برنامج «نقاش الساعة»: وجوه قناة الجزيرة وأقنعتها…حسن أحمديان «العروبي الوحيد بين المحللين»

عن ما يقوله برنامج «نقاش الساعة» على قناة الجزيرة حول توازنات القوى في المنطقة والعالم، وما يخفيه كذلك.
مجد خالد درويش، أحمد ضياء دردير
المسار: جمع برنامج «نقاش الساعة» على قناة الجزيرة، الذي جرى استحداثه خلال الحرب على إيران، بين وصفتين تطغى إحداهما على الأخرى في بعض الأحيان؛ الأولى هي وصفة السجال المحتدم، التي تتميز بها الجزيرة وإن لم تكن هي المحتكرة لها؛ بتعبير آخر، وصفة «الاتجاه المعاكس» التي تحقق الجماهيرية من خلال النقاش الإثاري وتسجيل النقاط وإن وصل الأمر إلى ما يقارب الشجار.

أما الثانية فهي وصفة الاستوديو التحليلي الذي يذهب عميقًا في الخبر وما وراءه، وقد نجح البرنامج في المحافظة عليها حتى في لحظات وصل فيها النقاش إلى أشكال من المساجلة والشجار. ففي الحلقة المخصصة لمناقشة «المقترح الإيراني» مثلًا، ينتقل الضيوف ما بين تحليل لنسخة مسربة من المسودة الإيرانية، وبين نقاش إثاري عن تاريخ الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية. بينما في حلقات أخرى يكون التركيز على خبر معين أو حتى مقاطعة النقاش بأخبار عاجلة كوسيلة لضبط الحوار.

يمكن أن نقول- وسنقول- الكثير عن مساوئ هذا المزيج خاصة عندما تطغى الوصفة الأولى، إلا أن من محاسنها أنها قدمت للجمهور العربي وجوهًا وأقنعة كان ينبغي أن نتعرف عليها.

أولها بطبيعة الحال وجه حسن أحمديان، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في جامعة طهران، الذي أحبّه الجمهور العربي. تبرز أهمية صوت أحمديان من أجل الحوار والتعارف المشرقي-المشرقي بسبب جهل قطاع لا بأس به من الجمهور العربي بجاره وشريكه بالتاريخ والثقافة والدين والمصير. يمكن أن نضيف هنا أنه كصوت يتحدث بلغة عربية فصيحة، يتعرف الجمهور العربي الواسع من خلاله، ربما لأول مرة بالنسبة لكثيرين، على إيران بعيدًا عن الدعاية العنصرية والطائفية، التي ورثنا بعضها من حرب إيران والعراق وبعضها من خطاب البغض الذي يبثه إعلام الخليج.

ولا شك أن شعبية أحمديان ما بين الشعوب العربية مبنية بالأساس على أنه يمثل صوت المواجهة والمقاومة ومركزية هذه الثوابت عند العربي. وبالتالي بالنسبة لبعضنا هو يمثل صوتًا أكثر عروبة من خصومه العرب (في مقال للزميل موسى السادة في جريدة الأخبار وصف أحمديان بأنه «العروبي الوحيد بين المحللين»).

في المقابل، يقدم لقاء مكي، على الأقل في بعض مداخلاته، صوت كراهية وعنصرية مبطنة وازنة، ليبقى استماعنا إلى ما ينقض خطاب البغض موزونا بخطاب بغض لإيران. وطبيعة المنظومة السياسية والثقافية العربية في الوقت الحالي، والطبيعة الإثارية لقناة الجزيرة، تفرض هذا التوازن بين معرفة الجار وبين البغض الأعمى له والغرق في إرث الماضي، وكأن الجار هو وحده من أخطأ. تتخفى كراهية إيران والعداء لمناهضتها للإمبريالية، في شخص لقاء مكي، خلف قناع قومي عربي بخطاب بعثي، ينغلق في بعض الأحيان في لحظة الحرب العراقية الإيرانية -التي كان مكي مراسلًا حربيًا فيها- في حين أن إيران بل والبعث العراقي قد تجاوزا هذه اللحظة وهذه نقطة مهمة سنعود إليها.

«يمكننا أن ننظر إلى البرنامج كما لو كان ساحة تمثيل للوضع الدولي ولتوازنات القوى فيه. حيث نرى الجانب الأمريكي في كامل غطرسته ونرى الجانب الإيراني، وبينهما نرى معلقين يتخفى معظمهم خلف الحياد والموضوعية، ولكن حيادهم وموضوعيتهم في أغلب الأحيان يصبحان تواطؤا مع الوضع القائم».

