| افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات |
مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS 3/6/2026
العلاقات الإسرائيلية المصرية: التحدي والفرصة
بقلم: د. عيران ليرمان
في الآونة الأخيرة، عاد النقاش الإعلامي والبحثي في إسرائيل حول نوايا مصر ومواقفها. وقد ساهم في ذلك مناورة عسكرية أجراها الجيش المصري في سيناء في نيسان 2026 (مع أنها نُسقت مسبقاً)، وذلك في ظل وجود عناصر مقلقة في الاستعدادات المصرية، فضلاً عن اختلافات جوهرية في المواقف بشأن عدد من القضايا، بدءاً من موقف مصر من الحملة في إيران وصولاً إلى مسألة اعتراف إسرائيل بأرض الصومال. وعلى الصعيد الاستراتيجي، فإن مسألة انضمام مصر إلى التحالف الذي يضم تركيا وباكستان والسعودية مطروحة على المحك. ويبرز هذا المعسكر “السني” بالفعل كرد فعل على إيران الشيعية ووكلائها، لكن لدى إسرائيل أسباب وجيهة للنظر إليه بقلق متزايد، لا سيما إذا انضمت إليه مصر بالفعل. ومع ذلك، هناك ما يدعو إلى الاستمرار في اعتبار نظام عبد الفتاح السيسي شريكاً في مكافحة التطرف الإسلامي، وجزءاً من التحالف الموالي للولايات المتحدة في المنطقة.
تكمن أهمية بالغة في تسليط إسرائيل الضوء على القضية المصرية، إذ غالبًا ما تُهمّش هذه القضية وسط زخم الأحداث. فمصر هي أهم جيران إسرائيل، وشريكها في السلام (وإن كان السلام متوترًا بعض الشيء، إلا أنه راسخ الآن في اتفاقية غاز طويلة الأمد) منذ جيلين، وهي الأكبر من حيث عدد السكان (120 مليون نسمة) بين دول الشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط. تمتلك مصر جيشًا نظاميًا ضخمًا، وقوة جوية جبارة، وبحرية متطورة تضم أسطولًا من الغواصات. كما يُسهم موقعها الجيوسياسي ووضعها السياسي في تعزيز أهميتها، وفي تفاقم التداعيات الخطيرة لتدهور العلاقات في حال تعمقت الشكوك المتبادلة.
لذا، بات من الضروري اتباع سياسة مدروسة وحذرة تُوازن بين ضرورة الاستجابة الأمنية للمخاوف المشروعة، من جهة، وتحديد القواسم المشتركة والمصالح التي تُسهم في ترسيخ اتفاق السلام، من جهة أخرى. من الصواب ضمان أن تأخذ معادلات بناء القوة في الجيش الإسرائيلي، على المدى البعيد، في الحسبان القوة المصرية – براً وجواً وبحراً – كعنصر خطر (وليس “تهديداً” بعد)، حتى وإن لم تكن هناك نية عدوانية في الوقت الراهن، ويجب الحفاظ على الردع ضدها. يجب على أجهزة الاستخبارات، اليوم، أن تراقب الوضع عن كثب (مع إعطاء الأولوية للجيش الإسرائيلي)، وتحديداً في قنوات المعلومات الاستخباراتية المفتوحة المصدر (OSINT)، التي تكشف للعين الخبيرة عن مواقف سياسية جوهرية، وقيود اقتصادية، وتيارات اجتماعية وأيديولوجية عميقة. في الوقت نفسه، فإن الميل إلى تضخيم الشكوك من جانب إسرائيل سيؤدي إلى تفسير مماثل في القاهرة، وستضر هذه الحلقة المفرغة بفرصة الحوار.
في الواقع، تشير زيارة السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة، التي تتشارك مع إسرائيل مواقفها بشأن العديد من القضايا المذكورة أعلاه – إيران، وتركيا، والقرن الأفريقي – والتي كُشف خلالها عن مساعدة القوات الجوية المصرية (إلى جانب أنظمة إسرائيلية!) في الدفاع عنها، إلى أن مصر تحافظ على حرية تصرفها. ليست إسرائيل مُلزمة باتفاق مشترك مع تركيا (التي لا تزال تشك في أيديولوجيتها ونواياها طويلة الأمد)؛ وترى ضرورة للمساهمة في ردها على إيران. وكذلك فيما يتعلق بحماس، ونظرًا لارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين، يُمكن لإسرائيل ومصر إيجاد أرضية مشتركة، طالما لا تسعى إسرائيل إلى “حلول” تتمثل في تهجير سكان غزة إلى ما وراء الحدود.
مصادر القلق: قوة مصر كعامل خطر
إن حجم الوجود العسكري المصري في سيناء – الذي يُبرر بالحاجة المُلحة لمحاربة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما “ولاية سيناء” التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية، والمتمركزة بشكل رئيسي في شمال شبه الجزيرة – قد تجاوز بكثير ما يسمح به الملحق العسكري لاتفاقية السلام لعام 1979. وقد تم تعزيز قوة القوات في المنطقة (ب) (عادةً) بعلم وتنسيق إسرائيل؛ وفي الماضي، كان هناك أيضًا تدخل إسرائيلي مباشر في دعم العمليات العسكرية المصرية هناك. ومع ذلك، فإن بعض خصائص هذا الوجود، حتى وإن لم يكن مُنظمًا ضمن أطر قتالية فرقية – كما هو مطلوب لشن حملة ضد جيش نظامي كالجيش الإسرائيلي – لا تتوافق مع متطلبات مكافحة الإرهاب. وهناك أيضًا مؤشرات على بناء بنية تحتية لنشر القوات الجوية المصرية في قواعد أكثر تقدمًا في سيناء في حالات الطوارئ، فضلًا عن تحسن ملحوظ في نظام النقل العسكري والبنية التحتية للطرق في سيناء. لذا، انضمّ بعض الإسرائيليين إلى الجهود المتواصلة للتحذير من أن هذا يُشير إلى نوايا مصرية للعودة إلى القتال مع إسرائيل عندما يحين الوقت، ويحظى النقاش البحثي حول هذا الموضوع بتغطية إعلامية واسعة.
ويكمن السبب وراء ذلك في القوة الإجمالية للجيش المصري (الذي يواصل تسليح نفسه على نطاق واسع، سواءً بالاعتماد على المساعدات الأمريكية أو من خلال عمليات شراء مدفوعة من مصادر متنوعة على جانبي الحدود – فرنسا وألمانيا، بالإضافة إلى روسيا والصين). تمتلك مصر 12 فرقة نظامية، معظمها مدرعة/مؤللة (مبنية على دبابات أبرامز الأمريكية)؛ وقوة جوية كبيرة، تضم مروحيات هجومية متطورة؛ وقوة بحرية كبيرة ومتطورة، تشمل أسطول غواصات. إن “التهديد المرجعي” الذي يُبرر هذا التسليح على هذا النطاق، بغض النظر عن اعتبارات هيبة الجيش ومكانته، هو الجيش الإسرائيلي بوضوح، كما يتضح أيضًا من التدريبات على مستوى هيئة الأركان العامة. بالتأكيد ليس جيوش جارتي مصر الأخريين، ليبيا (التي يسيطر على جزئها الشرقي المشير خليفة حفتر، حليف السيسي) والسودان (الذي يعاني من حرب أهلية). كما أن احتمال نشوب صراع مع إثيوبيا حول قضية سد النهضة لا يفسر طبيعة بناء القوات المصرية.
