم المخصب مخبأ في مكان ما، ويجري ترميم منظومة الصواريخ، وما زال حزب الله يقاتل، ولم يقل الحوثيون كلمتهم الاخيرة حتى الآن.
هذه كارثة. اذا كان هناك درس واضح من الحرب الاخيرة فهو ان القوة لن تحل كل شيء، وأنه يجب البحث عن بديل. هذا البديل موجود، وقد اثبتت التجربة التاريخية فعاليته. كلمة المفتاح هنا هي “الاحتواء” – وهي استراتيجية مصممة لمنع انتشار ووجود تهديدات غير محتملة على أمل ان تؤدي الاحداث التاريخية في نهاية المطاف اما الى انهيار الخصم أو دفعه الى اليأس والتنازل عن الافكار التي يروجها الآن.
على الصعيد العالمي يتمثل النموذج بسياسة الاحتواء التي اتبعتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي في الحرب الباردة الى حين انهيار الكتلة السوفييتية في العام 1991. كان الصدام الايديولوجي بين القوتين العظميين حاسم ولا هوادة فيه. تمثلت الرؤيا الشيوعية في انتصار الاشتراكية والقضاء على الامبريالية والرأسمالية، بينما تمثلت الرؤيا الامريكية بعالم ديمقراطي واقتصاد رأسمالي. عمليا، حذرت القوتان من استخدام القوة العسكرية ضد بعضهما البعض، وتمكنتا من الحد من خطر اندلاع حرب نووية. في نهاية المطاف الغلبة كانت للاستراتيجية الامريكية، وتحقق الانتصار بدون اطلاق رصاصة واحدة.
استراتيجية الاحتواء لدى المشروع الصهيوني معروفة باسم “الجدار الحديدي”، وهو مصطلح صاغه جابوتنسكي وتبناه بن غوريون. الاثنان اعتبرا ان استخدام القوة هو الاساس الذي يضمن بقاء الدولة اليهودية في مواجهة التهديد العربي. ولكنهما ادركا ايضا أن القوة هي وسيلة، ومهمتها هي اجبار الخصم على التنازل عن طموحاته في القضاء علينا. وكلاهما توقع ان العرب سيرغبون في نهاية المطاف في انهاء الصراع، وبالتالي، سيتحقق أمن المشروع الصهيوني.
لقد صدقت توقعاتهما. فقد اثبتت انتصارات الجيش الاسرائيلي في المعارك، لا سيما نتائج حرب الايام الستة، للعرب بانهم لا يملكون القدرة على القضاء على دولة اسرائيل. وبالتالي، عليهم قبول وجودها. وكان اتفاق السلام مع مصر التعبير الاوضح على ذلك. حتى ان تساحي هنغبي، الذي كان رئيس المعارضة التي ناضلت ضد الانسحاب من شبه جزيرة سيناء، اقر بذلك في نهاية المطاف.
ولكن هناك تعبير آخر لا يقل اهمية عن نجاح الجدار الحديدي الاسرائيلي، وهو مبادرة السلام العربية للجامعة العربية في 2002، التي دعت الى انهاء الصراع واعتراف الدول العربية بدولة اسرائيل وتطبيع العلاقات معها مقابل الانسحاب من الاراضي التي احتلتها في 1967. وكان آباء الصهيونية، وعلى رأسهم بن غوريون، سيرون في هذه المبادرة تحقيق لحلم جيل كامل. أما ورثتهم، قادة المعارضة، تجاهلوها كليا، وبالتالي، لم يعد مطروح الا الرؤية البديلة التي طرحها نتنياهو وهي “العيش على حد السيف”. ومصير هذه الرؤية مرهون بنا في كل مرة.
يمكن لاستراتيجية الاحتواء أن تساعد ايضا ضد ايران، وينبغي ان يستند جوهرها على عناصر اساسية: الاول، منع ايران من امتلاك قدرة نووية عملياتية، الامر الذي يمثل تهديد وجودي. ومن اجل تحقيق ذلك يمكن التخلي عن بعض الجوانب الاخرى مثل التسلح بالصواريخ. فالخطر الناتج عنها لا تتم ازالته بالكامل، لكنه لا يعتبر تهديد وجودي. من الافضل ترك تغيير النظام لآخرين، بل ويمكن، حسب شروط معينة، التنازل حتى بشان القدرة النووية اذا تحقق هذا الهدف.
الثاني هو تخفيف شدة المواجهة مع ايران. ان العداء التاريخي بيننا وبين النظام الايراني يجعل هذا الهدف صعب جدا. لكن تصعيد نتنياهو المستمر للتهديدات لا يزيد ايران ألا تصميما على الانتقام. ينبغي ان يكون الهدف اضعاف هذا الدافع وليس تقويته.
