مسارات التفاوض في القاهرة حول غزة تتواصل وسط جهود لوقف إطلاق النار

المسار : الاحتلال يرفع مستوى تهديداته لغزة، ويستمر في تعقيد المشهد الإنساني الذي هو غاية في الصعوبة في غزة، كي يضغط على الطرف الفلسطيني المفاوض.

عاد ملف غزة إلى الواجهة مجدداً بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار الهش على الجبهتين الإيرانية واللبنانية، وبدأت سلسلة لقاءات في القاهرة جمعت الممثل الأعلى لما يُعرف بـ”مجلس السلام” في غزة، نيكولاي ميلادينوف، مع الطرف الفلسطيني، تخللها تبادل أوراق بين الأخير والوسطاء، بيد أنّ الطرف الإسرائيلي، اكتفى بتمرير “شروطه” عبر ميلادينوف.

عكست الورقة الأولى لملادينوف تبنّياً شبه كامل للموقف الإسرائيلي، الذي لا يزال يحلم بتحقيق النصر المطلق “المفقود” في واحدة من جبهات القتال، بالحد الأدنى، بيد أنّ حالة المراوحة والفشل في تحقيق الأهداف، دفعت الحكومة الإسرائيلية لتحريك ملف غزة، والعودة للتلويح بالحرب بحجة رفض الطرف الفلسطيني نزع السلاح.

مع بداية المفاوضات، ركّز ميلادينوف على ملف السلاح باعتباره العامل المستقل، وغيره من الملفات عوامل تابعة له، الأمر الذي فجّر المفاوضات في مرحلتها الأولى بعد رفض الطرف الفلسطيني للمسار المقلوب الذي خطه ملادينوف، والذي عكس انحيازه الكامل للاشتراطات الإسرائيلية، بتركيزه على ملف السلاح، بصرف النظر عن عدم الالتزام الإسرائيلي بغالبية الاستحقاقات المنصوص عليها في المرحلة الأولى من خطة ترامب.

في إحدى اللقاءات شارك المستشار الأميركي أرييه لايتستون، والتقى الوفد الفلسطيني المفاوض، وعلى غرار رئيسه دونالد ترامب، هدّد بعودة الجحيم إلى غزة في حال رفض الوفد الورقة المعروضة خلال 48 ساعة، ومضت الساعات والأيام، ورد الوفد الفلسطيني بورقته الخاصة التي تمثّل الإجماع الفلسطيني على قاعدة الالتزام المتبادل وعدم الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة من دون استكمال المرحلة الأولى، ما دفع ميلادينوف إلى طرح مقترحات جديدة بشأن ترتيبات وقف إطلاق النار.

الورقة الأولى التي عرضها ميلادينوف خلال الأسابيع الماضية تضمّنت تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق على مدار ثمانية أشهر، مع ربطها بملف نزع السلاح، وبعد الرفض الفلسطيني، طرح ميلادينوف، وأرييه لايتستون، ورقة ثانية، تدمج المرحلتين الأولى والثانية، مع جدول زمني لنزع السلاح يتراوح بين ستة أشهر وعام.

لم يتأخر الرد الفلسطيني، وقدّم ورقته التي طالبت بتوضيحات حول بنود الورقة الجديدة، مع تأكيد رفضها لأي مسار يتضمن نزع السلاح من دون ربطه بالمسارين الوطني والسياسي الذي يفضي لإنهاء الاحتلال.

الانتهاكات الاسرائيلية منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، قبل أكثر من ستة أشهر، شملت الملفات كافة، فبعد أن سيطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي على نحو  53%  شرق الخط الأصفر لقطاع غزة، استمرت في القضم وحرّكت الخط الأصفر غرباً لتقترب سيطرتها على ما يقرب من 60% من القطاع، وبفعل استمرار الاغتيالات، استشهد نحو 800 فلسطيني، بينما تعثّرت حركة البضائع والمساعدات الإنسانية، فبدلاً من دخول أكثر من 600 شاحنة يومياً، دخل أقل من 200، كما لم تدخل الكرفانات لايواء النازحين، ولم يتحرك عبر معبر رفح إلا بضع الأفراد يومياً، ولم يسمح الاحتلال بعبور اللجنة الوطنية لإدارة غزة وباتت عاجزة عن القيام بمهامها.

