قرار قضائي إسرائيلي جديد يستهدف المسجد الإبراهيمي.. هذه أبعاده!

المسار : في تطور وصفته جهات فلسطينية بـ “الأخطر منذ سنوات”، فتحت المحكمة العليا الإسرائيلية الباب أمام تنفيذ مخطط تسقيف الساحة الداخلية للمسجد الإبراهيمي في الخليل، بعد رفضها الالتماس الفلسطيني المعترض على المشروع.
واعتبر مختصون ومسؤولون فلسطينيون، أن هذه الخطوة تُنذر بفرض تغييرات جوهرية على أحد أبرز المعالم الإسلامية والتاريخية في فلسطين، وسط تحذيرات من تسارع مخططات التهويد والسيطرة الكاملة على المسجد الإبراهيمي.
وفي يناير/ كانون الثاني 2026، صدّق ما يسمّى بـ “المجلس الأعلى للتخطيط بالإدارة المدنية” الإسرائيلية، على سحب صلاحيات التخطيط بشأن المسجد من بلدية الخليل، بدعوى “تسهيل إصدار رخصة بناء لمشروع تسقيف صحن المسجد”، بعد رفض البلدية طلبات إسرائيلية متكررة لتنفيذ المشروع.

ورفضت المحكمة العليا الإسرائيلية، في 20 مايو/ أيار الجاري، الاستئناف المقدَّم من جهات فلسطينية ضد مشروع الاحتلال ونيته تسقيف الساحة الداخلية في المسجد الإبراهيمي، ضمن مخطط استيطاني يستهدف تهويد المسجد، بالإضافة إلى مصادرة صلاحيات التخطيط وتحويلها إلى سلطات الاحتلال.
وأبقت المحكمة على قرار المصادرة، وعلى إمكانية المضي في تنفيذ مشروع التسقيف المزمع خلال الشهر المقبل، في سابقة قضائية تصدر عنها بخصوص المسجد الإبراهيمي.
انحياز القضاء مع الاحتلال..
ويرى مدير “الإبراهيمي”، معتز أبو سنينة، أن قرار المحكمة الإسرائيلية العليا برفض الالتماس المتعلق بمشروع تسقيف صحن المسجد، ومصادرة أجزاء منه، يُعد تطورًا خطيرًا يمس بشكل مباشر بالمكانة التاريخية والقانونية والدينية للمسجد الإبراهيمي الشريف.
ويوضح أبو سنينة، في حديث لوكالة للأنباء، أن القرار يكشف بصورة واضحة انحياز منظومة القضاء الإسرائيلية لمخططات الاحتلال الهادفة إلى فرض سيطرة كاملة على المسجد، عبر سحب الصلاحيات من الجهات الفلسطينية الشرعية وتحويلها إلى سلطات الاحتلال.
ويشكّل القرار اعتداءً خطيرًا على الوضع التاريخي والقانوني القائم في “الإبراهيمي”، وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي والمواثيق الدولية التي تحمي دور العبادة والأماكن التراثية والأثرية، خاصة أن المسجد الإبراهيمي مُدرج على قائمة التراث العالمي التابعة لـ “يونسكو”.
ويكمل: “القرار يأتي ضمن سلسلة متواصلة من اعتداءات الاحتلال بحق المسجد الإبراهيمي الشريف، بهدف فرض السيطرة وتغيير الواقع التاريخي، وطمس الهوية الإسلامية الخالصة للمكان، في مخالفة واضحة لقرارات الشرعية الدولية وقرارات يونسكو”.
وفي تعقيبه على قرار المحكمة، يشدد مدير المسجد، على أن هذه المحكمة لم تعد تشكّل أي رادع لسياسات الاحتلال، بل أصبحت أداة تمنح الغطاء القانوني لمشاريع المصادرة والتهويد.
وطالب بتحرك دولي وعربي وإسلامي عاجل لحماية المسجد الإبراهيمي والحفاظ على مكانته الدينية والتاريخية.
غطاء لتمرير مشاريع..
من جانبه، يؤكد مدير لجنة إعمار الخليل، مهند الجعبري، أن الاحتلال يعمل منذ سنوات طويلة على تنفيذ مشروع تسقيف “الإبراهيمي”، لكنه واجه على مدار السنوات الماضية عراقيل قانونية واعتراضات حالت دون تنفيذه.