اضافة الى ذلك، كما اشار داني سترونوفيتش (“هآرتس”، 12/4)، فانه من الضروري ايضا العمل دبلوماسيا لتعزيز المصالح المشتركة مع المحور المناهض لايران، لا سيما سوريا والسعودية والحكومة اللبنانية. قد يكون محور هذا المسعى هو استعداد اسرائيل لقبول اقتراح السلام الذي قدمته جامعة الدول العربية من حيث المبدأ والتحرك نحو حل الدولتين.
صحيح ان كل ذلك يظهر الآن وكأنه كارثيا، الا ان التمسك بالخيار البديل الحالي يعرضنا لاخطار اكبر بكثير.
——————————————
هآرتس 15/4/2026
بدل الحرب، يمكن تطبيق الردع الذي يقوم على الاصول الاقتصادية، مثل منصة كريش
بقلم: ران كوخاف
الحرب اللبنانية الخامسة بدأت بالفعل. نعم، الخامسة. الحرب الاولى (1982) والثانية (2006) تم تحديدهما رسميا. وبينهما اعطيت حتى اشارة ايضا لحرب في المنطقة الامنية (1985 – 2000)، حرب بلا اسم، الحرب اللبنانية الرابعة اندلعت في تشرين الاول 2023، واشتدت في اطار عملية “سهام الشمال” الى حين اغتيال حسن نصر الله والحاق اضرار كبيرة بحزب الله، الى ان تم التوقيع على اتفاق وقف اطلاق النار في تشرين الثاني 2024. الحرب اللبنانية الخامسة اندلعت في آذار 2026، وقد مر بالفعل 50 يوم على القصف من الجو ووجود خمس فرق برية، واخلاء القرى الشيعية واحتلال حتى نهر الليطاني.
لقد جربنا كل شيء بالفعل، سيطرنا على بيروت، “اورانيم” الكبيرة والمتوسطة والصغيرة، وحاولنا تغيير الحكومة في لبنان، وقمنا بغض النظر في صبرا وشاتيلا. كلنا نشعر بالضيق من ذكريات “الوحل اللبناني” و”الشريط الامني” و”الصواريخ ستصدأ” أو صواريخ على كريات شمونة. يجب علينا ايضا التخلي عن وهم امكانية نزع سلاح حزب الله أو احتلال كل لبنان. لقد جربنا كل شيء بالفعل، فلماذا ستكون النتيجة مختلفة في هذه المرة؟. ربما يجدر التفكير بشكل مختلف هذه المرة. داخل ضجة الحرب يصعب احيانا ايجاد جزر عقلانية باردة، لكن هناك بالتحديد، في قلب البحر الابيض المتوسط، يقف كيان صلب من الفولاذ: “منصة كريش”. في تشرين الاول 2022 وقعت اسرائيل على اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع الحكومة اللبنانية، وحتى الان، بعد ثلاث سنوات ونصف وفي خضم الحرب، ما زالت المنصة حصينة. ليس بسبب الحظ، بل بسبب المصالح. ان العلاقة الاقتصادية بين اسرائيل ولبنان مستقرة بفضل هذا الاتفاق ورغم الحرب.
تمثل منصة “كريش” هدف استراتيجي، لكنه ايضا بمثابة بوليصة تامين متبادلة لثلاثة اطراف: اسرائيل، لبنان وحزب الله. وقد طمست من الذاكرة الجماعية حقيقة ان حزب الله حاول قبل اربع سنوات، قبل اتفاق “كريش”، تحدي سيادة اسرائيل. في حينه تم اطلاق ثلاث مسيرات على هذه المنصة، وتم اعتراضها باستخدام صواريخ براك، لاول مرة، من على متن سفن حربية. كانت رسالة اسرائيل واضحة بشان حماية موارد الطاقة لها، لكن رسالة لبنان، التي جاءت بعد التوقيع على اتفاق “كريش”، لا تقل اهمية. فعندما يكون لدى اللبنانيين وحزب الله ما يخسرونه، مثل امكانيات الغاز اللبنانية الموجودة في حقل قانا، فانهم يعرفون كيفية جماح انفسهم. لديهم من يخسرونه. لم يوقع اتفاق “كريش” مع حسن نصر الله، بل مع حكومة لبنان. وموافقة حزب الله على توقيع الحكومة، وصمته على منصة الحفر يثبت امكانية ذلك. المنصة محمية.
أما بالنسبة لنا فتثبت الحقائق انه في اوقات الطواريء، مثلما في “زئير الاسد” تضطر اسرائيل الى اغلاق منصات الحفر (مثلما حدث مع منصة تمار ومنصة لفيتان). مع ذلك، حقل لفيتان مخصص في معظمه للتصدير، بينما يغطي حقل “كريش” تقريبا نصف كمية الغاز المطلوبة لاستهلاك الكهرباء في الاقتصاد الاسرائيلي. المعنى واضح: استهداف “كريش” لا يعتبر حدث امني عابر، بل هو حدث استراتيجي قد يلحق ضرر كبير باسرائيل. وعندنا نحن ايضا الكثير لخسره.
