المقاومة تدعو لاحتواء الفتنة بعد فيديو مسيء للشيخ قاسم

المسار: أثار نشر قناة تلفزيونية محلية (إل بي سي آي) مقطع فيديو تصويري يظهر بسخرية الأمين العام لحزب الله ومقاتليه بشخصيات كرتونية مقتبسة من لعبة الفيديو الشهيرة «الطيور الغاضبة Angry birds « في مواجهة إسرائيل، جدلاً ذات طابع طائفي في لبنان، بعدما اعتبر «مسيئاً. وبرزت العديد من المؤسسات الإعلامية التي «تعمل على التحريض الطائفي والفرقة بين اللبنانيين».

وإثر تداول المقطع، نشر مناصرون لـ»حزب الله» على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً تضمّنت سخرية للبطريرك الماروني بشارة الراعي، قالوا إنها رداً على التعرض لـ»رموزهم»، في إشارة الى الأمين العام للحزب نعيم قاسم. وأثارت الحملة على الراعي، الذي يعد المرجعية الدينية المسيحية الأعلى في لبنان، تنديدات واسعة.

ويصوّر الفيديو الذي نشرته قناة «ال بي سي انترناشونال» الشيخ قاسم كقيادي يتوجه لمقاتليه في ساحة الحرب، وشخصياتهم جميعاً كاريكاتورية مقتبسة من «الطيور الغاضبة»، مؤكداً أن «لا استسلام» بمواجهة الجنود الاسرائيليين، الذين يظهرون في الفيديو على أنهم خنازير، في شخصيات مقتبسة ايضاً من اللعبة.

وتظهر في المقطع مروحيات إسرائيلية تقصف منازل احتمى فيها مقاتلو حزب الله قبل ان تلاحق مسيّرة ثلاثة منهم لجأوا الى حفرة. وأعلنت القناة في وقت لاحق السبت «إزالة المحتوى الرقمي» بعد مثولها لدى قسم المباحث الجنائية المركزية.

واعتبر حزب الله في بيان أن الفيديو الذي نشرته القناة يتضمن «بطريقة مهينة إساءات رخيصة تهبط بالتعبير السياسي إلى مستوى مقزز، وتحوله إلى أداة مقصودة في حقن الشارع»، داعيا مناصريه «للترفع عن الانجرار إلى ما يرمي إليه أعداء المقاومة».

إدانات وردود غاضبة

واعتبر النائب عن حزب الله ابراهيم الموسوي أن القناة بثّت «فيديوهات كاريكاتورية مهينة ومستفزة وتحريضية تتعرض فيها لرمز ديني وطني، أميننا العام الشيخ نعيم قاسم، وكذلك لقدسية المقاومة ومجاهديها».

وقناة «ال بي سي آي»، من أبرز المؤسسات الإعلامية في لبنان، تأسست منتصف الثمانينات على يد القوات اللبنانية، الحزب المسيحي المناهض لـ»حزب الله». لكنها نأت بنفسها قبل سنوات عن الخط السياسي للقوات إثر خلافات حادة مع قيادتها، وتقدم نفسها على أنها مستقلة.

 

عرض فيديو يسخر من الشيخ قاسم يقابل بسخرية من البطريرك الراعي

 

ونشر لبنانيون على مواقع التواصل الاجتماعي، صوراً عدة للراعي في شكل مهين. وكتب أحدهم «أمام مقدساتنا وشيخنا، تسقط كل المقدسات». وعلى الأثر، تلقى الراعي سلسلة اتصالات منددة، من مسؤولين ورجال دين.

وكان رئيس الجمهورية جوزف عون دعا «الجميع إلى ابقاء الخلافات في وجهات النظر في إطارها السياسي والترفع عن الإساءات الشخصية، نظراً للانعكاسات السلبية لمثل هذه الممارسات خصوصاً في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد والتي تتطلب تضامناً وطنياً واسعاً».

كذلك، أصدر رئيس مجلس النواب نبيه بري بياناً دان فيه «حملات الإساءة والتطاول على الرموز الدينية والوطنية من أي جهة أتى، ومن أي وسيلة كانت، سواء في الأعلام أو في الفضاء الافتراضي»، داعياً «اللبنانيين كل اللبنانيين إلى وعي مخاطر الإنزلاق نحو الفتنة التي لطالما حلم وسعى إليها عدو اللبنانيين المشترك بمسيحييهم ومسلميهم»، قائلاً : «من تجرأ بالأمس على هدم مدرسة ودير الراهبات المخلصيات وكنيسة مارجاورجيوس في يارون وتحطيم تمثال السيد المسيح في دبل، وقبلها هدم المسجد الكبير التاريخي في مدينة بنت جبيل، واليوم النادي الحسيني في بلدة الدوير، هو المنتصر الوحيد في تفرق اللبنانيين عن حقهم وفي إحترابهم في ما بينهم لا سمح الله». واضاف «حذار ثم حذار من الإمعان في فتنة لعن الله من أيقظها، فالمسؤولية الوطنية تفرض على الجميع العمل على وأدها وليس تأجيج نيرانها». وختم «إن السلطات القضائية مدعوة إلى التحرك فوراً لمحاسبة من يهين ويستهين بحرمة وكرامة رسالات الأرض والسماء».

وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أنه «مهما كان الخلاف السياسي عميقاً، ومع تمسكي بحرية الرأي، لطالما حذرت من الانزلاق إلى أي من أشكال التعبير التي تتضمن الإساءة الشخصية والتجريح والتنمر والتخوين المدانة كلها، والتي تساهم في شحن النفوس وتأجيج العصبيات». وقال: «أناشد إخوتي وأخواتي المواطنين التحلي بأعلى درجات الوعي ونبذ خطاب الكراهية منعاً لجر البلاد إلى اجواء من الفتنة التي لا تحمد عقباها».

