واشنطن والأمم المتحدة تعلنان 1.8 مليار دولار لدعم العمل الإنساني وخطة لإصلاح منظومة المساعدات

المسار : عقد في مقر الأمم المتحدة الخميس مؤتمر صحافي حول تمويل النظام الإنساني الدولي والإصلاحات المرتبطة به، شارك فيه كل من مايك والتز، الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، وجيريمي ب. لوين، المسؤول الأمريكي المعني بملف المساعدات الإنسانية والإصلاحات التمويلية، إضافة إلى توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة الطارئة.

وركز المؤتمر على الإعلان عن تمويل أمريكي إضافي بقيمة 1.8 مليار دولار لدعم العمليات الإنسانية، إلى جانب عرض تفاصيل الإصلاحات التي تقول واشنطن والأمم المتحدة إنهما تعملان على تنفيذها داخل النظام الإنساني الدولي.

وفي بداية المؤتمر، قال والتز إن الولايات المتحدة تسعى إلى دعم ما وصفه بإصلاح منظومة العمل الإنساني داخل الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن واشنطن وقّعت في كانون الثاني/ ديسمبر الماضي مذكرة تفاهم تضمنت تمويلاً بقيمة ملياري دولار لدعم خطة “إعادة ضبط” العمل الإنساني التي يقودها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة.

وأضاف أن التمويل الجديد يأتي استكمالاً لهذا المسار، معتبراً أن الهدف هو تقليل الازدواجية والبيروقراطية ورفع نسبة الأموال التي تصل مباشرة إلى الأشخاص المحتاجين. كما أشار إلى أن الأمم المتحدة شهدت هذا العام، بحسب قوله، أول خفض في ميزانيتها العادية، إلى جانب تقليص بعض بعثات حفظ السلام التي اعتبرت الولايات المتحدة أنها استمرت لفترات طويلة دون تحقيق أهدافها المعلنة.

وأكد والتز أن هناك “رواية خاطئة” تتحدث عن تراجع الولايات المتحدة عن دعم الأمم المتحدة أو العمل الإنساني، معتبراً أن حجم التمويل الذي تم الإعلان عنه خلال الأشهر الماضية يعكس استمرار واشنطن في لعب دور رئيسي في تمويل المساعدات الإنسانية. كما شدد على أن الإدارة الأمريكية ترى أن أي أموال تُخصص للعمل الإنساني يجب أن تُستخدم “بأكبر قدر ممكن من الكفاءة والشفافية”، على حد تعبيره.

من جهته، عرض توم فليتشر تفاصيل الخطة الإنسانية للأمم المتحدة لعام 2026، موضحاً أن المنظمة تسعى إلى الوصول إلى 87 مليون شخص بمساعدات “منقذة للحياة” بتكلفة تقدر بـ 23 مليار دولار. وقال إن هذا الرقم يقل عن 1% مما ينفقه العالم على الأسلحة والأمن، مضيفاً أن المجتمع الإنساني يواجه في الوقت الحالي ارتفاعاً كبيراً في الاحتياجات الإنسانية يقابله تراجع في حجم التمويل الدولي المتاح. وأوضح أن نحو 300 مليون شخص حول العالم يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية، بينما تواجه المنظمات الإنسانية ضغوطاً متزايدة بسبب النزاعات المسلحة وتراجع التمويل.

وأشار فليتشر إلى أن التمويل الأمريكي السابق البالغ ملياري دولار جاء في مرحلة وصفها بالحرجة بالنسبة للنظام الإنساني، في وقت كانت فيه سلاسل الإمداد الإنسانية تتعرض لضغوط كبيرة وكانت عمليات العديد من المنظمات مهددة بالتوقف. وقال إن الأمم المتحدة تمكنت خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام من الوصول إلى 14.4 مليون شخص بمساعدات إنسانية، مضيفاً أن 1.71 مليار دولار من أصل التمويل الأمريكي السابق دخلت بالفعل مرحلة التنفيذ في 18 أزمة إنسانية مختلفة، مع خطط للوصول إلى نحو 22 مليون شخص من خلال ذلك التمويل وحده.

كما قدم المسؤول الأممي تفاصيل إضافية بشأن طبيعة المساعدات التي تم تقديمها، موضحاً أن أكثر من ستة ملايين شخص تلقوا مساعدات غذائية، بينما جرى توفير مياه آمنة وكافية لنحو 10.4 مليون شخص، إضافة إلى دعم أكثر من 690 منشأة صحية. وأشار أيضاً إلى تقديم مساعدات مباشرة لنحو 779 ألف أسرة، إلى جانب دعم مئات الآلاف من الأطفال الذين يعانون سوء التغذية الحاد. كما أكد أن جزءاً مهماً من التمويل خُصص لدعم النساء والفتيات، لا سيما الناجيات من العنف الجنسي في مناطق النزاعات.