هنا توجد جزيرة من الاتفاق بدلا من عدم الاتفاق والحروب الدموية. تثبت ظاهرة “كريش” بانه عندما يكون هناك توازن في الردع يقوم على الاصول الاقتصادية ومصالح منطقة، فانه يمكن التوصل الى اتفاق مع العدو. قد يكمن حل الازمة اللبنانية المزمنة في نموذج “كريش”: اتفاق مع الحكومة اللبنانية بضمانات دولية يرسخ مصالح وطنية واقتصادية ووجودية، ويمكن لهذا الاتفاق ان ينجح برعاية امريكية، ويكون قائم على مزيج من المصالح لاضعاف حزب الله ومنع وجود دعم لوجستي له في سوريا، وبالطبع قطع علاقته مع ايران.
في نهاية هذه الجولة سيتعين على اسرائيل التقرير: هل ستجر مرة اخرى الى الوحل اللبناني أم ستستغل انجازاتها العسكرية في ايران ولبنان لعقد اتفاق “كريش 2″، تكون فيه الحكومة اللبنانية هي الطرف المخاطب، ويكون ثمن خرقه خسارة مواردها الوطنية؟. هذا لن يكون سلام شجعان، بل اتفاق مصالح، مثلما هي الحال الآن في قلب البحر. واذا لم يحدث ذلك فان العودة الى حرب لبنان السادسة واردة دائما.
——————————————
هآرتس 15/4/2026
حاجة نائب الرئيس الامريكي الى اتفاق لا تقل اهمية عن حاجة الرئيس
بقلم: نتنئيل شلوموبتس
في فعالية من فعاليات عيد الفصح التي اقيمت في البيت الابيض، استضاف الرئيس الامريكي، دونالد ترامب، ونائبه جي دي فانس، كبار الحزب الجمهوري. وفي حديث مغلق مع وسائل الاعلام بثه البيت الابيض بالخطأ في الانترنت، مزح ترامب ولم يكن يمزح في نفس الوقت عندما قال “انه يعمل على الاتفاق، أليس كذلك؟ اذا لم ينجح فسألوم جي دي فانس، واذا نجح فسانسب الفضل لنفسي. لكني اعتقد انه سينجح. اعتقد انهم متلهفون”.
يعكس مزاح ترامب في الاول من نيسان على حساب نائبه الى درجة كبيرة الوضع بين الولايات المتحدة وايران بعد انهيار المحادثات في باكستان. كان ترامب على حق في وصف ايران بانها متلهفة للحرب في اسرع وقت ممكن، وكشف بطريقته الملتوية انه هو ايضا متلهف من اجل التوصل الى اتفاق، ربما اكثر من ايران. لا يمكن لرئيس له ولاية محدودة ان يضاهي صبر ديكتاتورية. وكان الرئيس الامريكي على حق ايضا في ان فانس بحاجة الى اتفاق اذا كان يطمح الى خلافته.
ان اعلان فانس عن وصول المفاوضات مع الايرانيين الى طريق مسدود وتعليقها، وعودته من اسلام اباد الى واشنطن، اوضح ما كان يعرفه كل عاقل وهو ان هذا ليس صراع يمكن حله في 21 ساعة من المفاوضات الماراثونية. وقد زاد قراره العودة الى امريكا الضغط الذي فرضه ترامب على فانس. وبالتالي، اذا ما تم استئناف الحرب فسيكون بامكان ترامب والكثير من الامريكيين الاشارة الى سبب واحد على الاقل، وهو انسحابه من طاولة المفاوضات. وعلى خلفية التقارير التي تفيد باستئناف المحادثات في هذا الاسبوع فان أي انهيار آخر لن يؤدي الا الى تعميق مأزق فانس. وسيتم وصمه عندها ليس كرجل دولة يحب السلام، بل كسياسي مبتديء في الاربعينيات اندفع الى شفا الهاوية.
نشرت “نيويورك تايمز” تقرير عن كواليس المحادثات في باكستان وكشفت العقبات التي لم يستطع الطرفان تجاوزها. وحسب التقرير لم تطالب الولايات المتحدة ايران الغاء مشروعها النووي أو التخلي عن طموحها النووي. ومثلما في الاتفاق الذي بلورته ادارة اوباما في السابق، فقد عملت ادارة ترامب ايضا على اتفاق يقتصر على “تعليق” المشروع. وكان فانس وستيف ويتكوف وجارد كوشنر يأملون تجنيب الايرانيين الاهانة التي قد تنتج عن اعلان رسمي عن الغاء المشروع النووي.
وذكرت صحيفة “تايمز” ان المحادثات لم تتقدم بسبب الخلاف حول مدة التعليق. فقد وافقت ايران على تعليق جهودها لخمس سنوات فقط. وقدمت ايران اقتراح مشابه تقريبا في محادثات جنيف في شهر شباط، قبل شهرين كان هذا كاف لترامب كي يتخلى عن الحوار والذهاب الى الحرب الجوية. ومنذ ذلك الحين اكتسب بعض المعرفة عن ايران وعن التوقعات المتفائلة للمسوقين الاسرائيليين. وهو الان غير مستعجل لاشعال فتيل التوتر.