ثم بالتأكيد نرى وجه الإمبراطورية الأمريكية، ممثلًا في بعض الأحيان في هيام نعواس التي كرهها الجمهور العربي عن جدارة ، والتي جعلت من وجهها العربي قناعًا للسياسات الأمريكية ثم جعلت من الوجه الأمريكي الأبيض قناعًا تتخفى فيه من أصلها، في «حالة فصام» كما وصفها أحمديان في إحدى الحلقات، وفي حالة من العصاب الاستعماري حري بتحليل فرانز فانون، وإن كانت حالة أكثر استعصاء مما وصفه فانون. وقد لاحظ الجمهور العربي كذلك كيف أن لغتها الإنجليزية ضعيفة بالرغم من إصرارها على التحدث بها كأنها لغتها الأولى.

نرى كذلك وجه الإمبراطورية من خلال بيتر روف الذي يمثل العنجهية الأمريكية بكل وضوح؛ وبينما يتشارك روف مع نعواس الكذب بأريحية، فإن روف يمثل نوعًا من النرجسية الأمريكية ترى تمنياتها هي الواقع وإرادتها هي الشريعة (ما وصفه أحمديان في إحدى الحلقات بالتحليل الرغبوي)، وهو ما يشبه كثيرًا نرجسية ترامب الذي يظن أن كذبه هو الذي يحدد الواقع.

تطرح هذه الاستضافة أسئلة حول الاقتصاد السياسي لمثل هذه البرامج؛ إذ تصبح نعواس ويصبح روف، محدودي الذكاء والقدرة وإن كانت المنظومة الإعلامية الغربية قد كافأتهما على محدوديتهما، أبواقًا تبث الكذب كما لو كان تحليًلا رصينًا. المسألة هنا ليست مجرد استضافتهما عبر شاشة الجزيرة، التي فعلت ما هو أسوأ حين كانت المبادرة إلى استضافة المتحدثين باسم العدو الصهيوني وجيش الاحتلال، ولكن كيف تصبح رواتب الجزيرة مصادر تمويل لعملهما الدعائي.

يمكننا إذن أن ننظر إلى البرنامج كما لو كان ساحة تمثيل للوضع الدولي ولتوازنات القوى فيه. نرى الجانب الأمريكي في كامل غطرسته ونرى الجانب الإيراني، ممثلًا عادة في حسن أحمديان وأحيانًا في محمد صالح صدقيان، وبينهما نرى معلقين يتخفى معظمهم خلف الحياد والموضوعية، ولكن حيادهم وموضوعيتهم في أغلب الأحيان يصبحان تواطؤًا مع الوضع القائم وتصويبًا على إيران في مواجهتها مع هذا الوضع.

من الطبيعي عندما يواجه بلد ما إمبراطورية مهيمنة أن يكون هذا البلد هو الأضعف وأن يكون طوال الحرب في موقف حرج، ولكن مواجهة الإمبراطورية من هذا الموقف الحرج هو الذي يغير الموازين. ومن هنا يصبح أي تحليل حيادي متهافتًا، بل يغدو نوعًا من اجترار الواقع الإمبريالي، وقد رأينا ذلك مع اختلاف الظروف عندما تنبأ المحللون بأن روسيا منهزمة في أوكرانيا حتمًا ونراه الآن في تعامل هؤلاء المحللين مع إيران.

من السهل في هذه الظروف أن تتحول النرجسية الأمريكية إلى واقع موضوعي يكرسه حياد الباقين ويجاهد المتحدث الإيراني لتفنيده، وتأني أحمديان الذي أعجب الجمهور العربي قد يكون بدوره نتيجة ذلك، لأنه ينوء تحت ثقل هذا الواقع الإمبراطوري الذي يجاهد ضده.

وفي نفس الوقت، يحتكر الصوت الأمريكي تعريف ما هو القانوني وما هو الإجرامي. فعلى سبيل المثال يتكرر توصيف حركات المقاومة بالإرهاب على لسان روف، ويستغرب أحمديان من عدم اعتراض الضيوف العرب على هذه التسمية. وحتى عندما اعترض الفلسطيني الأردني إبراهيم فريحات، لم يكن اعتراضه حازمًا كما تعودنا من ردود أحمديان بل كان ردًا من باب أن الجالسين على الطاولة لم يتفقوا على توصيف من هو الإرهابي، طالبًا من روف أن «يكون أكثر حساسية».