لذا، فإن الحاجة إلى الحذر والمراقبة الاستخباراتية المعمقة، مع التركيز على المصادر المفتوحة التي تُشير إلى التوجهات السياسية والرأي العام، والقيود الاقتصادية والأزمات المحتملة، والتيارات الاجتماعية العميقة، ومخاطر زعزعة الاستقرار وصعود القوى المتطرفة، ليست بلا أساس. من المهم أن تُراعي عوامل السياسة والتخطيط على المستوى السياسي وفي المؤسسة الدفاعية القدرات العسكرية المصرية بكافة جوانبها – برًا وجوًا وفي قطاع الدفاع وبحرًا – كجزء أساسي من معادلات بناء القوات في الجيش الإسرائيلي (كـ”خطر محتمل”، حتى وإن لم يكن تهديدًا فعليًا حاليًا، أي ليس لديه نية واعية لانتهاك اتفاق السلام..
إذا ما رافقت تحركات بناء القوة توضيحات بشأن دوافع إسرائيل – بأنها لا تنوي الإضرار بأمن مصر أو ترحيل سكان غزة إليها – فإن ذلك سيعزز الردع، الذي لعب دوراً منذ البداية (وخاصة بعد نتائج حرب يوم الغفران!) في قرار مصر بالتحول إلى طريق السلام.
قضايا خلافية – ومسألة توجه مصر
من بين العوامل التي أثارت النقاش حول أهداف مصر، عدة نقاط برزت فيها اختلافات جوهرية في الرأي خلال الحرب، وفي ظل أحداث إقليمية أوسع نطاقًا:
كغيرها من الدول العربية (والأوروبية!)، تنظر مصر بشدة إلى أساليب إسرائيل في حرب قطاع غزة – ولبنان – وإلى حجم الضرر الذي لحق بالسكان المدنيين الفلسطينيين، وهي شريك في تحركات الإدانة على الساحة الدولية. كما أنها تقود جامعة الدول العربية وتحركاتها في هذا الشأن.
في الوقت نفسه، نظرت مصر بقلق إلى الطريقة التي يتم بها تهميش دورها التقليدي كوسيط في تحركات التسوية مع قطاع غزة (والتي أصرت إسرائيل عام 2014 على أن مصر وحدها هي من ستتولى إدارتها!) لصالح قطر، بكل ما يترتب على ذلك.
لقد أثار اعتراف إسرائيل باستقلال أرض الصومال غضب مصر، التي سارعت إلى إعلان دعمها لوحدة الصومال، ورأت في هذه الخطوة توافقًا مع مصالح منافستها إثيوبيا، في أعقاب أزمة السد.
وقبل كل شيء، فيما يتعلق بالحملة في إيران، بدت مصر وكأنها تسعى إلى ترسيخ دور الوسيط، محافظةً على قنوات اتصال مع طهران (أو على الأقل مع وزير الخارجية الإيراني)، ومنكرةً الحرب وأهدافها.
ومن منظور أوسع، ساهم الخطاب الدبلوماسي المصري – في ظل الحرب وتداعياتها – في خلق انطباع بأن القيادة في القاهرة مستعدة للانضمام إلى مجموعة من القوى (يصفها البعض بـ”حلف الناتو الإسلامي”، أو “المحور السني”) التي تجمع بين المكانة السياسية والقوة العسكرية التقليدية (تركيا)، والأسلحة النووية (باكستان)، والموارد الاقتصادية الضخمة (السعودية). إن انضمام مصر المحتمل إلى هذه المجموعة – التي ينبغي أن تُثير توجهاتها، مع التركيز على القيادة التركية، قلق إسرائيل – قد تكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى. مع ذلك، وكما هو موضح أدناه، لا ينبغي اعتبار هذا أمرًا واقعًا أو حتى تطورًا حتميًا، وقد أثبتت مصر مؤخرًا مرة أخرى حرصها الشديد على الحفاظ على استقلاليتها في صنع القرار، ولا تزال تتعامل – إلى حد كبير عن حق – بحذر تجاه أهداف أردوغان، على الرغم من مظاهر الصداقة التي رافقت زيارته لمصر في فبراير 2026.
نقاط التقاء مع مواقف إسرائيل – وتداعيات زيارة الإمارات
عمليًا، وعلى الرغم من قضايا الخلاف، لا تزال هناك مجالات اتفاق مهمة بين إسرائيل ومصر، بما في ذلك في مجال الطاقة: يُعد توقيع اتفاقية الغاز متعددة السنوات بقيمة 35 مليار دولار في كانون الأول 2025، بعد أكثر من عامين من الحرب، وعلى الرغم من المشاعر القوية لدى الرأي العام المصري (إلى جانب التردد في إسرائيل بشأن الجانب التجاري)، ركيزة استراتيجية للعلاقة، ويعزز المصلحة المشتركة في استقرار شرق المتوسط.
في هذا الصدد، اتخذت مصر سابقًا موقفًا حازمًا، بالتنسيق مع اليونان، ضد التحركات التشريعية في أنقرة – التي تسارعت وتيرتها مؤخرًا – والتي تهدف، ظاهريًا، إلى إضفاء شرعية قانونية على أحدث تفسير تركي لقانون البحار. ووفقًا لأردوغان، لن يكون لجزر مثل رودس وكارباثوس وكريت أي صفة قانونية في ترسيم حدود المياه الاقتصادية، وستطالب تركيا بالسيطرة حتى حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لليبيا. هذا يعني أن مصر، وإسرائيل أيضًا، ستفقدان أي صلة باليونان وأوروبا، وبالتالي ستخضعان لحسن نية تركيا. ويبقى أن نرى ما إذا كان السيسي سيرد بمحاولات لاسترضاء تركيا أم بموقف مبدئي حازم، تدعمه إسرائيل.
إضافة إلى ذلك، شهدت زيارة السيسي إلى الإمارات العربية المتحدة – والتي أُعلن خلالها أيضًا أن مصر نشرت طائرات مقاتلة (طراز رافال) من سلاح الجو المصري للدفاع عن الإمارات، في حين نُشرت في الوقت نفسه قدرات دفاع صاروخي إسرائيلية هناك أيضًا؛ إن وجود مصر وإسرائيل “في خندق واحد” حدثٌ غير مألوف بحد ذاته، يُظهر أن مصر:
مستعدة الآن للمساهمة في الدفاع ضد التهديد الإيراني؛
تعتبر الإمارات شريكًا مهمًا، على الرغم من (أو بالأحرى بسبب) توتر علاقاتها مع السعودية؛
تتصرف وهي تدرك أن الإمارات، إلى جانب الهند وإسرائيل، تنظر إلى بنية القوى الإقليمية من زاوية مختلفة عن السعودية (وتدعم، جدير بالذكر، أرض الصومال وعملية الاعتراف بإسرائيل).
على الصعيد المبدئي، لا يزال نظام السيسي يُمثل ركيزة سياسية وأيديولوجية في مواجهة قوى الإسلام السياسي في المنطقة، بما فيها حماس، حتى وإن حافظ على أنماط من التواصل السياسي أو الاستخباراتي مع بعضها. كل هذا، بالإضافة إلى المأزق الذي وصلت إليه اتصالات نيكولاي ملادينوف مع حماس، يُهيئ إمكانية تحديد مصالح مشتركة مع مصر؛ والحفاظ على قناة سرية على مستوى رفيع؛ ووضع نظام رسائل متبادلة لتهدئة التوترات. بينما يتطلب الحذر الاستعداد وبناء القوة لمواجهة السيناريوهات القصوى، فإن الحكمة السياسية تستلزم الحذر من “ظلال الجبال كجبال” ومن تصعيد الشعور بالتهديد بشكل مفرط. ثمة ما يدعو للخوف من أن يؤدي تصاعد الخطاب العام حول نوايا مصر إلى توليد شكوك مماثلة في القاهرة وتصعيد التوتر. وقد جاء هذا التصعيد المتبادل في الوقت الذي سنحت فيه فرصة لتحديد نقاط اتصال مع القاهرة.
