المسار : نعود في هذا الحوار إلى حيفا عام 1948، لحظة سقوطها وما حملته من تحولات حاسمة في مسار النكبة الفلسطينية. ويقدّم د. جوني منصور قراءة تاريخية تكشف أبعاد ما جرى وانعكاساته المستمرة على الأرض والهوية.
صادف يوم الأربعاء الفائت، 22 نيسان/ أبريل 2026، الذكرى الـ78 لسقوط حيفا، حيث تزامنت هذه الذكرى هذا العام مع ذكرى إعلان قيام إسرائيل ونكبة شعبنا وفق التقويم العبري. وكانت حيفا ثاني مدينة فلسطينية تسقط بعد طبرية التي سقطت قبل ذلك ببضعة أيام.
وعلى الرغم من أن المدينتين وقعتا ضمن الدولة اليهودية وفق قرار التقسيم، فإن وضع حيفا كان مختلفًا، إذ كانت تُشكّل الميناء الرئيسي في فلسطين، والمدينة المقرر أن تتجمع فيها القوات البريطانية المنسحبة بعد انتهاء الانتداب لتغادر بحرًا إلى بريطانيا. ناهيك عن أن الحكومة البريطانية كانت قد أعلنت مرارًا أن الجلاء العسكري عن فلسطين لن يتم قبل 15 أيار/ مايو 1948 لأسباب لوجستية، وأن جزءًا من قواتها سيبقى في حيفا وجوارها حتى الأول من آب/ أغسطس 1948. كما كانت قد أخبرت الحكومات العربية، في سياق شرحها لخطط الانسحاب، أن حركة الانسحاب ستكون من “الجنوب إلى الشمال” عبر حيفا.

في 18 نيسان/ أبريل 1948 (وهو اليوم الذي سقطت فيه طبرية، وقام الجيش البريطاني بإجلاء سكانها العرب)، استدعى الجنرال هيوت ستوكويل، القائد البريطاني في القطاع الشمالي، إلى مقر قيادته هاري بيلين، ضابط الارتباط في الوكالة اليهودية مع الجيش البريطاني في المدينة، وأعلمه أنه ينوي الشروع فورًا في سحب قواته من المناطق الفاصلة بين الأحياء العربية والأحياء اليهودية في حيفا، وأن الانسحاب سيُستكمل يوم الثلاثاء 20 نيسان/ أبريل 1948. ويُروى أن ستوكويل توجّه إلى خريطة كبيرة لمدينة حيفا معلّقة على الجدار، وسأل بيلين عمّا إذا كانت “الهاغاناه” تستطيع احتلال الأحياء العربية.
حول سقوط حيفا والتواطؤ البريطاني في تمكين العصابات الصهيونية من احتلالها وتهجير أهلها، وسائر القرى والمدن الفلسطينية، ومحورية الأرض في الصراع التاريخي مع الحركة الصهيونية، الذي امتد إلى ما بعد إقامة دولتها على أرض فلسطين، أجرى “عرب 48” هذا الحوار مع المؤرخ جوني منصور، الذي تناول تاريخ حيفا في العديد من الأبحاث والدراسات، وصدر له مؤخرًا كتاب “يوم الأرض – المسيرة التاريخية للدفاع عن الأراضي الفلسطينية”.

“عرب 48”: دعنا نبدأ من حيفا التي صادفت هذا الأسبوع الذكرى الـ78 لسقوطها. ما أسباب هذا السقوط السريع والمبكر الذي سبق انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين بنحو شهر؟
منصور: الشيء الغريب في قضية حيفا أنها سقطت خلال ليلة واحدة، بين 21 و22 نيسان من عام 1948، وإن كان ذلك قد سبقه تجهيز وإعداد عسكري وسياسي محكم من قبل العصابات الصهيونية، إضافة إلى عدة عوامل أخرى ساهمت في هذا السقوط. من بينها التوزيع الديمغرافي والتضاريس الجغرافية للمدينة؛ إذ كان الانتشار السكاني الفلسطيني يمتد على طول ساحل حيفا من الجهات الشرقية والغربية والجنوبية، في حين تمركز الاستيطان الصهيوني على قمم جبل الكرمل ومرتفعاته، ابتداءً من “الهدار” وصولًا إلى “الهدار الأعلى”، وحتى “روميما” و”حوريف” ومركز الكرمل والكرمل الفرنسي.

