المسار : لم تعد الهجمة المتصاعدة على وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد حملة تستهدف مؤسسة أممية تقدم خدمات إنسانية للاجئين، بل باتت جزءا من مشروع سياسي متكامل يهدف إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وشطبها من جدول أعمال المجتمع الدولي، وتقويض الأساس القانوني والأخلاقي الذي قامت عليه مسؤولية الأمم المتحدة تجاه ملايين اللاجئين منذ نكبة عام 1948.
وفي هذا السياق، تأتي مطالبة 97 عضوا في الكونغرس الأمريكي بتفكيك الأونروا ونقل مهامها إلى جهات أخرى، باعتبارها حلقة جديدة في مسار الاستهداف المنظم للوكالة، وانسجاما واضحا مع الرؤية الإسرائيلية التي تنظر إلى الأونروا بوصفها شاهدا دوليا على النكبة الفلسطينية، وعقبة أمام محاولات تصفية قضية اللاجئين وحقهم في العودة إلى ديارهم التي هجروا منها قسرًا.
فالأونروا ليست مجرد مؤسسة إغاثية أو خدمية، بل تمثل اعترافا دوليا مستمرا بوجود قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبالمسؤولية السياسية والقانونية المترتبة على المجتمع الدولي تجاهها. ومن هنا، فإن استهداف الوكالة لا يقتصر على إنهاء خدماتها، بل يمتد إلى محاولة إنهاء الدلالة السياسية والقانونية التي تجسدها، باعتبارها أحد أبرز مخرجات القرار الدولي المرتبط بالنكبة وتداعياتها المستمرة.
وتتضاعف خطورة هذه الدعوات في ظل ما يتعرض له الشعب الفلسطيني، ولا سيما في قطاع غزة، من حرب مدمرة وسياسات تجويع وتهجير واستهداف ممنهج لمقومات الحياة. ففي الوقت الذي يعتمد فيه مئات الآلاف من اللاجئين على خدمات الأونروا في مجالات الإغاثة والصحة والتعليم والإيواء، تتصاعد الضغوط الرامية إلى إضعاف الوكالة وتقويض قدرتها على أداء مهامها، بما يفتح الباب أمام فرض وقائع سياسية وإنسانية جديدة تخدم مشاريع التهجير وتصفية الحقوق الفلسطينية.
إن تفكيك الأونروا أو استبدالها بمؤسسات إغاثية بديلة لا يعني فقط حرمان اللاجئين من الخدمات الأساسية، بل يهدف بالأساس إلى تحويل قضية اللاجئين من قضية سياسية ووطنية وحقوقية إلى مجرد ملف إنساني قابل للإدارة والاحتواء، في محاولة للالتفاف على حق العودة، والتنصل من القرارات الدولية التي أكدت الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني.
وأمام هذا التصعيد المتواصل، فإن المطلوب لا يقتصر على توفير الدعم المالي اللازم لاستمرار عمل الوكالة، بل يستدعي تحركا سياسيا ودبلوماسيا وقانونيًا واسع النطاق للدفاع عن الأونروا وحماية ولايتها الأممية، باعتبارها جزءا من منظومة الشرعية الدولية، وشاهدًا حيا على استمرار مأساة اللاجئين الفلسطينيين.
إن الدفاع عن الأونروا هو دفاع عن حقوق ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وعن الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وعن حق العودة بوصفه حقا فرديا وجماعيًا ثابتا لا يسقط بالتقادم ولا يمكن شطبه بقرارات سياسية أو ضغوط مالية. وكما فشلت المحاولات السابقة في طمس الهوية الوطنية الفلسطينية وإنهاء قضية اللاجئين، فإن المحاولات الراهنة لاستهداف الأونروا لن تنجح في إلغاء الحقوق التاريخية لشعب ما زال متمسكا بأرضه وذاكرته وحقه المشروع في الحرية والعودة وتقرير المصير.
بقلم “أشرف أبو الروس”تفكيك الأونروا: بوابة لتصفية قضية اللاجئين وإنهاء حق العودة