ويوضح الجعبري، في حديثه لوكالة للأنباء، أن الاحتلال حصل بعد السابع من أكتوبر على غطاء مكّنه من تمرير مشاريع كان يسعى إليها سابقًا داخل الإبراهيمي.
وأشار إلى وجود قضية مرفوعة من لجنة إعمار الخليل وبلدية الخليل ووزارة السياحة والآثار وأوقاف الخليل، باعتبارها الجهات المسؤولة عن المسجد، اعتراضًا على المشروع.
وينوه إلى أن الاحتلال ادعى أمام المحاكم الإسرائيلية أن الجزء المستهدف بالسقف يقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، رغم أن الفلسطينيين لا يُسمح لهم بالدخول إلى تلك الساحات سوى عشرة أيام سنويًا، كما روّج للمشروع على أنه “إنساني” بحجة حماية المستوطنين من الأمطار خلال أداء الطقوس الدينية.
ويلفت الجعبري إلى أن الاحتلال استخدم الذريعة ذاتها سابقًا في مشروع المصعد الكهربائي داخل المسجد، تحت عنوان تسهيل وصول المستوطنين من ذوي الاحتياجات الخاصة، ما أدى إلى إقرار المشروع من قبل المحاكم الإسرائيلية.
وعن الهدف الأساسي من المشروع، يؤكد الجعبري أن الاحتلال يسعى لفرض مزيد من السيطرة على المسجد الإبراهيمي، خاصة أن المشروع يشمل إقامة سقف بمساحة تُقدّر بنحو 122 مترًا داخل موقع مُدرج على قائمة التراث العالمي الإنساني الإسلامي.
ويبيّن في تصريح صحفي، أن الاحتلال صعّد منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 من إجراءاته التضييقية داخل الإبراهيمي والبلدة القديمة في الخليل، لافتًا إلى تنظيم المستوطنين الأسبوع الماضي فعاليات واحتفالات بمناسبة مرور 59 عامًا على احتلال الخليل، تحت عنوان “أسبوع الخليل”.
وشملت الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة، السيطرة على مبنى بلدية الخليل وتحويله إلى نقطة عسكرية، إلى جانب تركيب حاجز حديدي جديد على مدخل البلدة القديمة، ما فاقم معاناة المواطنين.
استهداف موقع أثري..
ولا تتوقف خطورة القرار عند استهداف موقع ديني للمسلمين، بل تتجاوز ذلك إلى مخالفة قرار دولي بإدراج المسجد الإبراهيمي على قائمة التراث العالمي لدى منظمة “يونسكو” منذ عام 2017، باعتباره موقعًا تراثيًا عالميًا فلسطينيًا ومُعرّضًا للخطر.
وفي هذا السياق، يرى مدير مديرية السياحة والآثار في محافظة الخليل، جبر الرجوب، أن قرار المحكمة الإسرائيلية العليا الأخير بشأن المسجد الإبراهيمي يُعد من أخطر القرارات التي استهدفت الموقع خلال السنوات الأخيرة.
ويردف: “القرار لا يقتصر على إجراء قانوني أو تنظيمي، بل يمهّد لإحداث تغييرات جوهرية في معالم موقع ديني وأثري مُدرج على قائمة التراث العالمي لدى منظمة يونسكو منذ عام 2017، باعتباره موقعًا تراثيًا عالميًا فلسطينيًا ومُعرّضًا للخطر”.
ويوضح الرجوب، في حديث لوكالة للأنباء، أن خطورة القرار تكمن في منح سلطات الاحتلال غطاءً قانونيًا داخليًا للاستمرار في تنفيذ مشاريع تمس أصالة الموقع وسلامته التاريخية والمعمارية، وعلى رأسها مشروع تسقيف الساحة الداخلية للمسجد الإبراهيمي، والاستيلاء على “الساحة السماوية”.
كما تكمن خطورة القرار بنقل صلاحيات التخطيط والإدارة من الجهات الفلسطينية المختصة إلى ما تُسمى بـ “الإدارة المدنية” التابعة للاحتلال.