هذه التوزيعة الجغرافية منحت المنظمات الصهيونية تفوقًا إستراتيجيًا على الأحياء الفلسطينية، وقد تكون من العوامل المركزية في بلورة الخطة العسكرية التي تمثلت في انقضاض هذه المنظمات على مدينة حيفا على شكل “مقص”، والقبض على أنفاس المدينة، ابتداءً من حي وادي النسناس غربًا وصولًا إلى حي الحليصة شرقًا، وما بينهما في البلدة التحتا.
العامل الثاني هو أن المنظمات الصهيونية، وعلى رأسها “الهاغاناه”، كانت تمتلك أكثر من 5000 عنصر مدربين ومسلحين جيدًا في حيفا والمنطقة، إضافة إلى امتلاكها كميات من الذخيرة منحتها نفسًا طويلًا في القتال، بينما لم يتجاوز عدد المقاومين الفلسطينيين والعرب 300 – 350 مقاتلًا، لا يمتلكون من السلاح والذخيرة ما يضاهي نظراءهم في الطرف الآخر. كما امتلكت “الهاغاناه” و”الإيتسل” كميات كبيرة من السلاح في حيفا وفي مستوطنة “الياغور”، حيث وُجدت مصانع لإنتاج الأسلحة. إضافة إلى ذلك، كانت المستوطنات الواقعة على الساحل الممتد بين حيفا وطيرة الكرمل وما بعدها مسلحة، وكانت تزود المنظمات الصهيونية في حيفا بالسلاح والذخيرة.
أما العامل الثالث، فهو أن البريطانيين الذين وعدوا بتوفير الحماية لحيفا حتى خروج آخر جندي من البلاد، نكثوا بوعدهم، الأمر الذي اعتُبر خيانة من قبلهم، وهو ليس بالأمر الغريب على الإنجليز. إذ قام القائد الإنجليزي ستوكويل بجمع القيادة العربية قبل يوم واحد من انسحاب قواته، وأخبرها بقرار الانسحاب دون أية تفاصيل إضافية.

كما قامت القوات البريطانية المنسحبة بنقل العديد من القواعد العسكرية ومستودعات ومخازن الأسلحة الواقعة على جبل الكرمل إلى المنظمات الصهيونية، الأمر الذي أتاح لها تسديد ضربات من اتجاهين: الأول من “الهدار” باتجاه حي وادي النسناس، والثاني من “الهدار الأعلى” والكرمل باتجاه الحليصة، وبالتالي الإطباق على خناق المدينة من الجهتين، بما يشبه “المقص”، ومن ثم تنفيذ عملية الطرد باتجاه الميناء، ثم نحو الجهة الشرقية، ولاحقًا القيام بتمشيط الميناء عسكريًا.
“عرب 48”: وكما تُخبرنا المصادر التاريخية، فإن السفن كانت جاهزة هناك لتنفيذ التهجير؟
منصور: نعم، جرت عمليات التمشيط في نطاق عملية عُرفت باللغة العبرية باسم “بيعور حميتس”، أي “تطهير الفصح”، وهو دليل واضح على استخدام المصطلحات التوراتية وتوظيفها في خدمة المشروع الاستعماري. في المقابل، كانت هناك سفن جاهزة، كما ذكرت. وهذا سؤال لا نملك له جوابًا حتى اليوم كمؤرخين؛ فرغم التفتيش والتمحيص في الأرشيفات، لم نتوصل إلى إجابة قاطعة حول هوية من أحضر هذه السفن التي نقلت سكان حيفا المطرودين منها، ومن تكفّل بتكاليفها. لكن الثابت أن هذه السفن غادرت نحو عكا، وعندما وجدت الميناء مزدحمًا هناك، واصلت طريقها بحرًا إلى ميناء صور، ومنه إلى مرفأ بيروت.
“عرب 48”: هناك اعتقاد سائد بأن القيادة العربية تواطأت مع الحركة الصهيونية في عملية التهجير التي جرت عن طريق البحر؟
منصور: لن أفاجئك إذا قلت إن الجيش العربي، الذي كان متمركزًا في الحي الشرقي من المدينة، على أبواب الحليصة، بانتظار تلقي الأوامر لتقديم المساعدة للمقاومين الفلسطينيين داخل حيفا، قد تلقى أوامر عشية 22 نيسان بالانسحاب باتجاه مواقع أخرى قريبة من جنين. وهكذا أُخليت الساحة لاستيلاء المنظمات الصهيونية على حيفا، بدعم بريطاني وتواطؤ عربي.