يتصدر مضيق هرمز جدول الاعمال العالمي، وبدرجة اقل بالنسبة للامريكيين الحرب الاسرائيلية في لبنان. مع ذلك يتفق ترامب وفانس وطاقمهما على ان المشروع النووي هو المعضلة الحقيقية. فرفض ايران التراجع عن طموحاتها وتفكيك بنية البرنامج وتسليم اليورانيوم هي جوهر النقاشات. وقد اظهر الجدل حول مدة تعليق البرنامج النووي للبيت الابيض بان التوصل الى اتفاق طويل المدى هو أمر ممكن. اضافة الى ذلك يكفي النظر الى الاجواء في واشنطن وطهران من اجل فهم ان الطرفين يرغبان في انهاء هذا الفصل المدمر من تاريخ العلاقات بينهما وتجاوز الخلافات والسير قدما.
لقد كان ترامب يردد طوال فترة الحرب بان “الولايات المتحدة تملك زمام الامور، وايران لا تملك أي شيء”. مع ذلك، تكمن المشكلة الرئيسية التي تواجه الولايات المتحدة في المفاوضات في ان ايران تعرف جيدا مدى رغبة ترامب في الاستسلام. فترامب لا يمكنه اخفاء رغبته في انهاء الازمة على الفور، وايران في المقابل، لم تقم الا بزيادة طلباتها. على جانبي طاولة المفاوضات في اسلام اباد كان هناك من يعرف ان ترامب دخل الى هذه الحرب بدون ادراك كامل لعواقبها المحتملة – ازمة اقتصادية عالمية، ارتفاع حاد في تكلفة المعيشة في الولايات المتحدة – والآن هم لا يريدون سماع المزيد عن ايران.
من ناحيته عول فانس على الوضع الاقتصادي المتردي في ايران. وقد حاول تحقيق آخر لصحيفة “تايمز” نشر في هذا الاسبوع تقدير حجم الضرر الذي لحق بالبلاد. وحسب تقديرات كثيرة تتراوح الاضرار التي لحقت بالبنى التحتية المدنية والعسكرية في ايران بين 300 – تريليون دولار. وكل ذلك بعد ان خرج الايرانيون الى الشوارع من اجل التظاهر ضد التضخم الجامح وانهيار العملة.
سيكون ترامب مسرور من التراجع وترك ايران تغرق في الدمار والخراب. ولكنه لن يستطيع تحمل ذلك. فالحصار الايراني لمضيق هرمز والحصار الامريكي المضاد الذي بدأ في يوم الثلاثاء، لن يستمرا الى الابد، وذلك ببساطة، لان الطرفين يتكبدان خسائر كبيرة كل يوم. والسؤال الذي سيطرح في اسلام اباد واضح: من الذي يملك القدرة على الصمود اكثر؟. من المرجح ان تعود ايران الى طاولة المفاوضات مع موقف اقوى، حتى لو فقط لان ترامب يسعى بجهد لانهاء الصراع وفتح المضيق امام الملاحة.
مع ذلك، الوضع في مضيق هرمز متفجر، وأي سوء فهم في عرض البحر كفيل باشعال فتيل الحرب من جديد واطلاق الصواريخ. يضاف الى ذلك شخصية الرئيس الامريكي المثيرة للجدل، الذي يميل الى الغضب والتصرف باندفاع عندما يشعر بفقدان السيطرة على الوضع – وهو بالفعل لا يملك أي سيطرة على الوضع، من ايران وحتى لبنان. عند استئناف المحادثات يتوقع المزيد من العقبات والمشاكل، وربما حتى انفجار المفاوضات. كل ذلك قد يعيد ترامب الى الواجهة.
——————————————
هآرتس 15/4/2026
إسرائيليون لقضاة “العليا” بعد التماس قدموه لتنحية بن غفير: فرصتكم الأخيرة
بقلم: أسرة التحرير
البحث الذي سيجرى اليوم في المحكمة العليا هو حبل النجاة الأخير للنظام الديمقراطي. فمحكمة العدل العليا ستبحث في هيئة موسعة من تسعة قضاة، سلسلة التماسات رفعها مواطنون يدعون إلى تنحية بن غفير من منصبه كوزير الأمن القومي على خلفية تدخله في الشرطة، وأحداث عملياتية، وتحقيقات جارية، وتعيينات…
كل شرطي يعرف اليوم من هم قادته الحقيقيون: بن غفير، مساعده حمنئيلدورفمان، ومكتبه. المفتش العام للشرطة كوبي شبتاي، كان هو الذي فتح لبن غفير الباب للسيطرة على الجهاز، لكنه استفاق لاحقاً وروى بصراحة كيف أن من رأى فيه أحد المسببات لأحداث “حارس الأسوار” تدخل في قرارات عملياتية. المفتش العام الحالي للشرطة داني ليفي يخاف من بن غفير، ومرؤوسوه يتحدثون اليوم مباشرة مع الوزير الذي فوقهم.