——————————————
هآرتس 3/6/2026
السيطرة على قلعة شقيف لن تغير الواقع، يجب التوصل الى اتفاق مع الحكومة اللبنانية
بقلم: رانيت غوترمان
قلعة شقيف في ايدينا – حقاً!. هتافات الفرح الاكثر اثارة للغضب التي سمعتها. القلعة الصليبية المدمرة، كومة الحجارة التي هي ليست لنا، اصبحت رمز تاريخي بالنسبة لكثيرين، وتزيد القوة الذكورية الخاصة لهم، أو الوطنية، الى درجة رفع المعنويات. بالنسبة لي هذه القلعة محبطة. فقد اخذت مني، فجأة بصورة مبكرة جدا، اخي البكر، الرقيب اول راز غوترمان، المقاتل في دورية غولاني، الذي حظي بان يكون في مجموعة الجنود الاولى التي وطأت قدمها هذه القلعة الملعونة في اليوم الاول لحرب لبنان الاولى في بداية حزيران 1982.
كان هناك الكثير من الشكوك والمواقف المختلفة بالنسبة لاهمية تلك المعركة. ولن ادخل في ذلك. ولكن اذا سالتم الاباء الثكالى هل المعركة التي قتل ابنهم فيها كانت معركة ضرورية، يبدو لي ان الجواب واضح، على الاقل بالنسبة لنوع الاباء الذين اعرفهم.
ما هو الضروري في معركة لم تغير أي شيء للواقع الامني في الشمال في تلك الفترة، بل وبشكل عام؟ ما هو الضروري في معركة حصدت ارواح الابناء الى الابد وكانت بداية للبقاء لسنين طويلة في منطقة امنية دموية؟ عندما قتل الكثير من الجنود في القلعة أو في محيطها بالقنابل الانشطارية والصواريخ والعبوات الناسفة، بما في ذلك الكثيرين الذين قتلوا في كارثة المروحيات التي كانت متوجهة الى قلعة شقيف. لو ان الواقع تغير بشكل دراماتيكي ولم تكن حاجة للقتال مرة اخرى ضد مخربي حزب الله، ربما كنت سأقول ليكن ذلك. ولكن حقيقة ان المواجهات العسكرية تندلع مرة تلو الاخرى تظهر انه ليست قلعة شقيف أو السيطرة عليها هي امور تغير الواقع، بل هي تؤدي الى المزيد من الجنود القتلى.
كمبرر للاحتلال الحالي كتبوا في الصحف بان وحدة “بدر” التابعة لحزب الله تعمل من قلعة شقيف، ومن هناك تحرك النشطاء. من سمع في السابق عن وحدة بدر؟ أنا لم اسمع بانه كان هناك أي مواجهة مع أي قوة، وهذا يبدو كوسيلة لتبرير “الاحتلال الاخير الباهر”. أنا احب دورية غولاني ولا استطيع قول كلمة سيئة عن الجنود، لكن الخطوات المسيحانية التي حدثت فيها وفي الجيش بشكل عام، هي خطوات مخيفة. ان تقديس كومة حجارة اكثر من قدسية الحياة غير مقبول بالنسبة لي.
كثيرون لا يتفقون معنا في الرأي، نحن عائلات من قتلوا في قلعة شقيف في 1982، ويقولون إننا يساريين ونكره اسرائيل، بل اننا اسوأ من المخربين. وحتى ان هناك من تجرأ على كتابة لوالدي بان ابنه لو كان على قيد الحياة لكان سيخجل منه. انا اقول له أنت شخص حقير، هذا ما يمكن ان اقوله لذلك الشخص. لا تتحدث عن اخي الذي كان بالتاكيد قريب من موقف والدي، وبالتاكيد لم يكن ليخجل منه. ان مستوى الاستقطاب والكراهية وصل الى درجة دموية.
ان الناس الذين يحاولن تحدي موقفي السياسي، يقولون انني يسارية، ساذجة، حالمة، غير واقعية، و”انظري الى الواقع حولنا… ما هو الحل لديك؟”. صحيح أنا اعرف أننا نعيش في واقع صعب وفيه اعداء، وان سويسرا ليست هنا. ولكن يجب، وهذا مهم بالنسبة لي، أن نتطلع الى التوصل الى اتفاق يبدو محتمل مع حكومة لبنان بحيث تكون مسؤولة عما يحدث فيها، وان تضغط على دونالد ترامب (بدلا من ان يضغط على اسرائيل) من اجل التوصل الى اتفاق مع ايران، بحيث يكون فيه بند يلزمها بوقف نيران حزب الله، الذي هو وكيلها في الشرق الاوسط. يجب على اسرائيل ان تنتشر على الحدود، أو تقريبا الى الداخل، من اجل ان لا تتفاجأ على الجدار، وان تحافظ على عين استخبارية يقظة. يجب عدم الاستخفاف بالمراقبات أو الغاءهن باقوال شوفينية. يجب علينا ان نكون مستعدين للتطورات، ليس بغطرسة أو بقوات محدودة، لكن يجب ان يكون ذلك في اراضي اسرائيل، وأن لا نبادر الى عمليات تورط زائدة.
لا يوجد مثل السلام “البارد” مع مصر، الذي قالوا بانه لا يساوي أي شيء، والذي اثبت نفسه مرة تلو الاخرى حتى في الاوقات الصعبة. هل يفضل احد حرب يوم الغفران 2 مع مصر على السلام البارد؟. اللافتة المعدنية التي وضعت في قلعة شقيف وتمت ازالتها في الاخلاء في العام 2000، هي مبادرة من شخص لا اعرفه. هو لم يستشرنا ولم يسالنا اذا كنا نريد وضعها في قلعة شقيف، ولم يسألونا عندما قاموا بانزالها ووضعوها في قاعدة الوحدة. من ناحيتي هناك هو مكانها. توقفوا عن الاتجار بذكرى اعزائنا.
——————————————
هآرتس 3/6/2026
الاسئلة المتعلقة بهدف الحرب وادارتها يتم اهمالها لصالح الاعتبارات الشخصية لنتنياهو
بقلم: تسفي برئيل
ان اخطر تهديد للدولة يكمن في كرسي رئيس الحكومة. فبين يديه ارواح آلاف الجنود، الذين يغطون انفسهم بشبكة الصيد ويشعرون انهم اسماك محاصرة. الرئيس الامريكي، الشخص الذي لا يتمتع بالاستقرار الاستراتيجي أو العاطفي، شخص بالفعل من الذي يجب عليه التعامل معه، وحتى انه قرر، حتى لو يكن ذلك استنادا الى تقرير صحي بل من واقع خبرته الشخصية، أنه امامه يوجد شخص “مجنون”.