“عرب 48”: كان من المفترض أن تقع حيفا ضمن الدولة اليهودية حسب قرار التقسيم؟
منصور: جزء منها كان ضمن الدولة اليهودية، لكنها كانت مدينة مفتوحة لأنها مشتركة؛ هكذا كانت التفاهمات اليهودية – العربية حول هذا الموضوع، بغض النظر عن الجهة التي ستؤول إليها المدينة. لكن في المحصلة، فإن عملية الطرد هدفت إلى إخلاء المدينة من سكانها الفلسطينيين، وإحلال المستوطنين مكانهم، حيث جرى جلبهم مباشرة وإسكانهم في البيوت التي أُفرغت من أصحابها الشرعيين.
وقد استوطن هؤلاء في البيوت العربية التي أُخليت من أهلها في الحليصة، ووادي الصليب، ووادي النسناس، وغيرها من الأحياء العربية. ولم يبقَ من نحو 75 ألف فلسطيني كانوا يسكنون حيفا سوى 2900 إنسان، جرى تجميعهم في حي وادي النسناس، وأُحيط المكان بأسلاك شائكة، وفُرض عليهم عدم الخروج إلا بتصريح من الحاكم العسكري.
“عرب 48”: ما أصاب حيفا أصاب غالبية المدن الفلسطينية الأخرى؛ عكا، يافا، اللد، الرملة، عسقلان، بئر السبع، طبرية، بيسان، وصفد وغيرها، التي إما أُخليت من سكانها تمامًا، وإما بقي فيها بضعة آلاف جرى تجميعهم في ما سُمّي بـ”غيتوات”، على غرار ما حدث في وادي النسناس. هذا إضافة إلى تهجير الغالبية العظمى من القرى الفلسطينية أيضًا، ليجري تحويل الفلسطينيين، الذين كانوا أصحاب البلاد، إلى أقلية مهزومة ومهمشة خضعت لنير الحكم العسكري حتى عام 1966. وهي مرحلة كانت ضرورية لإتمام فرض السيطرة الصهيونية على البلاد ومواردها الطبيعية، وخاصة أراضي وأملاك اللاجئين الذين هُجّروا من ديارهم ومُنعوا من العودة لتحقيق هذه الغاية.
لكن حتى بعد انتهاء فترة الحكم العسكري، ظلّت الأرض محور الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل؛ إذ واصلت سلطاتها ملاحقة من تبقى منهم على ما بقي لهم من أراضٍ، واستمرت حملات المصادرة بذريعة “المنفعة العامة” وتبريرات أخرى مختلفة. وهذا ما تناولَه كتابك الأخير “يوم الأرض – المسيرة التاريخية للدفاع عن الأراضي الفلسطينية”، وهو صراع يتواصل حتى اليوم في مختلف تجمعات الشعب الفلسطيني الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية؟
منصور: بعد نكبة 1948، جرى تهجير الغالبية الفلسطينية من المساحة التي قامت عليها إسرائيل، وبقينا أقلية صغيرة ومهمشة كما ذكرت. إلا أن الصراع على الأرض لم ينتهِ بإعلان النصر وإقامة الدولة اليهودية؛ إذ لم تكتفِ هذه الدولة بالسيطرة على أراضي مهجّري الخارج والداخل، الذين مُنعوا من العودة إلى قراهم الواقعة على مرمى حجر من أماكن لجوئهم، بل قامت أيضًا بتشريع قوانين خاصة لتحقيق هذا الهدف. من أبرزها ما يُعرف بقانون “أملاك الغائبين”، وقانون “الحاضر الغائب” الذي مكّنها من الاستيلاء على أراضي مهجّري الداخل، إضافة إلى قوانين المصادرة لأغراض “المنفعة العامة” وغيرها.