بشكل شاذ، وبعد جملة محاولات يائسة للامتناع عن ذلك، وقفت المستشارة القانونية للحكومة غالي بهرب ميارا إلى جانب الملتمسين، بل وتطلب من محكمة العدل العليا أن تأمر نتنياهو بإقالة بن غفير. كل يوم تشهد المستشارة وأناسها سلوك بن غفير في الشرطة وتحويلها إلى ذراع تنفيذية له ولـ “سياسته” – كلمة مغسولة لتعليمات عملياتية للمس بالجمهور العربي وبالمظاهرات ضد الحكومة وبنشاط دائرة التحقيق مع الشرطة “ماحش” في ظل منح إسناد لعنف الشرطة. إن سيطرة بن غفير على منظومة التعيينات في الشرطة مع تعاون المفتش العام للشرطة معه، جعلته عملياً من يعين الموالي له لمناصب أساسية في الجهاز. إن الشرطة السياسية تهديد مباشر على المبادئ الأكثر أساسية للديمقراطية، التي يفترض بضباط الشرطة أن يعملوا فيها بشكل محايد.
عشرات الحالات التي جاءت بها المستشارة القانونية للحكومة والنيابة العامة كنماذج على تدخل بن غفير في الشرطة ليست سوى الطرف الأقصى للجبل الجليدي. على القضاة تناول كل حالة من حالات التدخل على حدة، بل عليهم أيضاً معرفة مدى تأثير بن غفير على الشرطة. ضباط الشرطة يعرفون ما يعجب بن غفير، أما الترفيع والتطلع إلى الرتب فأصبح الهدف الأساس في الجهاز وليس مكافحة الجريمة. وهكذا أصبحت الشرطة تمس بحقوق المواطن الأكثر أساسية يومياً.
الشرطة السياسية في سنة انتخابات خطر مضاعف. محكمة العدل العليا لم تكبح تنافس بن غفير في الانتخابات للكنيست رغم سلسلة البينات التي كان يفترض بها أن تبعث بخليفة كهانا عائداً على “كريات أربع”. هذا الخطأ كلف ثمناً باهظاً. والآن، أمام لمحكمة العدل العليا فرصة أخيرة لكبحه قبل أن يسحق الديمقراطية.
——————————————
عن “N12” 15/4/2026
الهدوء في الشمال يتطلب وجوداً إسرائيلياً دائماً داخل جنوب لبنان
بقلم: إيرز وينر وغابي سيبوني
مع قيام إسرائيل سنة 1948 اعتُبر لبنان الجار الأكثر هدوءاً واستقراراً بين الدول العربية؛ فقد كانت الحدود الدولية هادئة نسبياً، وأُديرت الدولة كجمهورية متعددة الطوائف، حيث سيطر المسيحيون الموارنة في ظل دستور منحهم الأفضلية السياسية، وازدهر اقتصاد لبنان كمركز تجاري ومالي في الشرق الأوسط، وأُطلق على عاصمته بيروت لقب “باريس الشرق”.
لكن ابتداءً من ستينيات القرن الماضي بدأت تتشكل خطورة جديدة ومقلقة؛ موجات اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى البلد بعد حرب 1948، وخصوصاً بعد أحداث “أيلول الأسود”، حين قام الملك حسين بطرد التنظيمات الفلسطينية من الأردن، وكانت هذه الموجة هي التي حوّلت جنوب لبنان إلى “دولة داخل دولة”، وأدت إلى تمركز منظمة التحرير الفلسطينية هناك، وهو ما زاد التوتر مع الحكومة اللبنانية، وساهم في اندلاع الحرب الأهلية في لبنان.
في تلك الفترة تبلور إدراك بأن لبنان ليس دولة ذات سيادة بالمعنى الغربي، إنما هو ساحة تدير فيها قوى خارجية – كسورية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وغيرهما – صراعاً على حساب إسرائيل ولبنان.
وقد أدى عجز الحكومة اللبنانية عن السيطرة على أراضيها إلى تحويل جنوب لبنان إلى قاعدة معادية دائمة.
وكانت عملية الليطاني (آذار 1978) أول عملية عسكرية كبيرة في لبنان، وكان الهدف واضحاً: إبعاد قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى ما وراء نهر الليطاني، وإنشاء منطقة عازلة أمنية تستند إلى هذا الحد الطبيعي لمنع التسللات إلى داخل إسرائيل.
