في هذا الحوار يناقش الباحث جمال برغوث أهمية مرج ابن عامر ودوره في المشروع الاستيطاني الصهيوني. كما يتناول العوامل التاريخية والسياسية التي مهّدت لصفقات الأراضي في العهدين العثماني والانتداب البريطاني.
المسار: يُعدّ مرج ابن عامر، وفقًا للموسوعة الفلسطينية، أعظم سهل داخلي في فلسطين من حيث المساحة والقيمة الاقتصادية؛ إذ تُقدَّر مساحته بنحو 2360 كم²، وتكاد تكون جميع أرجائه مستغلة في زراعة مختلف المحاصيل، ولا سيما الحبوب، نظرًا لخصوبة تربته التي تصلح للزراعة المروية والبعلية على حدّ سواء.
ويقع المرج بين وحدتين جبليتين رئيستين في فلسطين، هما جبال الجليل الأدنى في الشمال، وجبال نابلس والكرمل في الجنوب والجنوب الغربي. ومن أهم الكتل الجبلية المشرفة عليه من الشمال جبال الناصرة، التي ترتفع وسطياً نحو 400 م عن أرض السهل، التي يبلغ متوسط ارتفاعها نحو 50 م فوق سطح البحر.
أما في الجهة الشرقية، حيث يتصل السهل بوادي نهر جالود التابع لغور الأردن، فتظهر ثلاث كتل جبلية منفصلة: أولها جبل الطور (طابور) في الشمال، تليه كتلة جبل الدحي شرق بلدة العفولة، ثم كتلة جبل فقوعة. ويُحاط السهل من الجنوب والجنوب الغربي بجبال نابلس وجنين وتلة أم الفحم وجبل الكرمل، ما يفصله عن السهل الساحلي الفلسطيني ووسط فلسطين.
وقد شكّل مرج ابن عامر، بحكم موقعه وتضاريسه، نقطة التقاء لعدد من الطرق التي تصل بين السهل الساحلي (ومن ثم إلى مصر)، ومنطقة بحيرة طبرية (ومنها إلى دمشق)، وسهل عكا (ومن ثم إلى جبل عامل في لبنان)، وشمال الأردن. وقد استُخدمت هذه الطرق عبر العصور التاريخية المختلفة، مع تطور وسائل النقل، من الوسائل البدائية وصولًا إلى الطرق الحديثة والسكك الحديدية. فعندما مُدّ فرع سكة حديد الحجاز من درعا إلى حيفا، مرّ عبر مرج ابن عامر من بيسان إلى العفولة ثم إلى حيفا، كما مُدّ خط آخر من العفولة إلى جنين، فعرابة، فسيلة الظهر، فطولكرم ونابلس. كذلك يمر عبره خط أنابيب شركة نفط العراق، المتوقف منذ عام 1948.
كما شكّل مرج ابن عامر ممرًا إلى السهل الساحلي الفلسطيني، وكان موضع اهتمام القادة العسكريين الذين انطلقوا من مصر لاحتلال فلسطين وسورية، وكذلك القادمين من سورية نحو مصر.
الباحث جمال برغوث، المهتم بدراسة مرحلة ما قبل النكبة وأركيولوجيا النكبة، قدّم خلال مداخلة في ندوة نظّمتها جمعية الدفاع عن حقوق المهجّرين عرضًا تاريخيًا، تطرّق فيه إلى التحولات البيروقراطية التي طرأت على النظام العثماني، بما في ذلك قانون الأراضي، وكيفية استغلال الحركة الصهيونية لهذه التغيرات لتمرير صفقة شراء أراضي مرج ابن عامر، التي تواصلت خلال فترة الانتداب البريطاني، وأسفرت عن تهجير بعض قرى المرج قبل عام 1948.
ولإلقاء مزيد من الضوء على الموضوع، أجرى “عرب 48” هذا الحوار مع الباحث جمال برغوث.