كما استُخدمت قوانين الطوارئ الانتدابية، وفُرض الحكم العسكري على ما تبقى من الفلسطينيين، لتسهيل عملية الاستيلاء ومنع المهجّرين، في الداخل والخارج، من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.
غير أن الأهم هو أن إسرائيل اعتبرت نفسها وريثة للانتداب، ولذلك فإن جميع الأراضي العامة، المسماة “أراضي المشاع”، التي كانت خاضعة لسلطة الانتداب وتشكل الجزء الأكبر من أراضي فلسطين، نُقلت بشكل مباشر إلى ملكية دولة إسرائيل.
“عرب 48”: المرحلة الثانية كانت الانقضاض على ما تبقّى من أراضي الفلسطينيين المتبقين في الوطن، وخاصة في الجليل، بهدف تقليص مساحة وجودهم؟
منصور: هذه المرحلة بدأت في أواخر فترة الحكم العسكري عام 1966، ثم تصاعدت هذه الهجمة في أواخر السبعينيات ومنتصف الثمانينيات، مع الكشف عن المخطط الحكومي لمصادرة 20 ألف دونم من أراضي سخنين وعرابة ودير حنا والشاغور. وكانت إحدى أبرز علاماتها مصادرة أراضي “المل” في سخنين، والمعروفة بـ”منطقة 9″، عبر إعلانها منطقة عسكرية مغلقة، وهو ما شكّل الشرارة التي أطلقت أحداث يوم الأرض عام 1976.
وجاءت هذه المصادرات ضمن مخطط سُمّي “تطوير الجليل”، والذي كان في حقيقته مخططًا لـ”تهويد الجليل”. وقد جاءت لاحقًا وثيقة “كينغ”، التي بدأت أخبارها تتسرّب قبل يوم الأرض، وكُشف عنها لاحقًا، لتؤكد أن الهدف هو تهويد الحيّز الجغرافي المتبقي ذي الأغلبية العربية، من خلال مصادرة الأرض وإخضاع السكان للسيطرة الإسرائيلية في مختلف مجالات الحياة.

لهذه الأسباب، بادر الفلسطينيون في الداخل لأول مرة إلى التخطيط لإعلان الإضراب، وتحدّوا كل محاولات السلطة وأذرعها لإفشال هذا القرار التاريخي، ومنها اجتماع شفاعمرو، الذي جرى فيه حشد غالبية رؤساء المجالس المحلية لإحباط قرار الإضراب الذي اتخذته لجنة الدفاع عن الأراضي. ويُسجَّل في هذا السياق موقف توفيق زياد حين قال: “الشعب قرر الإضراب”.
وبالفعل، نُفّذ الإضراب في اليوم الذي عُرف لاحقًا بـ”يوم الأرض”، في 30 آذار/ مارس 1976، وشكّل صرخة تحدٍّ لم تكن فقط في وجه أدوات السلطة، بل أيضًا في وجه الدبابات التي حاصرت عرابة وسخنين والناصرة وكفر كنا وأم الفحم، مؤكّدًا تمسّك هذه الجماهير بهويتها وأرضها الفلسطينية، التي رُويت بدماء شهداء يوم الأرض في سخنين، وعرابة، وكفر كنا والطيبة.
المصدر …عرب ٤٨