صحيح انه ليس كل من يدعي بانه “قائد من نوع آخر” يشكل خطر على البشرية، لكن هذا المريض تم تشخيصه بشكل صحيح، وكان رد فعل دونالد ترامب مبرر. لانه في حين يسعى لانهاء “قضية ايران” والقضاء على “التهديد الوجودي”، الذي بذل نتنياهو جهود كبيرة لحشد كل العالم ضده، وفي الوقت الذي ينتظر فيه العالم اتفاق بين الولايات المتحدة وايران حول فتح مضيق هرمز، فان نتنياهو لديه امور اخرى تشغله، اهمها ضمان بقاء منصبه بعد بضعة اشهر.
ان الازمة الخطيرة بين ترامب ونتنياهو حول المسالة اللبنانية ليست فصل آخر في العلاقات بين اسرائيل وامريكا، بل هي بمثابة جرس انذار ينذر بوضع اصبح فيه رئيس الحكومة الاسرائيلية يعتمد سياسيا على الرئيس الامريكي الى درجة تضر بقدرة اسرائيل على الدفاع عن نفسها. عندما يصرخ ترامب على نتنياهو ويهاجمه ويقول: “الجميع يكرهونك الآن، الجميع يكرهون اسرائيل بسبب ذلك”، فان هذه ليست مشكلة دبلوماسية فقط، بل هي خطر امني حقيقي، لان الرئيس الامريكي يتحول الى رئيس اركان الجيش الاسرائيلي.
لا يحتاج اعتماد اسرائيل على الولايات المتحدة الى تفسير، الامر الذي يلزمها بالنظر بجدية الى المصالح والسياسة الامريكية. ولكن تصوير استسلام نتنياهو المدهش لترامب على أنه “خيار لا مناص منه” هو امر مضلل. فهناك فجوة كبيرة تفصل بين الاعتبارات العسكرية والاستراتيجية الجوهرية، حيث تعتبر الخلافات جزء من عملية اتخاذ القرارات، وبين الاعتماد الشخصي القريب من الاستسلام والضعف، الذي يملي قرارات رئيس الحكومة. تكمن اسس هذا الهجوم في الاسباب التي ادت الى الصراع، الاعتقاد بان حرب اخرى على شاكلة حرب لبنان الاولى ستحقق نتائج مختلفة، الشعور بالاهمية الشخصية الذي يجعل اسرائيل تعتقد انها صاحبة السيادة في لبنان وفي كل الشرق الاوسط.
ما الذي يجب ان يفكر فيه الجنود والقادة الآن؟ وما الذي يفكر فيه رئيس الاركان الذي يكرس كل قوته وطاقته لتخطيط العمليات العسكرية وتنفيذ الهجمات، لا سيما تحديد الاهداف الاستراتيجية، وهو يعرف ان خضوعه لرئيس الحكومة والحكومة غير نهائي ومطلق، لانه ملزم بالحصول على موافقة الرئيس الامريكي على العمليات التكتيكية ايضا؟. ليس جديدا ان يحصل رئيس الاركان على الاوامر من الرئيس الامريكي من خلال رئيس الحكومة. ولكن عندما يعرف ان اعتبارات قائده الاعلى، رئيس الحكومة، مبنية على وضعه القانوني، وعلى العفو نفسه الذي يتوقع ان ينتزعه ترامب من الرئيس اسحق هرتسوغ، وعلى استغلال الحرب في لبنان في الحملة الانتخابية حيث “صورة النصر” هي العلم الاسرائيلي فوق موقع قلعة شقيف، فانه يجب عليه سؤال نفسه، ومثله أي قائد في الجيش الاسرائيلي، هل مسموح له ارسال جنود الى موتهم باسم كل هذه الاعتبارات؟.
لانه بعد ان قرر الجيش الاسرائيلي نفسه بان نزع سلاح حزب الله لا يعتبر خطة منطقية، حتى لو اصبح كل لبنان ارض اسرائيلية محتلة، يطرح السؤال بقوة: ما هي جدوى الحرب؟ هل الهدف هو ابعاد قوات حزب الله عن الحدود؟ الى أي مدى؟ هل هذا الابعاد سيمنع اطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة؟ هل ستمهد الظروف عندها لعودة السكان المهجرين الى بيوتهم؟. لم يعد الجيش الاسرائيلي هو الجهة التي يمكن لمواطني اسرائيل قبول وعودها بدون تساؤل، لكن هذا مسالة ثانوية. فالاسئلة الاساسية المتعلقة بهدف الحرب وكيفية ادارتها يتم اهمالها لصالح الاعتبارات الشخصية للمتهم.
——————————————
هآرتس 3/6/2026
تنفيذ تهديد نتنياهو بالسيطرة على 70% من القطاع سيعرض للخطر الاف الغزيين
بقلم: جاكي خوري
لم يعد سكان قطاع غزة يقيسون الحرب بعدد القتلى وحجم الدمار. فهم يركزون على الهموم اليومية التي تتمثل بالحصول على الغذاء والدواء. ولكنهم ينتظرون بحذر تنفيذ خطة اعادة الاعمار والمساعدات الانسانية. ولكنهم عادوا في الاسبوع الماضي الى الانشغال بالقضايا السياسية، بالتحديد اعلان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو عن نية توسيع سيطرة اسرائيل على القطاع، من 60 في المئة الى 70 في المئة. بالنسبة للكثيرين من سكان غزة، سواء من النازحين أو الذين بقوا في بيوتهم، لا تعتبر هذه المسالة عسكرية فقط، بل مسالة تتعلق بالقدرة على مواصلة العيش في القطاع.
يعيش تقريبا 2 مليون فلسطيني في الوقت الحالي في غزة، والسيطرة على 10 في المئة اضافية منها ليست فقط مسالة تقنية بالنسبة لهم، لانه يتوقع ان يتم تهجير عشرات الآلاف من بيوتهم، لان اسرائيل لن تسمح لهم بالعيش في المناطق التي تخضع لسيطرتها، حيث يتركز حاليا على الاغلب عناصر من الفصائل المعارضة لحماس وعائلاتهم. هذه المناطق تمتد على عشرات الكيلومترات، وسيجبر سكانها، الذين يعانون اصلا من نقص شديد في البنى التحتية والمياه والغذاء والسكن، على النزوح منها. وحسب مصدر رفيع في وزارة الشؤون الاجتماعية في غزة الخاضعة لسيطرة حماس فان تقليص مساحة السكن الى 30 في المئة فقط قد يعني عدم قدرة عشرات آلاف السكان على العيش هناك.
وقال نفس المصدر: “من اجل السيطرة على 10 في المئة اضافية من المنطقة يجب تهجير عدد كبير من السكان. وهذه الخطوة ستشكل عبء لا يحتمل وستفاقم المشكلات الاجتماعية”. وقال ان قتل عناصر شرطة حماس ادى الى وضع يسمى “فراغ امني”، حيث لا احد يتصدى للسرقة والعنف والجرائم الاخرى، الامر الذي جعل المواطن يجد صعوبة في حماية نفسه وحماية عائلته وممتلكاته. وفي ظل تدمير البنى التحتية والطقس الحار فان اجبار عشرات الالاف على ترك المنطقة والانضمام للسكان الاخرين الذين تم اجلاءهم بالفعل يعني الموت او النزوح. انهم (في اسرائيل) يتحدثون عن الهجرة الطوعية، وهذه هي الخطة”.