وقد سيطر الجيش الإسرائيلي بسرعة على مناطق واسعة، وتمركز على ضفاف الليطاني، لكن العملية اعتُبرت نجاحاً تكتيكياً فقط؛ إذ عادت منظمة التحرير سريعاً إلى جنوب لبنان، وكان الدرس واضحاً منذ ذلك الحين: دون وجود إسرائيلي دائم لن يسود الهدوء في شمال البلد.
وعقب إطلاق متواصل لصواريخ الكاتيوشا نحو شمال إسرائيل، ومحاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن، شنّ الجيش الإسرائيلي عملية “سلامة الجليل” سنة 1982، وسيطر على جنوب لبنان بالكامل، وتقدم حتى بيروت، وطرد منظمة التحرير من لبنان، ووقّعت إسرائيل اتفاقاً كان من المفترَض أن يؤدي إلى سلام كامل بين الدولتين، إلاّ إن اغتيال بشير الجميل أعاد إشعال الحرب الأهلية، وأفشل الاتفاق.
وفي سنة 1985 انسحب الجيش الإسرائيلي جزئياً من لبنان، وأقام “الحزام الأمني”، بالاعتماد على جيش لبنان الجنوبي.
في تلك الفترة، ظهر “حزب الله” كميليشيا شيعية صغيرة برعاية وتمويل مباشرَين من إيران.
وفي السنة نفسها نشر التنظيم بيانه الرسمي الذي أعلن فيه أهدافه: تدمير إسرائيل، وطرد القوات الغربية من لبنان، وإقامة دولة إسلامية شيعية في لبنان على غرار إيران.
وفي الأعوام التي تلت ذلك عمل الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان لضرب التنظيمات المسلحة، وخصوصاً “حزب الله”، الذي ازداد قوة، بهدف منع تهديد سكان الشمال.
ومع مرور الوقت تمركز الجيش في مواقع ثابتة، بينما تصاعد الجدل داخل إسرائيل بشأن الخسائر البشرية وضرورة الاستمرار في “الحزام الأمني”.
وفي أيار 2000، وبقرار من حكومة إيهود باراك، انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان بصورة أحادية الجانب ودون اتفاق، وترافق ذلك مع ترك آلاف المقاتلين من جيش لبنان الجنوبي لمصيرهم، ففرّ كثير منهم إلى إسرائيل، أو تُركوا تحت رحمة “حزب الله”.
واختارت إسرائيل الانسحاب إلى الحدود الدولية بدقة شديدة بهدف الحصول على اعتراف الأمم المتحدة، حتى وإن كان ذلك على حساب التخلي عن مواقع طوبوغرافية مهمة، وجعل خط الحدود ملاصقاً للتجمعات السكنية.
وأدى عدم الرد الإسرائيلي على حادثة اختطاف ثلاثة جنود في مزارع شبعا في تشرين الأول 2000، إلى جانب خطاب “بيت العنكبوت” الذي ألقاه حسن نصر الله في بنت جبيل (26 أيار2000)، إلى تصوير إسرائيل دولة ضعيفة وخائفة وهشة.
واستغل “حزب الله” هذا الفراغ، فبنى بنية تحتية عسكرية ضخمة بتمويل إيراني، وتحول إلى القوة المهيمنة في لبنان.
ثم اندلعت حرب لبنان الثانية (تموز – آب 2006) عقب مقتل واختطاف جنود احتياط إسرائيليين على يد “حزب الله” قرب زرعيت، واتسم أداء الجيش الإسرائيلي خلال الحرب بالتردد وعدم التنظيم، وخصوصاً في تشغيل القوات البرية.
وشكّل استهداف الضاحية الجنوبية في بيروت، التي تُعد معقلاً لـ “حزب الله”، ضغطاً على التنظيم، وساهم في بلورة قرار الأمم المتحدة رقم 1701، الذي كان من المفترَض أن يمنع “حزب الله” من العمل في جنوب لبنان تحت إشراف قوة دولية معززة (اليونيفيل).
لكن في الواقع لم يتحقق ذلك، إنما نشأ فعلياً نوع من الردع المتبادل؛ إذ امتنعت إسرائيل عن ضرب “حزب الله” مباشرة طالما لم “يكسر القواعد”، بينما واصل الحزب تعزيز قوته، مع حرصه على تنفيذ عملياته ضد إسرائيل عبر وسطاء يتيحون له هامش إنكار.
وشارك “حزب الله” بصورة فاعلة في الحرب الأهلية في سورية (منذ سنة 2011)، وتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة، كما أنشأ شبكة أنفاق عابرة من لبنان إلى داخل إسرائيل، وكُشف بعضُها خلال عملية “درع الشمال” (2018 – 2019)، وكانت هذه أنفاقاً هجومية تهدف إلى التسلل واحتلال مناطق داخل إسرائيل، على غرار ما حدث في قطاع غزة.