الاحتلال يستخدم الملفات الإنسانية كأدوات للابتزاز السياسي، كملفات الكهرباء والمياه والنفايات وسفر المرضى وإدخال المستلزمات الأساسية التي لا يمكن الاستغناء عنها، الأمر الذي أدى إلى انتشار الحشرات والقوارض وتفشي الأمراض، بعد أن تحوّل المشهد البيئي في غزة إلى أكبر مكرهة صحية، وبحسب تقديرات اتحاد بلديات غزة، تتراوح كمية النفايات المتراكمة بين 700 و800 ألف طن.

لقد بات السؤال الملح لدى المواطنين كافة، حتى متى سنبقى تحت سقف خيام بالية لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء؟ والأسئلة الصعبة لدى المواطن الغزي لا تنتهي، فأبسط متطلبات الحياة الإنسانية أصبحت مفقودة …

تحوّل الواقع الإنساني الصعب، لأداة تفاوضية،  على أمل أن يؤدي إلى تراجع الموقف التفاوضي الفلسطيني، وتسليمه بالاشتراطات الإسرائيلية، بيد أن صلابة الموقف الفلسطيني، ساهمت في دفع ميلادينوف والوسطاء، لتقديم ورقة جديدة، تشمل 15 بنداً، تراعي بشكل نسبي ملاحظات الطرف الفلسطيني على الطروحات السابقة، بيد أنّ الاحتلال لم يرد على الورقة، وعاد للتلويح بالعودة إلى الحرب بداعي رفض الطرف الفلسطيني نزع سلاحه.

قبل أيام وصل الوفد الفلسطيني المفاوض القاهرة، لمتابعة تنفيذ ورقة الوسطاء المؤلفة من 15 بنداً، على قاعدة تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى ثم الانتقال إلى مفاوضات المرحلة الثانية، وقد عبّر الطرف الفلسطيني عن موقفه في ردّ بتاريخ 23 نيسان/أبريل 2026 ، تضمن استبعاد مقايضة ملف السلاح بالملف الإنساني، ووضعه ضمن رؤية وطنية لا تشمل تسليمه للاحتلال بكل الأحوال.

قبيل لقاء القاهرة الأخير قبل أسبوع تقريباً، تم التفاهم على إلزام الاحتلال بالبدء في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى كمقدمة للتفاوض على المرحلة الثانية،  كإدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة يومياً، ووقف العمليات العسكرية والاغتيالات، والانسحاب إلى “الخط الأصفر” ، بيد أنّ التفاهمات لم ينفّذها الاحتلال،فالاغتيالات استمرت، وإدخال المساعدات لم يتحسن بشكل واضح، ورفض الانسحاب إلى الخط الأصفر، وترحيله إلى المرحلة الثانية.

على الرغم من إدراك الوسطاء بأنّ الاحتلال لم يلتزم بتعهداته، بيد أنهم لم يبادروا بتحميله مسؤولية تعثر الانتقال للمرحلة الثانية، وعلى العكس، سعوا للضغط على الوفد الفلسطيني للتجاوب بشكل أو بآخر مع ما يطلبه الاحتلال، بمعنى الانتقال للمرحلة الثانية، بصرف النظر عن استحقاقات المرحلة الأولى، بيد أنّ الطرف الفلسطيني لم يتراجع عن موقفه، الأمر الذي دفع الاحتلال للتلويح بالعودة إلى الحرب.

في ضوء تطوّرات المشهد التفاوضي، فإنّ الاحتلال يرفع مستوى تهديداته لغزة، ويستمر في تعقيد المشهد الإنساني الذي هو غاية في الصعوبة في غزة، كي يضغط على الطرف الفلسطيني المفاوض، وينتزع منه مواقف تستجيب لاشتراطاته، وسيسعى الوسطاء لممارسة ضغوط أكبر على الطرف الفلسطيني الملتزم بالاتفاق، تحت تبرير تجنيب غزة ويلات الحرب، وقد يلجأ الاحتلال لتصعيد عسكري محسوب ضد غزة لا يصل إلى حد العودة للحرب المكثفة، بل يزيد من مستويات العدوان عبر توسيع دائرة الاغتيالات، وفي المقابل سيسعى الطرف الفلسطيني لدراسة خياراته، في ضوء تفاقم الأزمة الإنسانية، وتوسيع العدوان وتصاعده، وجمود مسار التفاوض.

Share This Article