في ظل تصاعد السياسات الإقصائية، يُدفع العرب في إسرائيل نحو واقع جديد تتقلّص فيه الحقوق وتتقدّم فيه المقاربة الأمنية.
ما الذي ينتظرنا كعرب فلسطينيين في إسرائيل؟
هذا التساؤل بات يتردّد طرديًا مع تغوّل النظام العنصري المتطرّف، وتعامله المتفاقم مع الوجود العربي في إسرائيل كمشكلة أمنية؛ إذ يفكّر ويخطّط ويجتهد في كيفية إدارة الأزمة إلى أن تتاح له الفرصة التاريخية لحلٍّ جذري يطابق أحلامه الإلغائية.
رغم الإنجازات المعتبرة على مستوى التعليم، وارتفاع نسبة حملة الشهادات العليا، ونسبة الطلاب العرب في الجامعات، وخصوصًا في القطاع الطبي ثم الهايتك، إلا أن هذه الإنجازات تبدو وكأنها تجري في معزل عن واقع مركّب يزداد تأزّمًا عامًا بعد عام.
السلطة تضيّق أكثر فأكثر، وباتت ترصد كل كلمة يتفوّه بها شاب عربي أو ينشرها، حتى باتت التّهم الأمنية تُوجَّه للشبان بالجملة. ويرافق ذلك تضخيمٌ إعلامي تحريضي، ووصفُ منشورٍ سياسي عادي بأنه قضية أمنية خطيرة؛ مرة بشبهة التحريض على الإرهاب، ومرة بشبهة التحريض “غير المباشر” على الإرهاب. وهذا تجديد في التعامل مع جماهيرنا، إذ يمكن تفصيل هذه التهمة لأي مواطن يعبّر عن رأيه بما لا يتفق مع التيار المتطرف السائد.
هذا التضخيم الممنهج في الاتجاه الأمني، ووصف العرب بالطابور الخامس، بل وحتى اعتبارهم جبهة من جبهات القتال، ووضع سيناريوهات تصفهم بجبهة قتال أخرى، يرافقه ترسيخ فكرة أن “كل أرض إسرائيل” هي لليهود.
هذه مؤشرات إلى ما تخطّط له هذه السلطات وتفكّر فيه وتُعدّ له، وتضعه في أدراجها حتى تسنح الفرصة لتنفيذه.
على خلفية هذا التوجّه، تجري تغذية العنف الداخلي الذي ينهش المجتمع العربي، بحيث أصبح كأنه جبهة حرب، ويُنقل الخبر في وسائل الإعلام يوميًا كأنه تقرير من جبهة القتال عن ضحية أخرى.
هذه الجرائم في تفاقم مستمر، مما يؤكد تواطؤ السلطة مع مرتكبيها ومن يقفون خلفها. خلال الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، ارتفعت نسبة جرائم القتل بـ18% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
بعدها تأتي القضايا الاقتصادية والفجوات القائمة بين اليهود والعرب، وهي في اتساع مستمر، وسوف تزداد هذه الهوّة بحجة عدم تقديم العرب للخدمة الوطنية. العائق القانوني الوحيد حتى الآن هو الحريديون الذين لا يخدمون.
نحن نعيش حالة استنزاف يومية، تُعاد فيها صياغة الأولويات، من مطالب بحقوق جماعية وطموحات مدنية وقومية متقدمة، إلى حالة قلق على الأمان الشخصي من داخل مجتمعنا نفسه.
حين يصبح الأمان الشخصي هو السقف الأعلى، لا يعود السؤال: ما الذي نريده على الصعيد السياسي؟ بل: كيف نمرّ هذا الأسبوع بخسائر أقل؟
إلى جانب الإنجازات في حقل التعليم، هناك مبادرات اقتصادية شخصية وخطط تطوير محلية، غير أن التعليم والاقتصاد، على أهميتهما القصوى، لا يحلّان المعضلة السياسية. المال يمكنه أن يحسّن ظروف اليوم، لكنه لا يقرّر الاتجاه الرئيس والأشد خطرًا الذي نُدفع إليه.
هذا يعني أن ما يجري هو إدارة معيشية على المدى القصير، دون حلٍّ جذري للمشكلة الأساسية، وهي السياسة الكبرى والعامة التي تُضمَر فيها قضية وجودنا كله في وطننا. ويتجلّى ذلك في خنق بلداننا، ومنع توسّعها، وإطلاق يد الجريمة فيها، وتوجيه التهم الأمنية بسهولة، وتحويلنا إلى جبهة قتال لأهداف مظلمة
عندما يكون المجتمع بهذه الحالة من الارتباك وقلة الحيلة، لا يمكنه الحديث عن تأثير سياسي فعّال. حتى إن أحزاب السلطة، أو التي تسعى للوصول إليها، صارت تتحدث عن وعود للعرب بمحاربة العنف؛ أي إنقاذ المجتمع العربي من نفسه، وتهميش كل قضايانا المدنية والسياسية، وحصرها في حل قضية العنف.
في هذا الوضع المتدهور، يبرز سؤال التمثيل العربي ووزن الصوت العربي: هل بالإمكان تحويل الصوت العربي إلى قوة تُحترم ولها وزنها، ويؤخذ موقفها بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات؟ أم سيقتصر وزن الصوت العربي على إضافة هنا وأخرى هناك في ميزانيات التطوير، أو العكس، تخفيضها هنا أو هناك؟ أي بقاء هذا الوزن خارج التأثير في القضايا المصيرية؟
هل يمكن تحويل سياستنا ومواقفنا من ردود أفعال على قضايا بلدية في الأساس، إلى مشروع شامل وكبير وجذري، لا يستثني السياسة، بل يضعها في المركز؟ إذ لا يمكن فصل الواقع عن السياسة إلا بهدف تحقيق أهداف سياسية خطيرة.
حين يملك المجتمع تمثيلًا متماسكًا، يتحوّل من موضعٍ للتجارب والتجارة السياسية إلى شريك في صنع مصيره، لا إلى مُستقبِلٍ مستسلِم للسياسة الكبيرة التي تخطّط له وتفرض عليه.
المصدر: عرب 48