ويشدد الرجوب أن هذه الاعتداءات لا يمكن اعتبارها مشاريع خدماتية أو تنظيمية، بل تمثل محاولات واضحة لفرض واقع جديد داخل الإبراهيمي وتغيير طابعه التاريخي والقانوني القائم.
ويؤكد أن ما يجري يستهدف الرواية التاريخية والهوية الثقافية الفلسطينية في مدينة الخليل، خاصة أن المسجد الإبراهيمي والبلدة القديمة يشكلان جزءًا أصيلًا من التراث الإنساني والثقافي الفلسطيني.
وينوّه: “المؤسسات الفلسطينية تحركت منذ بداية هذا الملف بشكل قانوني ورسمي لمواجهة هذه الإجراءات، عبر اعتراض وشكوى رسمية أمام المحكمة الإسرائيلية في محاولة لوقف المشروع، إلا أن المحكمة الإسرائيلية العليا رفضت الالتماس، في خطوة تعتبر انحيازًا واضحًا لسياسات الاحتلال ومخططاته في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.
مطالبات بحماية عاجلة..
وتواصل وزارة السياحة والآثار الفلسطينية تحركاتها على المستوى الدولي من خلال التواصل مع منظمة “يونسكو”، ومركز التراث العالمي والهيئات الاستشارية المختصة، وعلى رأسها المجلس الدولي للمعالم والمواقع، للمطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المسجد الإبراهيمي، بما يشمل الضغط لإيفاد بعثات رصد دولية ووقف جميع الإجراءات الأحادية التي ينفذها الاحتلال داخل الموقع ومحيطه.
ويلفت في تصريح صحفي لوجود تنسيق متواصل مع محافظة الخليل ولجنة إعمار الخليل وبلدية الخليل والوزارات المختصة، لعقد اجتماعات طارئة ومؤتمرات صحفية وإعداد ملفات قانونية وفنية متكاملة، بهدف إبقاء هذا الملف حاضرًا أمام المجتمع الدولي، ومنع الاحتلال من فرض تغييرات لا رجعة فيها على واحد من أهم المواقع الدينية والتراثية في فلسطين والعالم.
من جهتها، استنكرت بلدية الخليل قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بشأن المسجد الإبراهيمي، معتبرة أنه اعتداء خطير على الحقوق والصلاحيات الفلسطينية ومخالفة صارخة للقانون الدولي.
وقالت في بيان سابق تابعته وكالة للأنباء، إن القرار يمثّل تصعيدًا خطيرًا يستهدف فرض السيطرة الكاملة على الإبراهيمي وتغيير طابعه التاريخي والقانوني.
وأضافت أن الاحتلال يسعى من خلال أذرعه القضائية إلى انتزاع صلاحيات المؤسسات الفلسطينية وإضفاء شرعية على إجراءاته الأحادية داخل المسجد الإبراهيمي.
وأشارت إلى أن المشروع المطروح لا يمكن اعتباره مشروعًا خدماتيًا، بل يأتي في إطار مخططات تهدف إلى تكريس التهويد وفرض وقائع جديدة داخل الإبراهيمي، بما يمهّد لفرض السيطرة الكاملة عليه.
وقالت بلدية الخليل إنها ستواصل تحركاتها القانونية والدبلوماسية مع المؤسسات الدولية لوقف هذه الانتهاكات المتصاعدة بحق الإبراهيمي والبلدة القديمة.
وتتعرض إدارة المسجد الإبراهيمي لسلسلة طويلة من الانتهاكات الإسرائيلية، تبدأ من الإغلاقات المتكررة وفرض الحواجز العسكرية، مرورًا بمنع رفع الأذان في أوقات الصلاة، وصولًا إلى الاعتداء على الموظفين والمصلين واحتجازهم وإبعادهم، وفرض تقسيم زماني ومكاني قسري داخل المسجد، في محاولة لطمس هويته الإسلامية والتاريخية.
كما يواصل الاحتلال تنفيذ مخططاته التهويدية بحق “الإبراهيمي” عبر اقتحامات المستوطنين اليومية بحماية قوات الاحتلال، وإقامة الطقوس التلمودية في ساحاته، وفرض إجراءات أمنية مشددة تعيق وصول المصلين، في إطار سياسة تهدف إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية على أحد أهم المعالم الدينية الإسلامية في فلسطين.

Share This Article