يعتقد الدكتور عمر شعبان، الخبير الاقتصادي الفلسطيني الذي ترك القطاع عند بداية الحرب، بان توسيع السيطرة يتجاوز بكثير مسالة الحدود. ففي هذه الحالة ستشمل نسبة الـ 70 في المئة التي ستخضع لسيطرة اسرائيل المناطق الحدودية والمناطق الزراعية وخزانات المياه ومحطات تحلية المياه والمناطق الصناعية والاراضي المخصصة للتطوير في المستقبل. وقد أكد وقال: “سيتم تهجير حوالي 2 مليون فلسطيني الى 30 في المئة من مساحة قطاع غزة، الامر الذي سيؤدي الى زيادة كبيرة للكثافة السكانية وتفاقم الازمة في مجال الصحة والتعليم والسكن والمجاري”.
ويعتقد كثيرون في غزة بان اسرائيل تسيطر بالفعل على حوالي 70 في المئة من القطاع. وحسب سمير زقوط، الناشط الحقوقي في قطاع غزة، فقد تحولت مناطق كبيرة في رفح وخانيونس وشمال القطاع وشرقه الى مناطق عازلة او مناطق يصعب الوصول اليها. وقال بانه في موازاة تواجد الجيش على الارض هناك تدمير بطيء ومستمر في هذه المناطق – “منذ اشهر لا يمر يوم بدون انفجارات ودمار”. ونتيجة لذلك تتضاءل قدرة السكان على البقاء. واضاف بان ثلاث سنوات من الحرب والنزوح والعيش في الخيام اثرت على كل مجال من مجالات الحياة اليومية – القدرة على الحصول على المياه وصيانة المولدات والسيارات وانظمة الامداد الاساسية. حتى المطابخ المجتمعية التي كانت المصدر الرئيسي للطعام لعدد كبير من السكان بدأت في تقليص نشاطاتها.
يخشى السكان الذين بقوا قرب الخط الاصفر من العواقب على المناطق التي لم يتم اخلاءها من المدنيين حتى الآن. ويصف محمد، الذي يعيش في مخيم المغازي للاجئين في وسط القطاع، المعنى المباشرة لتوسيع السيطرة. فاذا تقرر بالفعل توسيع المنطقة التي تسيطر عليها اسرائيل فانه يقدر بان المزيد من السكان سيتركون مخيم البريج والمغازي ومناطق في شرق دير البلح. “هذا يعني موجة جديدة للنازحين”. واضاف محمد: “المزيد من الخيام والمعاناة”.
حتى في التجمعات السكانية المصنفة بـ “مناطق صفراء” أو “مناطق خاضعة لسيطرة اسرائيل” يتم الحديث عن تزايد الصعوبات. واشار الدكتور شعبان الى ان عشرات آلاف الاشخاص يعيشون في بعض هذه المناطق في مناطق مغلقة بشكل شبه كامل، لا يمكنهم التنقل بحرية ولا يسمح للغرباء بدخولها. وقال: “لا احد تقريبا يعرف عدد السكان هناك”. وحسب اقواله فانه من غير المفروض ان يتم اجلاءهم الى نسبة الـ 30 في المئة المتبقية من قطاع غزة في حالة توسيع سيطرة اسرائيل. ولكن هذا لن يخفف من اكتظاظ السكان.
ان التوتر الناتج عن مصادرة لا ينبع فقط من مسالة الحدود. فبالنسبة لسكان غزة الامر يتعلق بالمساحة التي سيستطيعون العيش فيها – الحصول على المياه والغذاء واعادة بناء بيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم. لذلك يعتقد كثيرون منهم ان نسبة الـ 70 في المئة ترمز الى قلق اكبر: الخوف من ان الحرب لن تغير الخارطة فقط، بل تغير ايضا قدرتهم على تخيل مستقبلهم ما بعد الحرب.
——————————————
القناة 12 العبرية 3/6/2026
أثبتت معركة لبنان أنه بدون هدف سياسي، سيتحول الإنجاز العسكري إلى حرب استنزاف
بقلم: عوفر شيلح
لم تُفاجئ التطورات الأخيرة في الساحة اللبنانية إلا من لا يزالون يؤمنون بغطرسة رئيس الوزراء ووزرائه، أو من انبهروا باحتفالية الفتح الرمزي لقلعة البوفور. وقد عبّر لي العديد من أصدقائي، الذين استولوا على البوفور بثمن باهظ من الدماء قبل 44 عامًا، عن استيائهم الشديد من حشد قوات جولاني في محاولة يائسة لخلق “صورة النصر”. أما بالنسبة لمن خاب أملهم ليس فقط في وهم “النصر المطلق”، بل أيضًا في الاعتقاد بأن ما لا يُجدي بالقوة سيُجدي بمزيد من القوة، فإن كل ما حدث منذ بداية آذار لا يُثير الدهشة إلا من حيث أن هناك من لا يزال متفاجئًا.
عندما أطلق حزب الله النار على الأراضي الإسرائيلية بعد اغتيال خامنئي، تفاخرت قيادتنا السياسية والعسكرية بأن التنظيم، الذي تلقى ضربة قوية في صيف وخريف 2024، قد وقع في فخنا الاستراتيجي، وأننا الآن قادرون على توجيه ضربة تقضي عليه نهائيًا. لم يكن لهذا أي أساس. تكتيكياً، اكتشف حزب الله (مثل حماس في غزة) قدرة الناجين على التعلم، فضمّ تشكيلاته شمالاً وهيّأ الميدان جيداً لحرب العصابات، مستخدماً هذه المرة بشكل رئيسي طائرات مسيّرة مفخخة. لم يكن لاحتلال الجيش الإسرائيلي للأراضي أي أهمية في الدفاع عن الجليل، بل كان مجرد غرق حتمي في مستنقع العمليات والأفكار، وهو ما يُكبّد الجيش ثمناً باهظاً يومياً من الخسائر البشرية، وانهاك القوات، وفقدان الشرعية.
لا يحمي “الشريط الأمني” الجليل من نيران المدفعية الثقيلة التي تُطلق من جميع أنحاء لبنان. والشريط الذي كان خاضعًا للسيطرة من عام 1985 إلى عام 2000 لم يفعل ذلك أيضًا؛ بل خلق منطقة حربٍ اشتبك فيها حزب الله والجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي، وفي كل مرةٍ فاض فيها الشريط (كما حدث في عمليتي “الحساب” عام 1993 و”عناقيد الغضب” عام 1996)، كان الشمال يتعرض لنيران كثيفة. أما بالنسبة للسيناريو المرعب الذي ساد في السابع من أكتوبر، فيمكن الوقاية منه أيضًا بما هو قائم منذ اتفاق تشرين الثاني 2024: دفاع قوي عن الحدود والمستوطنات، وحرية عمل تمنع تكدس القوات والموارد عند نقاط الانطلاق من الحدود، وشرعية أول حكومة في لبنان تطالب حزب الله بنزع سلاحه، وقبل كل شيء، تعزيز نظام الضغط الداخلي الذي يكبح جماح التنظيم.
لكن هذه كانت تحركات سياسية، ومنذ السابع من أكتوبر- وبالتأكيد منذ تولي الرئيس ترامب منصبه – لم يعد لكلمة “سياسي” وجود في قاموس إسرائيل. حكومةٌ ذات اعتبارات خارجية، وقيادة عسكرية تحمل وصمة الفشل وتخلت تمامًا عن دورها في صياغة الحرب، متجاهلةً حقيقة أن أي قرار عملياتي، مهما بلغ نجاحه (وفي لبنان، على عكس غزة، كان هناك قرارٌ بالفعل)، هو بطبيعته قصير الأجل. فإذا لم يكن متجذرًا في ترتيب سياسي، فإنه سيتلاشى في نهاية المطاف. حتى الجمهور المحبط والمتعب توقف عن المطالبة بمثل هذا العمل. ووفقًا للاستطلاعات التي نجريها في المعهد، لم يعد يعتقد أنه سيكون هناك إنجاز حقيقي في الشمال أو في إيران أو في غزة، بل يؤيد استمرار العملية العسكرية لمجرد أنها الشيء الوحيد الذي نعرفه.
