كتب غسان جابر: إسرائيل… آخر مشروع أمريكي قديم في شرقٍ يتغيّر

المسار: للمرة الأولى منذ عقود، تبدو إسرائيل كدولة تمتلك كل أدوات القوة… لكنها تتصرف كمن يخشى المستقبل.

هذا ليس خوفاً من صاروخ فقط، ولا من جبهة عسكرية جديدة، بل من تحوّل أعمق بكثير:
العالم الذي صُممت إسرائيل لتعيش فيه بدأ يتآكل أمام عينيها.

إسرائيل وُلدت في عصر أمريكي كامل الهيمنة؛
عصر كانت فيه واشنطن تتحكم بالاقتصاد العالمي، والإعلام الدولي، والممرات البحرية، والقرارات السياسية الكبرى، وحتى شكل الرواية التي يجب أن يصدقها العالم.

في ذلك الزمن، كان يكفي أن تقف الولايات المتحدة خلف أي مشروع حتى يصبح “حقيقة سياسية” مهما كان حجم الاعتراض عليه.
أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً.

الشرق الأوسط الذي بُنيت عليه العقيدة الأمنية الإسرائيلية يتغير بسرعة هائلة.
الصين تدخل المنطقة لا بالدبابات بل بالموانئ والاستثمارات والتكنولوجيا.
روسيا عادت من بوابة الطاقة والحرب الدولية وفرض التوازنات.
إيران تدير مشروع نفوذ طويل النفس قائم على الاستنزاف والصبر الاستراتيجي.
ودول الخليج نفسها لم تعد ترى العالم فقط من النافذة الأمريكية القديمة.

حتى مفهوم القوة نفسه تغيّر.

في القرن الماضي، كانت القوة تعني عدد الطائرات والدبابات وحاملات الطائرات.
أما اليوم، فالقوة الحقيقية باتت في:

من يسيطر على الرقائق الإلكترونية،

ومن يمتلك الذكاء الاصطناعي،

ومن يتحكم بالموانئ وسلاسل الإمداد،

ومن يستطيع التأثير على الرأي العام العالمي خلال دقائق عبر الهاتف المحمول.

وهنا تحديداً بدأت أزمة إسرائيل الحقيقية.

فإسرائيل التي امتلكت تفوقاً عسكرياً هائلاً لعقود، اكتشفت أن العالم الجديد لا يُدار فقط بالقوة العسكرية.
يمكنك أن تنتصر في معركة… وتخسر الرواية.
يمكنك أن تملك الطائرات الأكثر تطوراً… لكنك تعجز عن إقناع طالب جامعي في أوروبا أو أمريكا بعدالة ما تفعله.

ولهذا لم تعد المعركة بالنسبة لإسرائيل مجرد حدود أو صواريخ، بل أصبحت معركة شرعية وصورة ومستقبل.

الأخطر بالنسبة لها أن التحولات لا تحدث فقط في الشرق الأوسط، بل داخل الغرب نفسه.
الأجيال الجديدة في الجامعات الأمريكية والأوروبية لا تنظر إلى إسرائيل بعين آبائها.
وسائل التواصل الاجتماعي حطمت الاحتكار الإعلامي التقليدي، وأصبح الجندي يحمل سلاحه أمام كاميرا مفتوحة على العالم كله.

بل إن الانقسام لم يعد خارج إسرائيل فقط، وإنما داخل البيئة الغربية واليهودية نفسها، حيث بدأ سؤال الصهيونية ومستقبلها يُطرح بشكل غير مسبوق.

ومع ذلك، من السذاجة السياسية الاعتقاد أن إسرائيل على وشك الانهيار السريع.
الدول التي تمتلك مؤسسات قوية، وتفوقاً عسكرياً، ودعماً غربياً عميقاً، لا تختفي بين ليلة وضحاها.
لكن الخطر الحقيقي على أي مشروع يبدأ عندما يفقد قدرته على التكيّف مع الزمن الجديد.

وهنا يظهر السؤال الفلسطيني الأهم: ما مصلحة النظام السياسي الفلسطيني وسط هذا التحول الدولي؟

المصلحة الفلسطينية ليست في الارتماء الكامل داخل المحور الأمريكي، لأن التجربة أثبتت أن واشنطن تنظر إلى إسرائيل باعتبارها جزءاً من بنيتها الاستراتيجية في المنطقة، وليس مجرد حليف عابر.

وفي الوقت نفسه، ليست المصلحة الفلسطينية في التحول إلى تابع لمحاور أخرى، سواء كانت إقليمية أو دولية، لأن الدول الكبرى لا تدير العالم بالعواطف ولا بالشعارات، بل بالمصالح الباردة.

المصلحة الفلسطينية الحقيقية تكمن في بناء سياسة متعددة الاتجاهات:

انفتاح ذكي على الصين باعتبارها قوة اقتصادية صاعدة تبحث عن نفوذ طويل الأمد بأدوات مختلفة عن الغرب التقليدي.

الاستفادة من التناقضات الدولية مع روسيا وأوروبا والجنوب العالمي.

بناء علاقات اقتصادية وتكنولوجية لا تقتصر على البعد الأمني والسياسي.

والأهم: إعادة بناء الشرعية الفلسطينية الداخلية، لأن العالم لا يحترم شعباً منقسماً أكثر مما يحترم قضيته.

فلسطين لا تحتاج أن تتحول إلى بند في صراع المحاور الدولية، بل إلى لاعب سياسي يمتلك مشروعاً وطنياً عصرياً قادراً على مخاطبة العالم الجديد بلغته الجديدة.

للأسف، ما زال جزء من النظام السياسي الفلسطيني يفكر بعقلية التسعينيات، بينما العالم دخل عصر الحروب الاقتصادية والرقمية والمالية.
العالم يتغير عبر الذكاء الاصطناعي، والممرات التجارية، وتحالفات الطاقة، وتكتلات مثل BRICS، بينما ما زالت النخب الفلسطينية أسيرة الانقسام وإدارة الأزمة اليومية.

الحقيقة القاسية أن القضية الفلسطينية لن تستفيد تلقائياً من تراجع الهيمنة الأمريكية، ما لم يمتلك الفلسطينيون أنفسهم رؤية جديدة للدولة والسياسة والاقتصاد والإعلام.

إسرائيل اليوم تبدو قوية عسكرياً، لكنها قلقة استراتيجياً.
قلقة من التحولات الديموغرافية، ومن تراجع صورة الغرب، ومن عالم لم يعد يحتمل احتكار رواية واحدة، ومن شرقٍ بدأ يبحث عن توازنات جديدة خارج العباءة الأمريكية القديمة.

ولهذا قد تكون المعركة القادمة أخطر من أي حرب عسكرية؛
إنها معركة على شكل النظام العالمي القادم، وعلى من يملك حق كتابة روايته داخله.

وربما تستطيع إسرائيل أن تؤجل أزماتها بالقوة…
لكن لا جيش في العالم يستطيع احتلال المستقبل إلى الأبد.

فالمشكلة لم تعد أن الشرق الأوسط يرفض إسرائيل فقط…
بل أن العالم الذي صنع إسرائيل القديمة، يختفي ببطء.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

Share This Article