المسار : في مشهد يتكرر بصمت، يجد مئات—وربما آلاف— من الغزيين في الخارج أنفسهم عالقين في “منطقة رمادية” قانونياً، بعد احتجاز جوازات سفرهم أو تأخر تسليمها وتجديدها، ما يحوّل وثيقة السفر من حق أساسي إلى أزمة يومية مفتوحة.
ويقول متضررون إنّ فقدان جواز السفر لا يعني فقط تعطل السفر، بل يضعهم في مواجهة مباشرة مع قوانين الإقامة في الدول المضيفة. فبدون وثيقة سارية، تتعطل إجراءات الإقامة والتجديد، ويتعذر توقيع عقود عمل رسمية، ويصبح خطر الترحيل قائماً في أي لحظة.
وتقول المواطنة رحاب محمود، إحدى العالقات في جمهورية مصر العربية، إنّ “السفارة الفلسطينية طالبتني بتسليم جواز السفر لإجراء تجديده، لكنني حتى الآن لم أحصل عليه، ولم ألقَ سوى التسويف والمماطلة وعدم الاستجابة لمطالبنا بإرجاع الجواز”.
وتضيف في حديثها لـ”قدس برس”: “هذا الإجراء الذي تنتهجه السفارة بحق الغزيين يؤخر عودة بعضهم إلى القطاع، ويضع الباقين تحت طائلة المساءلة القانونية”.
وتصف رحاب احتجاز جوازات السفر بأنه “إجراء تعسفي” بحقهم كمغتربين بعيدين عن أهلهم، موضحة أن ذلك يمثل أداة لتقييد حركتهم وحرمان المرضى من الحصول على العلاج اللازم.
وتردف: “عندما نتوجه إلى السفارة الفلسطينية في القاهرة للسؤال عن مصير الجوازات، يكون الرد: لا نعرف، فالقرار ليس لدينا بل في رام الله”.
من جانبه، يؤكد المواطن طارق زياد أن هذه الحالة لم تعد فردية، بل طالت مئات الغزيين في مصر، بالحجة ذاتها: تجديد الجواز أو الإقامة.
ويقول طارق لـ”قدس برس”: “بعد قرابة عام من مكوثي في القاهرة، طلبت السفارة تسليم جوازي وجواز زوجتي دون توضيح الأسباب. ظننت في البداية أن الأمر يخصني وحدي، لكنني اكتشفت لاحقاً أن ما حدث طال العديد من الغزيين هنا”.
ويضيف: “راجعت السفارة مرات عدة للاستفسار عن الجواز، لكنني لم أتلقَّ سوى التسويف والمماطلة، حتى اتضح لي أنهم يتهربون من الإجابة بإلقاء المسؤولية على جهات في رام الله”.
ويتابع: “هذا الإجراء حرم مرضى من السفر لاستكمال علاجهم في دول أوروبية، وطلبة من إكمال تعليمهم”، مضيفاً: “نحن هنا نخوض معركة من نوع مختلف للحصول على حقوقنا التي سُلبت منا”.
ويشدد على أن “الأزمة مستمرة، ولا توجد أي مؤشرات على حلها، وكأن هناك تعمداً لإذلال الناس بدلاً من دعمهم وتسهيل أمورهم كما يفترض”.
آلاف المتضررين
وفي السياق ذاته، شدد الدبلوماسي السابق عدلي صادق على أن أزمة احتجاز جوازات السفر للمواطنين من غزة في الخارج تتفاقم بشكل مستمر، متسببة في معاناة إنسانية وأزمات قانونية في ظل متطلبات الإقامة والتنقل في الدول المضيفة.
وأكد صادق، في منشور على منصة “فيسبوك”، أن عدد المتضررين تجاوز خمسة آلاف شخص.
واعتبر احتجاز السفارات الفلسطينية لجوازات الغزيين “وجهاً قاسياً من الإيذاء”، مشيراً إلى أن الحصار يلاحق المواطنين حتى خارج الوطن.
وأضاف أن استمرار هذا النهج يسيء إلى صورة السلطة ويقوض مشروعيتها، متسائلاً عن الجهة التي تملك حق حرمان المواطن من حقه الدستوري في امتلاك جواز سفر.
وانتقد القائمين على هذه الإجراءات، معتبراً أنهم يفتقرون إلى فهم فلسفة العمل الوطني، ويتبنون نهجاً إقصائياً، مؤكداً أن كرامة المواطن يجب أن تبقى فوق أي اعتبارات إدارية أو أمنية.
انتهاك قانوني واضح
بدوره، أكد رئيس الهيئة الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني “حشد”، صلاح عبد العاطي، أن احتجاز جوازات السفر أو الامتناع عن تسليمها للمواطنين من قبل وزارة الداخلية أو السفارات، خارج إطار القانون وبدون قرار قضائي، يُعد انتهاكاً واضحاً للحق في حرية الحركة والتنقل، المكفول بموجب القانون الأساسي الفلسطيني، وكذلك بموجب قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، وعلى رأسها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وقال عبد العاطي لـ”قدس برس” إن هذا الإجراء يندرج ضمن إساءة استعمال السلطة، ويثير مخاوف جدية بشأن تقييد الحقوق المدنية الأساسية على أسس غير قانونية أو غير شفافة، خاصة في ظل الأوضاع الاستثنائية التي يعيشها أبناء قطاع غزة في الخارج، وحاجتهم الملحّة لوثائقهم الرسمية لضمان إقامتهم وتنقلهم وتلقي الخدمات الأساسية.
وأضاف أن جواز السفر “حق شخصي لصيق بالمواطن، وليس أداة إدارية قابلة للحجز أو التعطيل خارج الأطر القانونية”.
وشدد على أن أي إجراء يتعلق بسحب الجواز أو حجزه يجب أن يكون معللاً، ومحدوداً، وخاضعاً لرقابة قضائية فعالة، محذراً من أن حرمان المواطنين من جوازاتهم يعرضهم لخطر فقدان وضعهم القانوني أو التعرض للمساءلة أو الترحيل.
وطالب عبد العاطي الجهات الرسمية في السلطة الفلسطينية بفتح تحقيق إداري مستقل في جميع الشكاوى المتعلقة بمنع إصدار جوازات السفر أو احتجازها، وضمان احترام الحقوق الدستورية للمواطنين، والإفراج الفوري عن جميع الجوازات المحتجزة دون سند قانوني.
المصدر … قدس برس

