المسار : تعيش مدن وبلدات الضفة الغربية المحتلة تداعيات اقتصادية حادة منذ قرار الاحتلال الإسرائيلي إلغاء تصاريح العمل لعشرات آلاف العمال الفلسطينيين عقب حرب الإبادة الجماعية في 7 أكتوبر 2023، ما أدى إلى فقدان مصادر الدخل الأساسية لمئات آلاف العائلات.
وفي بلدة بير نبالا شمال القدس المحتلة التي تحولت إلى منطقة شبه مهجورة بعد عزلها بجدار الفصل، تظهر آثار الأزمة بوضوح، حيث تراجعت الحركة التجارية واختفت مظاهر الحياة الاقتصادية التي كانت تعتمد بشكل رئيسي على العمالة المرتبطة بالداخل المحتل.
ويعتمد اقتصاد الضفة الغربية منذ عقود على عمل الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، عبر تصاريح تصدرها السلطات الإسرائيلية.
وقد بلغ عدد هؤلاء العمال نحو 150 ألف عامل بشكل قانوني، إضافة إلى نحو 50 ألفاً كانوا يعملون دون تصاريح، ليصل الإجمالي إلى حوالي 200 ألف عامل.
وأدى إلغاء هذه التصاريح بشكل مفاجئ إلى توقف تدفق الأموال إلى السوق المحلية، ما تسبب في أزمة اقتصادية واسعة النطاق لا تزال تتفاقم حتى اليوم.
مخاطر تسلل بفعل الحاجة الاقتصادية
في بير نبالا، يعمل محمد، وهو عامل فقد وظيفته داخل القدس بعد سنوات من العمل، في ورشة لإعادة تدوير المعادن، حيث تراجعت دخوله اليومية بشكل كبير مقارنة بما كان يتقاضاه سابقاً. ويقول إن العمل الحالي، رغم محدوديته، يبقى أفضل من المخاطرة بمحاولات التسلل للعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
وتزايدت محاولات العمال لعبور الجدار بطرق غير قانونية بحثاً عن العمل، لكن الإجراءات الأمنية المشددة وحملات الاعتقال وإطلاق النار أدت إلى تراجع هذه الظاهرة، رغم استمرارها بدافع الحاجة الاقتصادية.
وأظهرت مقاطع مصورة حديثة عشرات العمال الفلسطينيين وهم يُهرّبون داخل شاحنات، في محاولة للوصول إلى أماكن العمل، قبل أن يتم اعتقالهم، في مشهد يعكس مستوى الضغوط الاقتصادية التي يعيشها السكان.
وفي بلدة كفر عقب، التي تقع ضمن حدود بلدية القدس لكنها خارج نطاق الخدمات الفعلية، يعمل سالم، وهو عامل سابق في قطاع البناء في بيع الذرة لتأمين احتياجات أسرته، بعد أن فقد مصدر دخله الرئيسي.
وكان سالم يتقاضى نحو 600 شيكل يومياً، لكنه اليوم بالكاد يحصل على 150 شيكلاً، في ظل تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة.
وترافقت الأزمة مع ارتفاع ملحوظ في أسعار المواد الغذائية، حيث سجلت أسعار الخضروات والفواكه واللحوم زيادات متفاوتة خلال عام 2026، ما زاد من الضغط على الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
واضطر سالم إلى تقليص إنفاقه بشكل كبير، حيث انخفضت نفقات أسرته بنسبة تصل إلى 80%، مع تراجع القدرة على شراء المواد الأساسية، والاعتماد على الحد الأدنى من الغذاء.
تدهور الأوضاع المالية
وتراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي، التي كانت تشكل شبكة دعم تقليدية في أوقات الأزمات، نتيجة تدهور الأوضاع المالية لمعظم السكان، وعدم قدرتهم على المشاركة في أنظمة الادخار الجماعي.
وتشير هذه التطورات إلى تحول الأزمة من حالة بطالة مؤقتة إلى واقع اقتصادي طويل الأمد، مع استمرار القيود على العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وغياب بدائل محلية قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من العمال.
وفي مناطق مختلفة من الضفة الغربية، تعكس المشاهد اليومية تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر، في ظل اعتماد واسع على المساعدات أو الأعمال غير المستقرة.
وتُظهر المعطيات أن إلغاء تصاريح العمل لم يقتصر تأثيره على الأفراد، بل امتد ليشمل بنية الاقتصاد المحلي، حيث أدى إلى تراجع الاستهلاك، وانخفاض حركة الأسواق، وزيادة معدلات الديون بين الأسر.
وتتواصل الأزمة دون مؤشرات واضحة على انفراج قريب، مع استمرار القيود المفروضة على العمال، وتزايد الضغوط المعيشية، ما يضع شريحة واسعة من السكان أمام تحديات يومية تتعلق بتأمين الاحتياجات الأساسية.