وعمّقت الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، والتي أسفرت عن مقتل أكثر من 2650 شخصاً ونزوح أكثر من مليون، الانقسامات داخل لبنان، مع اتهام الحزب المدعوم من طهران بجر البلاد اليها.

 

«إعلام محرّض»

 

ورغم حرية التعبير التي يتميز بها لبنان، تتعرّض قنوت تلفزيونية وفنانون وممثلون كوميديون بين الحين والآخر لحملات، بسبب تضمّن أعمالهم ما يرى فيه البعض إساءات لمرجعيات دينية أو سياسية، في بلد يقوم نظامه السياسي على توازنات سياسية وطائفية.

وأظهرت بعض الصور المفبركة للبطريرك الراعي استبدال رأسه بـ»رينجر» للحزب أو بصورة عصفور غاضب أو بصورة خنزير، ولم تتوقف الحملة عند هذا الحد بل طالت القديس شربل ورئيس الجمهورية العماد جوزف عون الذي رُفعت صورته على طريق المطار القديم بخلفية العلم الإسرائيلي مع عبارة «شريك بدمائنا». ولم توفّر الحملة مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي رفض الإساءة للبطريرك الراعي.

وجاء رفض التعرض لسيّد بكركي أولاً من الرابطة المارونية التي أدانت الإساءة للبطريرك، وقالت «هذه الإساءة يجب ألا تمر حرصاً على السلم الأهلي وصوناً للعيش المشترك ومنعاً لانزلاق الخطاب العام نحو الفتنة والتطاول على المقدسات»، داعية «الأجهزة القضائية والأمنية إلى التشدد في تطبيق القوانين وعدم التهاون مع أي تجاوز يمس الكرامات والرموز الدينية».

كما أدانت الهيئة التنفيذية لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك ما تعرّض له رئيس المجلس البطريرك الراعي من تطاول وتحقير، وإنضم اليها المركز الكاثوليكي للإعلام لتبدأ بعدها سلسلة البيانات والمواقف الرسمية والسياسية المنددة بما حصل على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

بيان «حزب الله»

 

وأصدر «حزب الله» بياناً أهاب فيه «بجمهور المقاومة وأنصارها التنبه إلى خطورة ما يُحاك ضد اللبنانيين جميعًا»، داعياً إياهم «للترفع عن الانجرار إلى ما يرمي إليه أعداء المقاومة، وبالتالي أعداء لبنان عن كامل قصد وتخطيط انسجامًا مع أخلاقنا وقيمنا التي عبّر عنها أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام، عندما خاطب أنصاره، بأنه يكره لهم أن يكونوا سبّابين».

واتصل الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط بمدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسنيور عبدو أبو كسم، مستنكراً التعرض للبطريرك الماروني، ومؤكدًا «وجوب احترام المرجعيات الدينية والروحية كافة، والترفّع في النقد السياسي أو الإعلامي عن أي إساءة من شأنها أن تؤجّج التوترات والانقسامات وتفتح بابًا للفتنة». كما اتصل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع بالبطريرك الراعي، وأبدى استنكاره الشديد للحملات التي تُشنّ ضده. ورأى «أن هذه الحملات ليست غريبة عن البطريركية المارونية، بسبب ثباتها على المبادئ الوطنية والخط التاريخي الذي كان عنوانه دائمًا لبنان السيادة والحرية».

إلى ذلك، أفادت معلومات بأن مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، وفي أول إجراء قضائي له منذ تعيينه في مجلس الوزراء الخميس الفائت، استدعى رئيس مجلس إدارة الـLBCI بيار الضاهر إلى المباحث الجنائية، على خلفية الفيديو الذي أثار جدلًا واسعًا واعتبره كثر محرّضًا على الفتنة.

كما أوعز الحاج إلى النيابة العامة المختصة بفتح تحقيق لكشف هوية الجهات التي تقف خلف فبركة ونشر الصور والفيديوهات المسيئة للبطريرك الماروني تمهيدًا لاستدعائهم واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم.

وتصدّرت أخبار الفيديو والاساءة للراعي التراند على مواقع التواصل الاجتماعي، وسأل ناشطون «ما علاقة البطريرك بقناة LBCI كي يتم استهدافه؟». ورأى البعض «أن صورة مهينة لا تمحي 1600 سنة من الحضور بدليل تضامن المرجعيات الروحية المسلمة».

واستحضر ناشطون فيديو قديم للبطريرك الراحل مار نصرالله بطرس صفير يقول فيه «بكركي من عركي لعركي لا زيتها ولا نورها شح، كلهم عم يحكوا تركي إلا بكركي عم تحكي صح».

في المقابل، فإن مناصري «حزب الله» اتهموا محطة LBCI و MTV ببث السموم، واعتبروا «أن هذه القنوات تعيش القهر بسبب صمود المقاومة».

وفي عظة الأحد، تنازل البطريرك الراعي ما شهدته مواقع التواصل، قائلاً «ما يجري من حرب كلامية ليس حرية رأي بل إنحدار مقلق في سلم القيم واللغة واستباحة للكرامات لا يحق لأحد أن يمسّها». ختاماً، تظهر هذه الحادثة حدة التوترات التي يمكن أن تدفع لبنان نحو مرحلة خطيرة وسط تصاعد الخطاب التخويني.

Share This Article