وكان هذا هو الوضع عشية هجوم “حماس” المفاجئ في 7 تشرين الأول 2023. وعَقِبَ الهجوم، وعلى الأرجح بتوجيه من راعيته إيران، دخل “حزب الله” مواجهة محدودة في 8 تشرين الأول بهدف الحفاظ على قوته تحسباً لاحتمال قيام إسرائيل بضرب المنشآت النووية الإيرانية.
وبعد أشهر طويلة من الاحتواء، ومع تصاعد هجمات “حزب الله” على الأراضي الإسرائيلية وإجلاء سكان الشمال، انتقلت إسرائيل إلى الهجوم؛ فكانت المرحلة الأولى عملية تفجير أجهزة النداء (البيجر)، وتلاها اغتيال حسن نصر الله في أيلول 2024، إلى جانب تصفية القيادة العليا للحزب، بالتوازي مع عملية برية محدودة قرب الحدود هدفت إلى تدمير البنية التحتية التي أعدها الحزب للتوغل داخل إسرائيل، والسيطرة على مواقع استراتيجية، وتطهير المنطقة من مقاتليه.
ثم أوقف اتفاق وقف إطلاق النار في نهاية سنة 2024، والذي تحقق تحت ضغط إدارة جو بايدن، الزخم الإسرائيلي، وضعف “حزب الله” بصورة كبيرة، وتلقى ضربات قاسية، لكنه لم يُهزم بالكامل، فضلاً عن أنه لم يُدمَّر.
وبقي الجيش الإسرائيلي في خمسة مواقع متقدمة قرب الحدود، وواصل عمليات تهدف إلى منع إعادة بناء قدرات الحزب وعودة المقاتلين إلى القرى الحدودية، بينما استمر “حزب الله” في محاولة التعافي وإعادة التسلح على الرغم من ضعفه.
وجرى دخول “حزب الله” القتال ضمن عملية “زئير الأسد” (آذار 2026) بطريقة حذرة ومحسوبة ومدروسة.
واختار التنظيم، الذي كان قد تلقّى ضربات قاسية خلال الحرب، ألاّ يزجّ بكل قواته في المعركة دفعة واحدة، بل دخل بالتدريج، محاولاً الحفاظ على قدراته الاستراتيجية، وخصوصاً الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والقيادات العليا التي بقيت.
هذا الدخول، حتى وإن كان متحفظاً، شكّل نقطة تحوّل؛ إذ منح إسرائيل شرعية سياسية ودولية للعمل بقوة كاملة، دون قيود اتفاق وقف إطلاق النار في نهاية 2024.
وجاء رد الجيش الإسرائيلي فورياً وقوياً ومركزاً. وبعكس المراحل السابقة التي قيّدتها اعتبارات سياسية، فإن هذه المواجهة تُدار وفق مفهوم أمني محدّث نشأ بعد أحداث 7 تشرين الأول؛ “السلام عن طريق القوة”.
هذه الفرصة ليست تكتيكية فقط، بل أيضاً استراتيجية في جوهرها؛ فقد دخل “حزب الله” المعركة وهو ضعيف، بينما يمرّ داعمه إيران بأزمة وجودية، وهذا التلاقي بين ضعف محلي وإقليمي يُعَد فرصة نادرة ينبغي استغلالها بالكامل.
من المرجَّح أن إسرائيل قبل 7 تشرين الأول كانت ستكتفي بردّ محدود على إطلاق ثلاثة صواريخ لم تُحدث ضرراً، أمّا بعد هذا التاريخ، فقد تبنّت مبدأ المبادرة والإنفاذ؛ استهداف القدرات بدلاً من تحليل النيات، والسعي للحسم وتحقيق النصر.
تفكيك “حزب الله” يمر عبر الاقتصاد الإيراني
للحملة الحالية في لبنان هدف استراتيجي بعيد المدى، وهدفان عمليان؛ الهدف البعيد هو القضاء على “حزب الله” كتنظيم عسكري وإزالة التهديد عن إسرائيل، والطريق الأساسي لتحقيق ذلك يمر عبر إيران.
وهناك مساران رئيسان لإضعاف النظام الإيراني:
1- تغيير النظام من الداخل عبر الشعب الإيراني، بما يؤدي إلى وقف دعم “حزب الله” ووكلاء آخرين (وهو هدف صعب التحقيق).
2- إضعاف النظام عبر ضرب قدراته العسكرية والاقتصادية، وهو ما سيجبره على الانشغال بإعادة البناء ويقلل قدرته على دعم الحزب.
وفي حال ضعف النظام والاقتصاد بما يكفي، فقد يفتح ذلك المجال لاحقاً أمام تحركات داخلية.
وفي كل الأحوال فإن ضرب الاقتصاد الإيراني يُعَد عنصراً أساسياً لتقييد قدرة النظام على إعادة بناء “حزب الله”.
الأهداف العملياتية في لبنان
بالتوازي مع العمل ضد إيران، هناك هدفان عمليان داخل لبنان: الأول هو إنشاء منطقة عازلة أمنية تشمل المنطقة الواقعة بين الحدود الدولية ونهر الليطاني، مع توسيعها شرقاً لتشمل مناطق إضافية كمرتفعات علي الطاهر وقلعة الشقيف.