في الحرب، جرت العادة أن يكون الجيش مثابة الحصان الجامح، كما وصفه موشيه ديان، بينما يتولى الجيش السياسي كبح جماحه عند الضرورة. لكن ترامب، بأسلوبه الفظّ والقاسي، يُعمل في الواقع وكأنه هو المستوى السياسي للجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يُعفي نتنياهو وهيئة الأركان العامة من التفكير. التفكير في سبب ضخّ المزيد من القوات في لبنان، التي لا تتمكن حتة من الدفاع عن نفسها. والفهم أن تدمير القرى، أو التكتيك الجديد الذي يفتخر به الجيش الإسرائيلي، يقضي فعلياً على أي إمكانية للتسوية، لأن حتى حكومة تُعارض حزب الله لا يُمكنها الموافقة على وضع يُصبح فيه مليون شخص لاجئين في بيروت، ومنطقة أرض مُحتلة من قِبل جيش أجنبي. التعلّم من التاريخ أن مثل هذا الوجود الدائم سيُعيد إحياء المقاومة العنيفة، سواءً من حزب الله أو غيره، والتي ستستمد شرعيتها من الحرب على المُحتل، وستُعيد بناء نفسها كما فعل حزب الله طوال 18 عاماً. وخلاصة القول من البيانات أن “المفهوم الأمني” الجديد للحكومة والجيش، والذي يتضمن المزيد والمزيد من الأحزمة الأمنية المزدوجة والثلاثية، سيؤدي إلى انهيار قوات الاحتياط والجيش بأكمله من تلقاء أنفسهم.
ترامب غير مهتم بلبنان. أمره الصادر ليلة الاثنين هو ثمرة مفاوضاته مع إيران، والتي يهدف الرئيس الأمريكي من خلالها إلى إنهاء الحرب، الأمر الذي يُكسبه شهرة سياسية في الداخل. هذا ما يحدث لإسرائيل على جميع الجبهات: نحن أداة غليظة تجوب الأرض مدمرةً كل شيء، لكن من يُشكّلون الشرق الأوسط هم عناصر أخرى، بعضهم يستفيد من الوضع، وبعضهم يفقد اهتمامه به تدريجيًا. ثم نصل إلى أسوأ ما في الأمر: جنود عالقون في منطقة إطلاق نار غير مواتية، في خدمة لا تنتهي، ومدنيون يشعرون، عن حق، بإهمال أمنهم، وأمريكي واحد يُملي علينا ما نفعله متى شاء.
ماذا الآن؟ يُملي المنطق السليم الاستعداد بالقرب من الحدود قدر الإمكان، مع انتشار محدود شمال الخط وكثيف جنوبه. الدخول في مفاوضات جادة بشأن التسوية، على أساس أنها ستتضمن انسحابًا جزئيًا إلى الحدود الدولية، وحرية العمل في مواجهة انتشار حزب الله في لبنان، وقبل كل شيء، تعزيز شرعية الحكومة اللبنانية وقدرتها على كبح جماحه، وفي الوقت نفسه، استثمارات ضخمة في الشمال لتحسين حياة سكانه، مع التأكيد بصدق على أن الحياة في إسرائيل لن تكون أبدًا مطابقة تمامًا لحياة من هم بعيدون عن الحدود. لكن هذا البديل الواقعي لا يجد له صوتًا اليوم، ليس فقط في الحكومة، بل حتى بين معارضي نتنياهو المزعومين. فقد أعلنوا بأنهم يعتزمون الإبادة والسحق والنصر العابث.
وماذا سيحدث؟ يقول التاريخ إننا سنبقى عالقين حتى يُجبرنا الواقع أو قوة خارجية على التحرك. ويقول أيضًا إن ذلك يستغرق وقتًا طويلاً ويكلف دماءً غزيرة.
——————————————
هآرتس 3/6/2026
يكشف تراجع اسرائيل في لبنان بناء على طلب ترامب اعتماد اسرائيل على أمريكا
بقلم: عاموس هرئيلِ
هددت ايران فذعرت الولايات المتحدة واسرائيل تراجعت. هذا باختصار هو آخر تطور في الحرب الدائرة ضد حزب الله في لبنان. في مكالمة هاتفية غاضبة في يوم الاثنين، منع الرئيس الامريكي دونالد ترامب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو من مهاجمة الضاحية الشيعية في بيروت. واعلن ترامب من جديد وقف اطلاق النار الذي لم ينفذ بعد، لكن يبدو ان حظر الهجمات في بيروت صامد في الوقت الحالي.
في الوقت الراهن خففت قيادة الجبهة الداخلية بعض الشيء من تعليمات الحماية في الشمال، لكن سكان المستوطنات على الحدود وجنود الجيش في جنوب لبنان ما زالوا يتعرضون لهجمات الطائرات المسيرة المتفجرة والصواريخ. على هذه الخلفية يبرز اكثر غياب وزراء الحكومة عن الشمال الذي يتعرض للقصف، اضافة للفشل في تلبية احتياجات المستوطنات.
يعتمد استمرار القتال في لبنان الان على قرارات ترامب وتقييمه لتاثير الحرب هناك على فرصة انهاء الحرب في الخليج. في غضون ذلك انكشفت تبعية السياسة الامريكية – الاسرائيلية للامريكيين وخضوعها لهم، الامر الذي زاد من اضعاف موقف اسرائيل الدولي. هذه ليست المرة الاولى التي يعرقل فيها ترامب تحركات الجيش الاسرائيلي، بدرجة متفاوتة من الحدة. فقد فعل ذلك هو يوجه الشتائم علنا، عندما اوقف الحملة الاولى ضد ايران في حزيران 2025، ويقال بانه اجبر نتنياهو على توقيع احدث صفقة رهائن مع حماس في تشرين الاول السنة الماضية، بعد ان استشاط غضبا من محاولة الاغتيال الفاشلة التي نفذتها اسرائيل في قطر ضد قادة فلسطينيين بارزين.
نشر براك ربيد، مراسل القناة 12 في واشنطن، امس تفاصيل مدهشة حول ما يوصف بالفعل بانه مشادة كلامية حادة بين ترامب ونتنياهو. وصف ربيد يستند الى مصادر امريكية واسرائيلية كثيرة، حيث تحدث عن نوبة غضب عارمة للرئيس الذي اتهم رئيس الحكومة بانه “مجنون”، وصرح “لولا وجودي لكنت الان في السجن”. وقال: “أنا انقذك. الجميع يكرهونك ويكرهون اسرائيل”. ونفى المقربون من نتنياهو شتائم ترامب وفقا لمراسل آخر في القناة هو عميت سيغال، ولم يعلق البيت الابيض علنا على الامر.