وتحدث فليتشر كذلك عن الإصلاحات التي تقول الأمم المتحدة إنها تنفذها داخل النظام الإنساني، مشيراً إلى العمل على تقليص الازدواجية والبيروقراطية، ومنح فرق العمل المحلية في الدول المتضررة صلاحيات أوسع لتحديد الأولويات الإنسانية. كما أشار إلى إنشاء منصات إلكترونية جديدة تسمح بتتبع الإنفاق الإنساني بشكل أكثر تفصيلاً، بما في ذلك الجهات المنفذة والنتائج الميدانية، مؤكداً أن هذه الخطوات تهدف إلى تعزيز الشفافية والمساءلة أمام الدول المانحة.

بدوره، تحدث لوين بإسهاب عن الرؤية الأمريكية الجديدة لتمويل العمل الإنساني، موضحاً أن الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر أن النظام السابق لم يكن يحقق الكفاءة المطلوبة من وجهة نظر دافعي الضرائب الأمريكيين. وقال إن واشنطن رأت أن جزءاً من الأموال الإنسانية كان يُصرف على تكاليف إدارية مرتفعة أو على برامج لا ترتبط مباشرة بالمساعدات “المنقذة للحياة”، مضيفاً أن الإصلاحات الجديدة تهدف إلى تقليص النفقات الإدارية وتعزيز الرقابة وتتبع الأموال بصورة أكثر دقة.

وأوضح لوين أن الولايات المتحدة والأمم المتحدة عملتا خلال الأشهر الماضية على تطوير نموذج تمويل يعتمد على “صناديق مشتركة” تُخصص للدول والأزمات التي تتداخل فيها الأولويات الإنسانية مع المصالح الأمريكية، على حد قوله. وأضاف أن هذا النموذج يعتمد على تتبع مباشر للإنفاق والنتائج الميدانية، مع التركيز على إيصال المساعدات بسرعة أكبر وتقليل التكاليف التشغيلية. كما أشار إلى أن فرقاً ميدانية تعمل على مراقبة احتمالات الهدر أو تحويل المساعدات بعيداً عن مستحقيها، مع مشاركة البيانات بشكل مستمر بين الأمم المتحدة والجانب الأمريكي.

وخلال المؤتمر، أعلن المسؤولان الأمريكيان أن قائمة الدول المستفيدة من التمويل ستتوسع لتشمل دولاً إضافية مثل لبنان وفنزويلا وجمهورية أفريقيا الوسطى، مع الإشارة إلى أن التمويل الجديد يأتي ضمن توجه أمريكي طويل الأمد لإعادة تشكيل طريقة تمويل العمليات الإنسانية الدولية.

وفي فقرة الأسئلة والأجوبة، طُرحت عدة أسئلة بشأن الوضع في مضيق هرمز وتأثير التوترات الإقليمية على حركة المساعدات الإنسانية وسلاسل الإمداد التجارية. وقال والتز إن الهجمات التي تستهدف السفن التجارية تؤثر بشكل مباشر على تدفق المساعدات الإنسانية، متهماً إيران بزعزعة الاستقرار وتهديد الملاحة الدولية. كما أشار إلى تحركات داخل مجلس الأمن لدفع طهران إلى وقف استهداف السفن التجارية والسماح باستمرار تدفق المساعدات الإنسانية.

وشهد المؤتمر أيضاً نقاشاً حول الفجوة الكبيرة بين عدد الأشخاص المحتاجين للمساعدات وعدد الذين تستهدفهم الخطة الإنسانية الحالية. ورد فليتشر على سؤال بهذا الشأن بالقول إن الأمم المتحدة اختارت وضع هدف “واقعي” يستند إلى حجم التمويل المتوقع، مضيفاً أن المنظمة ركزت على الحالات الأكثر خطورة وإلحاحاً في ظل محدودية الموارد المتاحة، معرباً عن أمله في الحصول على تمويل إضافي يسمح بتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية.

وفي سؤال آخر حول ما إذا كانت التخفيضات والإصلاحات التي تدفع بها الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة تتعارض مع الكلفة الكبيرة للصراعات في الشرق الأوسط، وصف والتز السؤال بأنه “سؤال سخيف”، قبل أن يدافع عن سياسات الإدارة الأمريكية، قائلاً إن التكاليف الإنسانية الكبرى نتجت، بحسب وصفه، عن أفعال جماعات مسلحة وحكومات، وذكر على وجه الخصوص حزب الله والحكومة الإيرانية والنظام السوري السابق. كما قال إن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يهدف، بحسب تعبيره، إلى تجنب تكاليف أكبر مستقبلاً على المستوى الإنساني والأمني.

وخلال المؤتمر، شدد المتحدثون أيضاً على أن الحلول السياسية ووقف النزاعات يمثلان العامل الأساسي لتقليل الاحتياجات الإنسانية عالمياً. وأشار والتز ولوين إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تركز على دعم مسارات السلام في عدة ملفات دولية، من بينها السودان وسوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، معتبرين أن إنهاء النزاعات هو السبيل الأكثر فعالية لتقليل الاعتماد على المساعدات الإنسانية مستقبلاً.

وفي ختام المؤتمر، أكد فليتشر أن الأمم المتحدة ستواصل العمل على تنفيذ خطتها الإنسانية رغم التحديات المتزايدة، مشيراً إلى أن المنظمة ستواصل مراجعة أدائها وتطوير آلياتها بهدف إيصال أكبر قدر ممكن من التمويل إلى الفئات الأكثر احتياجاً حول العالم.

Share This Article