ولتحقيق ذلك، أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر بإجلاء السكان من المنطقة باعتبارها ساحة قتال، ويجب استكمال هذا الإجلاء بصورة منهجية عبر مزيج من الضغط العسكري والتحذيرات الإنسانية الدقيقة. وتشير التجربة في غزة إلى إمكانية إنشاء منطقة “نظيفة” من التهديدات.
في هذه المنطقة، لن يُسمح بعودة السكان طالما لا يزال “حزب الله” فاعلاً، وستتحول إلى منطقة “معقمة” أمنياً، وخالية من البنية التحتية المعادية.
وداخل هذا الحيز، سينشر الجيش الإسرائيلي مواقع عسكرية، وأنظمة تكنولوجية، وحواجز، إلى جانب عمليات تمشيط مستمرة، بهدف منع التسلل، وإزالة تهديد الصواريخ والأسلحة المضادة للدروع.
أمّا الهدف الثاني، فهو توسيع نطاق الضربات في عمق لبنان، بالتوازي مع إنشاء المنطقة العازلة، ويجب تنفيذ حملة عسكرية واسعة وممتدة تشمل كامل الأراضي اللبنانية، من بيروت إلى البقاع، وشمالاً حتى الحدود السورية.
والهدف ليس الاحتواء، إنما التدمير شبه الكامل لقدرات “حزب الله”.
وتشمل الأهداف: مخزون الصواريخ الدقيقة، والإنتاج والتجميع، ومخازن الأسلحة، ومراكز القيادة، والبنية التحتية الاقتصادية الداعمة، وشبكات اللوجستيات، ومنظومات الطائرات المسيّرة، ووسائل الاتصالات، والأنفاق الاستراتيجية. وبالإضافة إلى ذلك، فإنه يجب مواصلة عمليات الاغتيال الدقيقة ضد القيادات التي لا تزال على قيد الحياة. وستُنفَذ هذه العمليات عبر دمج سلاح الجو بالمدفعية، والقوات الخاصة، والحرب الإلكترونية، والعمليات السيبرانية، وبوتيرة عملياتية عالية.
نقل نموذج “الخط الأصفر” من غزة إلى الشمال
إن الهدفَين المذكورَين أعلاه ضروريان، لكنهما غير كافيَين بمفردهما.
فقط الجمع بين ثلاثة مستويات – إنشاء منطقة عازلة أمنية واسعة في لبنان، وتدمير قدرات التنظيم في جميع أنحاء البلد، وإلحاق ضرر شديد بإيران – يمكن أن يؤدي إلى النتيجة الاستراتيجية المطلوبة: القضاء على حزب الله كتنظيم عسكري، وإزالة التهديد من الجبهة الشمالية لإسرائيل على المدى الطويل، وإعادة الأمن إلى سكان الشمال.
إن إجلاء السكان من جنوب لبنان ومنطقة الضاحية في بيروت لأسباب أمنية أدى إلى نزوح نحو مليون مواطن شيعي من منازلهم. بعضهم، وخصوصاً سكان القرى الجنوبية، لم تعد لديهم منازل يعودون إليها، كما أن التنظيم يفتقر إلى الموارد لتعويضهم عن خسائرهم.
وقد أدى ذلك إلى تزايد التوتر، إذ يُظهر بعض السكان في لبنان مواقف عدائية تجاه النازحين الشيعة، ويرفضون أحياناً استضافتهم أو تأجيرهم منازل.
يمكن لإسرائيل – بل يجب عليها – استغلال هذه المعارضة كرافعة استراتيجية، عبر إضعاف “حزب الله” إلى درجة تشعر فيها الحكومة اللبنانية بأنها قادرة على اتخاذ خطوات حاسمة.
وعلى الرغم من أن احتمال حدوث ذلك منخفض، فمن المهم محاولة تحقيقه.
ينبغي المطالبة بنزع سلاح “حزب الله” بالكامل، وإزالة جميع بنيته التحتية العسكرية من جنوب لبنان، ونقل السيطرة الكاملة على المنطقة إلى القوات السيادية للدولة. بالتوازي، يجب توجيه رسائل مباشرة وغير مباشرة إلى الأطراف السياسية اللبنانية المعارضة لـ “حزب الله”، فحواها أن إسرائيل لن تتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، لكنها ستواصل العمل بقوة حتى إزالة التهديد من الشمال.
إن الاستفادة الذكية من هذا التوتر الداخلي، إلى جانب الضغط العسكري القوي والضغط الناتج من السكان النازحين، قد يحوّل “حزب الله” إلى جهة ترغب أغلبية اللبنانيين في التخلص منها، وهو ما يسهل إلى حد كبير عملية نزع سلاحه.
—————-انتهت النشرة—-