وقد سبق المواجهة بين ترامب ونتنياهو في مساء يوم الاحد، بينما كان الاخير على وشك المشاركة في مراسم استبدال رئيس الموساد، يوم مضطرب بين القوتين، السياسية والعسكرية، في اسرائيل. وقد شعر نتنياهو ووزير الدفاع اسرائيل كاتس بضغط كبير بسبب الخسائر الكبيرة نسبيا التي تكبدها الجيش الاسرائيلي جراء طائرات حزب الله المسيرة المتفجرة (قتل 6 ضباط وجنود واصابة العشرات في سلسلة احداث خلال عشرة ايام) وتاثير ذلك على المعنويات. وحتى محاولة حرف الانتباه من خلال عملية رمزية للاستيلاء على قلعة شقيف لم تنجح في تهدئة المخاوف. في اعقاب الانتقادات التي سمعت في وسائل الاعلام هدد الطرفين، عبر سلسلة رسائل وبيانات، بقصف الضاحية، وضغط على هيئة الاركان العامة لتقديم خطط ونتائج عملياتية.
في نفس الوقت بدأت موجة نزوح جماعي لسكان المنطقة خوفا من التعرض لهجوم اسرائيلي. وربما هذه التقارير هي التي اثارت قلق ترامب وفريقه، الذين خافوا من ان يقوض نتنياهو جهود وقف اطلاق النار في الخليج. في نفس الوقت وجهت ايران تهديد بمهاجمة اسرائيل اذا هاجمت بيروت. هذا التهديد جاء استجابة لدعوات يائسة من حزب الله الذي فقد مئات المقاتلين في قصف اسرائيلي، ويخشى انهيار آخر تحت الضغط العسكري.
منذ الحملة الكبيرة السابقة في 2024 نقل حزب الله جزء كبير من عملياته من داخل الضاحية الى خارجها، وشن سلاح الجو هجمات متفرقة هناك في المواجهات الحالية، التي اندلعت في آذار في اعقاب الهجوم الامريكي – الاسرائيلي على ايران. وهناك ثلاثة انواع رئيسية من الاهداف في الضاحية: ما يسمى بالاهداف الكبيرة، وهي مبان ضخمة مرتبطة بشكل معين بحزب الله، وشقق بديلة يستخدمها الحزب بعد اخلاء مقره الرئيسي خشية التعرض للهجوم وقادة كبار في الحزب. تتم الموافقة على اغتيال كبار المسؤولين من قبل نتنياهو وكاتس بعد فحص حجم الخسائر المدنية المتوقعة في كل هجوم. وهذه القضايا تناقش ايضا مع البيت الابيض والبنتاغون، الذين اعطوا الضوء الاخضر للهجمات في بعض الحالات.
يصعب جدا الاقتناع بان التنسيق بين الدولتين ما زال وثيقا وان الصداقة بين الزعيمين لم تتضرر، لا سيما مع حرص الرئيس على التعبير عن نفسه بهذه الطريقة المثيرة للجدل.
وقد ضغط رئيس الحكومة ووزير الدفاع في يوم الثلاثاء لاختيار اهداف تحدث اكبر قدر من التاثير. كان سلاح الجو يستعد بشكل كثيف لهجوم واسع على المدى القريب، الى ان صدر توجيه الالغاء من نتنياهو بضغط من ترامب. ومنذ ذلك الحين بذل وزراء واعضاء كنيست في الائتلاف جهد كبير للتقليل من شان ما حدث بادعاء ان التنسيق السياسي بين الدولتين وثيق وأن الصداقة بين الزعيمين لم تتضرر. يصعب الاقتناع بان هذا هو الوضع، لا سيما عندما يحرص الرئيس على التعبير عن نفسه بهذه الصورة المتملقة.
——————————————
يديعوت احرونوت 3/6/2026
السيناريوهات والمعضلة: الإملاء الذي فرض، خطر الاستنزاف وخوف حزب الله
بقلم: رون بن يشاي
وصلنا إلى هذا الوضع أساسًا لأن ترامب يسعى جاهدًا للتوصل إلى مذكرة تفاهم مع إيران وفتح مضيق هرمز، ولأن القيادة الإيرانية تُصرّ على إتمام الاتفاق بوقف إطلاق النار في لبنان أيضًا. أما السبب الثاني الذي يُجبرنا على الامتثال لأوامر واشنطن فهو اعتمادنا السياسي والعسكري واللوجستي على الولايات المتحدة الذي عززه نتنياهو، والعزلة الدولية التي تعاني منها دولة إسرائيل. والسبب الثالث هو وضع سكان الشمال، الذين يُجبرون، بعد أكثر من عامين من الحرب، على العيش وتربية أطفالهم وكسب قوتهم (أو عدم كسبه) تحت وابل دموي من الصواريخ والطائرات المسيّرة – لاجئون في منازلهم – بلا أفق للنهاية. إذا توقف حزب الله، نتيجة لوقف إطلاق النار، عن إطلاق الصواريخ عبر الحدود، فإن وضع سكان الجليل سيتحسن، ولو مؤقتًا. سيتحمل الجيش الإسرائيلي وطأة حرب الاستنزاف على الأراضي اللبنانية لفترة غير محددة، دون إيجاد حل للطائرات المسيّرة المتفجرة الموجهة بالألياف الضوئية.
من وجهة نظر الجيش الإسرائيلي، فإن بنود وقف إطلاق النار غامضة. ولا يُعرف ما إذا كانت قد وُضعت أي بنود واضحة خلال الحوار الحادّ والمُهين بين ترامب ونتنياهو. لكن من الواضح أن الجيش الإسرائيلي سيبقى ضمن حدوده الحالية، ومن المرجح أن يتمكن من تنفيذ مناورات برية محدودة هنا وهناك، أو قصف جوي مُوجّه لإخماد مصادر إطلاق النار إذا استمر حزب الله في استهداف قواتنا على الأرض.
لقد أصبحت أنشطة الجيش الإسرائيلي البرية والجوية الآن محدودة جغرافيًا، كما كانت قبل ثلاثة أسابيع، في أراضي جنوب لبنان على جانبي الخط الأصفر، كما أن قصف مواقع حزب الله في بقاع لبنان هو أمرٌ وارد.
لا مجال للحديث عن قصف الضاحية في الوقت الراهن. هذا يعني أن دولة إسرائيل والجيش الإسرائيلي قد فقدا مؤقتًا أداة نفوذ مهمة على حزب الله والحكومة اللبنانية. رغم أن معظم قيادات حزب الله قد فرّت منذ زمن طويل من هذا الحي الشيعي الشاسع في جنوب بيروت، إلا أن غالبية الشيعة، من أئمة بارزين ونخبة مثقفة وثريّة، ما زالوا يقطنونه، إلى جانب آلاف العائلات اللاجئة التي نزحت من قرى شيعية في الجنوب. بعضهم يستأجر منازل، وبعضهم الآخر ما زال يتجول في الشوارع.
لذا، ورغم عدم وجود أهداف قيّمة في الضاحية ومستودعات أسلحة ضخمة تستدعي التدمير، كما كان الحال قبل أكثر من عامين خلال عملية سهام الشمال، فإن أي دمار كبير في الضاحية سيوجّه ضربة قاصمة للشيعة عموماً ولحزب الله خصوصاً.
شاهدتُ ذلك بنفسي عندما وصلتُ إلى الضاحية في آب 2006، بعد أيام قليلة من حرب لبنان الثانية. رأيتُ كتلًا من المباني المدمرة، أسطحها تلامس أقبيتها، ضمن مساحة مربعة تبلغ نصف كيلومتر مربع تقريباً، حيث كانت تقع مقرات حزب الله بين منازل المدنيين وداخلها. لم يكن الدمار الذي ألحقه سلاح الجو آنذاك مُستهدفًا، بل كان تدميرًا لذاته، كعقاب وردع، وكان شبه كامل (انتهت فترة استهداف أجهزة المخابرات وسلاح الجو بعد أيام قليلة من اندلاع حرب لبنان الثانية).