“عرب 48”: عادةً ما نتفاخر كفلسطينيين بأن الحركة الصهيونية لم تتمكن قبل نكبة 1948 من امتلاك سوى 4 – 5% من أرض فلسطين، وأن صفقات البيع جرت من قبل عائلات إقطاعية غير فلسطينية أصلًا، ويُذكر في هذا السياق تحديدًا بيع أراضي مرج ابن عامر. لكننا نغفل أنها، رغم هذه النسبة، تمكنت من بناء القاعدة الأساسية لمشروعها الاستيطاني، الذي تحوّل إلى دولة عام 1948؟
برغوث: صحيح أن الحركة الصهيونية لم تتمكن حتى عام 1948 من تملّك سوى نحو 5% من أرض فلسطين، لكن يجب التأكيد أن توزيع عمليات الشراء والتملك لم يكن عشوائيًا، بل جرى وفق مخطط مدروس هدف إلى الانتشار والسيطرة على مناطق محددة تخدم المشروع الاستيطاني، وتُسهم في بناء القاعدة الأساسية للدولة المنتظرة.
في هذا السياق، جاء اهتمامها بمرج ابن عامر بحكم موقعه، الذي شكّل تاريخيًا نقطة اتصال جيوسياسية بين الساحل الفلسطيني والساحل المصري؛ إذ مثّل الممر المؤدي إلى مصر، وعبر طريق وادي عارة نحو حوران ودمشق وصولًا إلى العراق. وكانت السيطرة على مرج ابن عامر تعني عمليًا التحكم في طرق المواصلات التاريخية المؤدية إلى دمشق، بسبب وعورة تضاريس الساحل الشمالي لفلسطين، الذي يربط حيفا بعكا وصولًا إلى لبنان وسورية. لذلك، كانت الجيوش الغازية أو الفاتحة تسلك طريق وادي عارة عبر المرج للوصول إلى دمشق، وربما يفسّر ذلك التوسع الكبير الذي شهدته منطقة حيفا خلال الفترة البريطانية مع تطور وسائل النقل.
هذا الموقع جعل مرج ابن عامر مسرحًا للمعارك التاريخية التي خاضتها القوى الغازية، وأبرزها معركة “عين جالوت”، التي هُزم فيها المغول. وفي العصر الحديث، واجه نابليون، خلال حملته على بلاد الشام، مقاومة شديدة في طريقه من مرج ابن عامر نحو عكا، ودارت معركة مع جيشه بالقرب من جبل طابور.
وعليه، فإن الاهتمام الأوروبي، ولا سيما الفرنسي، بمرج ابن عامر كان مبكرًا؛ إذ وضع الفرنسي جيك تاون أول خريطة للمرج بين عامي 1816 و1820. وعندما هاجم جيش محمد علي باشا بلاد الشام بقيادة ابنه إبراهيم، سلكت بعض قواته البرية طريق مرج ابن عامر نحو عكا، فحاصرتها ثم احتلتها عام 1831. وخلال الحرب العالمية الأولى، شهد المرج معركة كبيرة عُرفت باسم “معركة مجيدو”.
“عرب 48”: من هذا المنطلق أدركت الحركة الصهيونية أهمية مرج ابن عامر مبكرًا، وعملت على تعزيز قاعدتها الاستيطانية على أرضه. لكن ما العوامل التي ساعدتها على إبرام صفقات الأراضي الضخمة التي أُقيمت عليها هذه المستوطنات؟
برغوث: مع نهاية الحكم المصري في فلسطين (1830 – 1840)، وفي ظل ما عُرف تاريخيًا بـ”المسألة الشرقية”، التي بدأ تداولها منذ أواسط القرن التاسع عشر، بدأ الأوروبيون بالضغط على الدولة العثمانية لإجراء إصلاحات في بنيتها الحاكمة. وقد أسفرت هذه الضغوط عن جملة من التغيرات التي طرأت على البنية الإدارية العثمانية، وكان من أبرزها قانون الأراضي العثماني لسنة 1858، الذي بدأ بموجبه تسجيل ملكية الأراضي في الطابو.