وعدا عن تسمية الإرهاب، فقد طبّع ضيوف البرنامج الأمريكيون والعرب الإشارة إلى حركات المقاومة العربية بـ«وكلاء لإيران» و«أدوات» لها. وعدا عن نزع الفاعلية العربية عن مشروع التحرر، فإن هذا الكلام يوزع الحقوق توزيعًا غير متساوٍ، فيصبح لإيران وكلاء وأدوات بينما يصبح لأمريكا حلفاء.

وفي المقابل، يصر أحمديان على أن حماس وحزب الله حلفاء لهم احترامهم. وبينما تثار قضية سوريا وموقف حماس منها وإن كان الدعم الإيراني قد تأثر بهذا الموقف أم لا، فإن لنا أن نتساءل إن كانت الولايات المتحدة تظهر نفس الاحترام لما يسمون بحلفائها إن تباينت مواقفهم بنفس الطريقة التي أظهرتها إيران لحماس (أو لأنصار الله الذين لم يضغط عليهم للدخول في هذه الجولة).

وبنفس المنطق، يتكرر وصف سياسات إيران بالخطف وأخذ الرهائن (في إحدى الحلقات قال روف بعنصرية فجة إن الإيرانيين يحبون أخذ الرهائن)، بينما نرى التعامل مع المخاوف الأمريكية كما لو كانت مخاوف مشروعة، بما فيها مخاوفها، وهي الدولة الوحيدة التي استخدمت الأسلحة النووية، من توصل إيران إلى السلاح النووي. وكذلك مع التهديدات الأمريكية كما لو كانت واقعًا لا مفر منه، بل وأحيانًا كأنها واقع لا غبار على شرعيته. ففي إحدى الحلقات على سبيل المثال يتحدث أحد الضيوف عن أن أمريكا ستتعامل مع ناقلات النفط الإيرانية كما تتعامل مع زوارق الاتجار بالمخدرات في بحر الكاريبي. نرى تطبيع العربدة الأمريكية كما لو كانت عملًا لا يشكك في أخلاقيته، ونرى القبول بها كما لو كانت واقعًا لا فكاك منه، في حين أن التحليل الموضوعي ينبغي أن يجعلنا نسأل إن كانت أمريكا قادرة على ذلك وقد أثبتت هذه الحرب مرارا قدرة إيران على التصدي لآلة الحرب الأمريكية المتطورة.

خلاصة القول هنا إن القوة تصنع الواقع وتصيغه حقًا، فيلتزم به المحللون تحليلًا موضوعيًا. وربما كان من دواعي إعجاب الجمهور العربي بأحمديان أنه، وإن تسلح بالمنطق، لا يخجل من أن يعبر عن واقع وحق يفرضان بالقوة ، كما فعل حين رد على قرار مجلس الأمن بفتح المضيق قائلًا «يستطيعون أن يبلوا القرار ويشربوا الماء من هذا البل» (والذي أعجبنا كذلك لأنه ذكرنا بمثل عربي دارج).

في ظل هذه الظروف وهذا التوزيع للمواقف والقوى، يقدم البرنامج فرصة للنقد والتحليل ولكنه يتحول في كثير من الأحيان إلى ما يشبه المحاكمة لإيران، يصبح الضيوف فيها مدعين بالحق الأمريكي أو ممثلي ادعاء، ويجد أحمديان نفسه في موقف المحامي الوحيد عن إيران التي تحاكم. ينعكس ذلك في أدبيات النقاش وسيره إذ أصبحت مقاطعة أحمديان (أو من يقوم مكانه بتقديم وجهة النظر الإيرانية) أمرًا معتادًا.

هذه المقاطعة المستمرة تمثل موقفًا مواليا للولايات المتحدة بوجه عربي، لا يقبل بسماع المنظور الإيراني، ويقدم الموقف الموضوعي، والموقف العربي، كما لو كان نقيضًا دائمًا للموقف الإيراني.

يتدخل اختيار الحضور في ذلك. فقد ندر أن يستضيف البرنامج أي أصوات عربية داعمة بشكل واضح للمقاومة. ربما انتبه معدو البرنامج لهذا النقص، فبدأوا مؤخرًا في استضافة الباحث اللبناني وسام ناصيف ياسين الذي يقدم صوتًا عربيًا منحازًا بوضوح لحزب الله والمقاومة، وربما تشي استضافة صوت لبناني مقاوم بتوقعهم الوصول إلى صيغة شاملة لوقف إطلاق النار قريبًا. لكن قبل ظهور ياسين في البرنامج، كانت الصورة التي يقدمها كأن لبنان كله معادٍ للمقاومة وإيران. أبعد من ذلك، فإن تغييب أي صوت عربي منحاز للمقاومة يعيد توزيع الأدوار بشكل زائف كأن إيران وحدها هي التي تعادي الولايات المتحدة، وتصبح قوى المقاومة العربية على أكثر تقدير وكلاء لإيران، بل ويصبح إصرار إيران على أن تشمل مفاوضات وقف إطلاق النار لبنان دليلًا على أن المقاومة في لبنان وكيل خاضع لإيران، بدلًا من أن تصبح دليلًا على وفاء إيران لحلفائها العرب. ويُنسى في خضم ذلك أن ما نشهده هو جولة من جولات حرب بدأت بقرار فلسطيني من حركة حماس.

«في ظل التوزيع القائم للمواقف والقوى، يقدم البرنامج فرصة للنقد والتحليل ولكنه يتحول في كثير من الأحيان إلى ما يشبه المحاكمة لإيران، يصبح الضيوف فيها مدعين بالحق الأمريكي أو ممثلي ادعاء، ويجد أحمديان نفسه في موقف المحامي الوحيد عن إيران التي تحاكم. ويقدم الموقف الموضوعي، والموقف العربي، كما لو كان نقيضًا دائمًا للموقف الإيراني».

وفي مقابل غياب الصوت العربي المقاوم أو شبه غيابه، يستحضر الخطاب العروبي (أحيانًا على لسان صالح المطيري وغالبًا على لسان لقاء مكي) متجردًا من العنصر التحرري في الإرث القومي العربي. هذا الاستحضار يحصر العروبة في موقع معاد لإيران ومهادن للأمريكان، بحيث يجعل من المشروع العروبي مشروعًا عرقيًا يكن عداء عنصريًا للفرس. وقد تكرر، على لسان لقاء مكي بالذات، نقد قد يبدو لاذعًا للتدخل الأمريكي، وصولا إلى وصف السياسيين الأمريكيين بالشياطين. ولكن هذا النقد، وما تبقى من صدى الشعارات العروبية، يستخدم لنزع الشرعية عن الموقف الإيراني. وبالتالي، يوضع النقد في موقع يخلو من أي نضالية وينتهي به الحال إلى المهادنة والتواطؤ.

أسلوب التراشق مع إصرار بعض الضيوف على استحضار صراعات الماضي الجانبية يجعلنا نعود كثيرًا إلى سجالات تاريخية. من المهم طبعًا العودة إلى التاريخ لفهم الواقع وجذوره، ولكن من الخطر كذلك الانغلاق في لحظة تاريخية من دون التأمل في سياقها وما إذا كان قد تغير. فعندما يستند النقاش إلى التراشق وتسجيل النقاط وإسكات الآخر (أو ما يعرف في لغة الإنترنت بقصف الجبهات) فمن السهل ضياع السياق.

تتكرر على سبيل المثال مغالطات عن الدور الإيراني «المهيمن» على العراق. لا شك أن إيران قد انتقت حلفاء في العراق، بعضهم مالأها لأسباب طائفية، وبعضهم كان مهادنًا للاحتلال. لكن لم يكن هناك رئيس وزراء حليف لإيران في العراق منذ الاحتلال الأمريكي لها، فكلهم كانوا أقرب للولايات المتحدة. وأكبر مثال هو أن نوري المالكي، المطيع لأمريكا والذي قاد العراق لفترة طويلة، عندما قرر أن يتقرب من إيران رفضت واشنطن تنصيبه بمنصب رئيس الوزراء، وأطاعت النخبة السياسية العراقية أمر واشنطن. كما تتكرر في البرنامج ادعاءات غير صحيحة عن مشاركة إيران مع الولايات المتحدة في إسقاط نظام صدام حسين. إيران في الحقيقة أغلقت أجواءَها الحدودية للطيران الأمريكي وخرجت مظاهرات حاشدة بإيران ضد الغزو مدعومة من قبل النظام. وهذه حقائق للتاريخ مهما كانت تحفظاتنا على مواقف بعض حلفاء إيران في العراق أو حتى على سياسات إيران.