قبل هذا القانون، لم تكن هناك ملكيات محددة داخل مرج ابن عامر، بل كان يُزرع من قبل الفلاحين تحت رعاية وإشراف كبار الإقطاعيين، مثل آل جرّار، الذين جرى إقصاؤهم سياسيًا عام 1825 على يد إبراهيم باشا، بعد تدمير قلعة صانور. ليبدأ بعد ذلك عهد آل عبد الهادي، الذين نفذوا من خلال المركز الريفي “المشيخة” في عرابة جنين.
بعد الإصلاحات العثمانية وصدور قانون الأراضي، تحوّل النفوذ من السياق الريفي إلى سياق مدني، وأُسقطت المشيخات، ما فتح الطريق أمام ما يُعرف بالحكم البيروقراطي المركزي في الدولة العثمانية، الذي تُوّج بقانون الولايات عام 1865. وبموجبه، أصبح مرج ابن عامر يتبع لسنجق عكا ضمن ولاية بيروت.
كما انتقل مركز النفوذ من الريف إلى المدينة، حيث برزت في هذا السياق مدينتان رئيسيتان هما جنين والناصرة، وتحول آل عبد الهادي أنفسهم من صيغة المشيخة إلى طبقة “الأفندية”، أي إن أفراد هذه العائلة أصبحوا يعملون ضمن النظام الإداري الجديد.
ومن الأسماء البارزة في هذا السياق سليم عبد الهادي، الذي تلقى تعليمه في إسطنبول، وعاد ليصبح جزءًا من البيروقراطية الحاكمة كعضو في مجلس شورى جنين. أما الاسم الآخر فهو شكري العسلي، وهو سوري.
“عرب 48”: هو ليس فلسطينيًا؟
برغوث: صحيح، علمًا أن الهويات القُطرية، كالفلسطينية والسورية وغيرها، لم تكن قد تبلورت آنذاك بالشكل القائم اليوم؛ فقد كان الجميع من رعايا الدولة العثمانية. لكن التحول الأهم حدث عام 1908، مع الانقلاب الذي شهدته الدولة العثمانية وصعود “تركيا الفتاة” إلى الحكم، وتفكيك سلطة السلطان، وتحويل نظام الحكم إلى نظام نيابي.
وقد استفادت الحركة الصهيونية من هذا التحول التاريخي، إذ تمكنت من افتتاح مكتب رسمي لها في فلسطين بقيادة آرثر روبين، أحد أبرز منظّري الاستيطان الصهيوني، وخصوصًا في مرج ابن عامر.
وللتوضيح، يمكن الإشارة إلى أن شخصيات مثل دافيد بن غوريون وإسحاق بن تسفي، الذي أصبح لاحقًا الرئيس الثاني لدولة إسرائيل، قد درسا في إسطنبول، غير أن بن غوريون لم يُكمل دراسته بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى، وكان يجيد اللغة التركية.
ومن الجدير التنويه أن هذه المعطيات ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة؛ إذ إن الدراسات الفلسطينية تناولت الحركة الصهيونية غالبًا من زاوية سياسية، بينما تبرز الحاجة إلى دراستها بوصفها نخبة وتكنوقراط، نظرًا لدور هذه الفئة في تحويل الأفكار السياسية إلى واقع عملي.
“عرب 48”: وللاستعجال في الوصول إلى سؤال دور عائلة سرسق اللبنانية في صفقة بيع أراضي مرج ابن عامر، هل كانت تُعدّ عائلة “أفندية” على غرار آل عبد الهادي؟
برغوث: كانت الدولة العثمانية تعاني أزمة مالية كبيرة، وبالتالي، وبعد صدور قانون الأراضي لعام 1858، أصبح بيع الأراضي ممكنًا على نطاق واسع. وقد جرى إقصاء المشيخات، وبدأت عملية شراء الأراضي بمساحات كبيرة عبر تسجيل الملكية في الطابو، بحيث لم تعد الأرض تُدار وفق الأعراف التقليدية كما كان سابقًا.