نفس الشيء يتكرر في الحديث عن أفغانستان، حيث يكرر الضيوف الإشارة إلى التوافق الأمريكي الإيراني على إسقاط نظام طالبان في أفغانستان. وإن كان هذا الموقف حقًا يدين إيران ونرى إنه كان خطأً فادحًا، لكن طريقة طرحه تهدف إلى إجهاض شرعية المقاومة في إيران، وليس إلى نصرة أفغانستان. كما أنه يطرح بدون السياق الكامل للموقف الإيراني وعلاقته بالساحة الأفغانية وبحركة طالبان. فقبل غزو 2001، وتحديدًا عام 1998، قامت عناصر محسوبة على طالبان أو حليفة لها بقتل دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف في أعقاب سيطرة طالبان على المدينة. ولم تأخذ طالبان موقفًا حازمًا من القتلة من بعدها، وكانت طبول الحرب تقرع في كلتي الدولتين، وكانت طالبان بدورها تتخذ موقفًا عدوانيًا من إيران بسبب دعم إيران لتحالف الشمال الأفغاني. إلا أن طالبان بادرت بعد ذلك إلى التحقيق في الموضوع، ثم في سنوات الاحتلال وجدت تقاربًا مع إيران.

مسألة أفغانستان بالذات مسألة كاشفة: إذ بينما يغرق خصوم إيران في مكايدات سياسية ينتهي بها الحال إلى دعم الموقف الأمريكي الذي ينقدون إيران لأنها ساندته يومًا، فإن إيران وطالبان قد تخطتا هذه النقطة وأصبحت إيران تسلح طالبان في فترة احتلال الولايات المتحدة والناتو لأفغانستان. وبالمثل، نرى في حكومة طالبان الآن داعمة للموقف الإيراني. تاريخ علاقة إيران وطالبان يثبت أن السياسة ليست مكايدة، وأن البلدين يضعان المستقبل نصب أعينهما، وأن لهما عدوًا مشتركًا أكثر محورية من صراعاتهم الثانوية هو الولايات المتحدة.

لا نتحدث هنا عن المسامحة بمعنى سطحي، ولكن عن تغير المواقف وما يستتبعه. من الممكن إن كنا نقدم دراسة تاريخية أن ننقد (بل وحتى أن ندين) موقف كل من إيران وطالبان في وقته وسياقه، ولكن الأهم هو أن تغير المواقف والسياقات يجعلهما يقفان الآن في موقف واحد هو موقف العداء للإمبريالية الذي ينبغي أن يكون موقف الأحرار جميعًا.

مغالطات خصوم إيران، التي تصب في محاولتهم التهوين من شأن عداء إيران للولايات المتحدة أو تسليط الضوء على لحظات قصيرة من المهادنة بينهما تشي بفهم هؤلاء المغالطين لمركزية العداء للإمبريالية الأمريكية في وجدان جمهورهم العربي. يدرك هؤلاء أن الباب لتعاطف الجمهور العربي هو الموقف المناهض للولايات المتحدة، وفي كثير من الأحيان يكرر بعض الضيوف شعارات من هذا النوع قبل أن ينسحبوا إلى مواقعهم الانهزامية فتصبح هذه الشعارات ذريعة للانهزام لا سبيلًا للمواجهة. ومن هنا، يدركون أنهم لن يكسبوا الجمهور العربي لو قالوا صراحة إنهم ضد وقفة إيران في وجه أمريكا. وبدلًا من ذلك يلجأون إلى مغازلة الشعور التحرري العربي ولمز إيران لتبدو بأنها كاذبة.

غير أن هذه الرؤية المعادية لإيران أخذت تتهاوى مع الصواريخ الإيرانية التي تضرب تل أبيب، وتقصف القواعد العسكرية الأمريكية، وتقتل الجنود الأمريكيين، وتمنع سفنهم من العبور إلى مياهنا. كما أن الحضور المستمر لأحمديان ببرنامج «نقاش الساعة» يساهم في اختراق الرواية الإيرانية التي تم إسكاتها وتهميشها ومحاربتها طوال هذه العقود، حيث كانت إيران تشيطن، كدولة وكشعب وكطائفة ونسيج اجتماعي.

إن غياب الصوت الإيراني طوال هذه الفترة جعل من إيران كيانًا غريبًا مجهولًا، بينما في الواقع، هي وشعبها، جزء أصيل من منطقتنا، وقد لعبت دورًا أساسيًا في صياغة الهوية الإسلامية والثقافية والسياسية وتشترك معنا في كثير من العادات المعاصرة، خصوصًا في العراق وفي الخليج، وفي مصيرنا في وجه العدوان الصهيوني والهيمنة الأمريكية. وربما كان من مزايا التلقي العربي لـ«نقاش الساعة»، ولمشاركة أحمديان التي أحبها الجمهور العربي، إعادة إيران إلى موقعها الطبيعي.

Share This Article