وبناءً على ذلك، اشترت عائلة سرسق اللبنانية مساحات واسعة في مرج ابن عامر، كما اشترت عائلات لبنانية أخرى أيضًا، مثل عائلة تويني، إلى جانب عائلات فلسطينية، مثل آل عبد الهادي وغيرهم.
ومع انتقال ملكية الأرض، تحوّل النظام الزراعي من “المزارعة”، حيث يزرع الفلاح الأرض ويمنح جزءًا من المحصول للشيخ، إلى نظام “المرابعة”، بحيث يحصل المالك – مثل آل سرسق – على ثلاثة أرباع المحصول، ويبقى للفلاح الربع فقط.
يُضاف إلى ذلك أنه في هذه المرحلة جرى ربط مرج ابن عامر بالسوق العالمية، فلم تعد الزراعة تقتصر على تلبية حاجات السوق المحلي، بل أصبحت موجّهة للتصدير أيضًا.
في عام 1910، أبرمت الحركة الصهيونية أول صفقة لشراء أراضٍ في مرج ابن عامر مع آل سرسق، بعد أن أتاح انقلاب 1908 لها التحول إلى حركة علنية ذات حضور رسمي في فلسطين. وعقب شراء الأراضي، جرى تهجير سكان قرية “الفولة” الفلسطينية، حيث أُقيمت مستوطنة “مرحافيا” أولًا، ثم لاحقًا مستوطنة العفولة التي تحولت إلى مدينة.
وفي عام 1920، ومع صدور قانون الأراضي البريطاني، أُبرمت صفقة ثانية كبيرة بلغت نحو 200 ألف دونم. ويُذكر أنه بين عامي 1917 و1920، أي قبل صدور صك الانتداب، كانت هناك أوامر عسكرية بريطانية تحظر بيع وشراء الأراضي في مرج ابن عامر وعموم فلسطين.
ومع بداية الانتداب البريطاني، صدر قانون يقضي بتحويل جميع الأراضي غير المسجلة باسم أحد السكان إلى ملكية الدولة (دولة الانتداب)، ما أتاح لها السيطرة على الجزء الأكبر من أراضي فلسطين، والتصرف بها ونقل ملكيتها لمن تشاء.
“عرب 48”: بهذه الطريقة، طبعًا، تم تسريب كميات كبيرة من الأراضي للحركة الصهيونية؟
برغوث: إن قانون أراضي الدولة، الذي سُمّي لاحقًا بـ”قانون تسوية الأراضي”، وصدر عام 1928، حوّل جميع أراضي “المشاع” إلى سيطرة الانتداب البريطاني، وحرم الفلاحين الفلسطينيين من الاستفادة من مئات آلاف الدونمات التي كانوا يزرعونها بنظام المداورة. كما شمل هذا القانون أيضًا السيطرة على “المشاع المائي”.
كما قام الانتداب البريطاني ببناء نظام حديث للمساحة، إذ كانت الملكية في العهد العثماني تُحدد وفق معالم طبيعية مثل “العين”، و”الشجرة”، و”السنسلة” وغيرها. لكن هذا النظام استُبدل بنظام الإحداثيات، ما جعل الأرض مرتبطة بسياقين: سياق المساحة المحدد بالإحداثيات، وسياق التسجيل القانوني للملكية.
وفي ضوء هذا التطور، جرت عمليات مسح واسعة لمرج ابن عامر بهدف تثبيت الملكيات الصهيونية بشكل خاص، وإنهاء نظام المشاع الفلاحي التقليدي.
*جمال برغوث: حاصل على بكالوريوس في الآثار والتاريخ من جامعة بير زيت، وماجستير من جامعة لوفان، وماجستير من جامعة القدس. تتركز اهتماماته البحثية في آثار المشهد الحضاري في فلسطين والمنطقة، وآثار النكبة، والتطبيقات الرقمية في علم الآثار. كما يبحث في تاريخ علم الآثار في المنطقة من خلال تحليل سياقاته الاستعمارية وربطها بآثار النكبة، ويسعى إلى تطوير مقاربة “العصيان المعرفي” في علم الآثار في المنطقة.
المصدر: عرب 48