سار مدنيون مذهولون بين أكوام الأنقاض، يصفقون بأيديهم حزنًا. كانت النساء يبكين ويسألن: “إلى أين نحن ذاهبون؟”، وحاول مسؤولو حزب الله الذين هرعوا بين الناس تهدئتهم ووعدوهم بأن إيران ستعوضهم عن خسائرهم. استغرق الأمر من الشيعة، بمساعدة إيرانية كبيرة، أكثر من عشر سنوات لإعادة بناء أنقاض هذا الجزء من الضاحية ومناطق أخرى في لبنان.
العمل أولًا، ثم التهديد
لا عجب أن حزب الله خائف جدًا اليوم. وضعه أسوأ بكثير مما كان عليه قبل عشرين عامًا. لن يضطر عشرات الآلاف من المواطنين الأثرياء وذوي النفوذ من الطائفة الشيعية للاختيار بين الفرار والموت فحسب، بل قد يؤدي ذلك أيضًا إلى فقدان الطائفة الشيعية سيطرتها على العاصمة الاقتصادية والسياسية للبنان، حيث يقع مطار لبنان الدولي وميناء الشحن.
يأتي هذا في وقتٍ يُعاني فيه مئات الآلاف من الشيعة (من أصل أكثر من مليون) الذين نزحوا من قرى الجنوب، من التشرد والنزوح إلى الشوارع، ليصبحوا لاجئين في وطنهم. ولن تتمكن إيران، التي يعاني اقتصادها من الانهيار وقواتها الأمنية من الضعف، من تقديم الكثير من المساعدة لهم حتى لو وقّع ترامب اتفاقيةً ترفع العقوبات.
وتعارضهم الطوائف الأخرى في لبنان، وجزء كبير من الطائفة الشيعية، لا سيما الحرب العبثية التي يشنونها ضد إسرائيل، وتُحاول الحكومة اللبنانية تدريجياً، في المفاوضات التي تُجريها مع إسرائيل، إنكار الشرعية التي اكتسبوها بادعائهم أن “حزب الله هو حامي لبنان من إسرائيل”.
ولا يقل أهميةً عن ذلك، أن حزب الله سيجد صعوبةً في تهديد الطوائف الأخرى والحكومة بحرب أهلية في حين أن معظم أتباعه خارج العاصمة. لذلك، إذا قامت إسرائيل بإزالة المباني في الضاحية واحدةً تلو الأخرى كما فعلت عام 2006، فسيُجبر الحزب على مواجهة ضغوط داخلية وخارجية يصعب عليه تحملها.
لذا، كان نتنياهو محقًا عندما استجاب لطلب رئيس الأركان وكبار المسؤولين الأمنيين وأذن بقصف الضاحية. لكن بدلًا من التهديد عبر تويتر والإعلان المسبق، كان ينبغي السماح لسلاح الجو أولًا بتنفيذ ما يسميه الجيش الإسرائيلي “استعراضًا للقوة”. بعبارة أخرى، قصف مبنيين أو ثلاثة مبانٍ مهمة لإظهار حزب الله والحكومة اللبنانية وأفراد الطائفة الشيعية ما ينتظرهم، ثم شرح الأمر لترامب لاحقًا بأنه لم يكن هناك خيار آخر أمام الهجوم الشرس الذي يشنه حزب الله على إسرائيل.
لم يكن ذلك ليمنع ترامب من الغضب الشديد، والصراخ، وإذلال نتنياهو، وتسريب ذلك إلى وسائل الإعلام العالمية لإرضاء الإيرانيين ومواصلة المفاوضات معهم، كما فعل بالأمس. لكن على الأقل كانت هناك فرصة لأن يبادر حزب الله وداعموه الإيرانيون إلى إخماد النيران في الساحة اللبنانية حتى لا يواصل سلاح الجو الإسرائيلي قصف الضاحية.
لو نفذت إيران تهديدات قادتها العسكريين بشن هجمات على شمال إسرائيل لدعم حزب الله، لكان سلاح الجو قد جدد هجماته على إيران أيضاً، كما يرغب الجيش الإسرائيلي وهو مستعدٌّ لفعله على أي حال.
لقد أفسد نتنياهو مرة أخرى خطوةً جيدة كان قد خطط لها، لأنه تسرع في التبجح. يجب التنفيذ أولاً ثم التهديد، بدلاً من التهديد ثم التراجع. يبقى أن نرى كيف سنخرج من هذا المأزق بأقل قدر من الضرر.
ماذا نفعل الآن؟
المعنى العملي للامتثال لإملاءات واشنطن هو وقف جزئي لإطلاق النار، هدفه الرئيسي – إن التزم به حزب الله – تخفيف الضغط على المدنيين غير المتورطين على جانبي الحدود اللبنانية. وهذا ليس بالأمر الهين، بل هو أمرٌ مرغوب فيه. وقف إطلاق النار “المدني” سيمنح سكان شمال إسرائيل راحةً من الضغط الجسدي والنفسي المتواصل الذي يتعرضون له.
سيتمكن جهاز الدفاع من التركيز بشكل أكبر على تطوير وإنتاج حلول تحييد أو على الأقل تخفيف الخسائر البشرية التي تتكبدها القوات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية جراء استخدام الطائرات المسيرة المزودة بالألياف الضوئية. يكمن الخطر في هذا الوضع في أنه إذا استمر لعدة أشهر، فقد يترسخ ويتحول إلى نسخة ثانية من حرب الاستنزاف في المنطقة الأمنية اللبنانية، على غرار ما شهدناه لمدة 18 عامًا حتى أيار 2000.
ثمة احتمال آخر يتمثل في انتهاك حزب الله لوقف إطلاق النار في الأيام المقبلة. حينها سيواجه نتنياهو معضلة قاسية: هل يقرر ما إذا كان الوضع – وتحديدًا عدد الضحايا والغضب الشعبي الإسرائيلي – يبرر قرارًا بعصيان ترامب، وتقويض المفاوضات الدبلوماسية مع الحكومة اللبنانية، والمخاطرة برد إيراني، والشروع في تحرك عسكري كبير يغير الواقع في لبنان، أم يصبر وينتظر انتهاء المفاوضات مع إيران ثم يعيد النظر في كيفية التصرف في لبنان؟
يجب توضيح الأمر: ينبغي لأي تحرك عسكري كبير في لبنان أن يزيل، على الأقل لفترة تتراوح بين أشهر وسنة، تهديد حزب الله لشمال البلاد وقواتنا. ولذلك، يجب أن يشمل هذا التحرك مناورة برية واسعة النطاق وسريعة ودقيقة، تمتد على الأقل حتى نهر الزهراني في جنوب لبنان، بالإضافة إلى قصف مكثف في بيروت وصيدا والبقاع.
يقع قطاع “بدر” التابع لحزب الله الواقع بين الحدود الإسرائيلية والزهرانية، ومنه تنطلق منه معظم عمليات إطلاق الصواريخ على الأراضي الإسرائيلية. أما في العاصمة والمدن الساحلية والبقاع، فيوجد السكان الذين يؤثرون على رئيس مجلس النواب نبيه بري وغيره من صناع القرار في حزب الله. يجب تنفيذ هذا التحرك بدعم من واشنطن، أو على الأقل بالتنسيق معها، لأنه قد يمتد إلى إيران ويشكل تحديًا لمخزون الجيش الإسرائيلي من الأسلحة وقطع الغيار. إنها معضلة معقدة عمومًا، ولا سيما بالنسبة لبلد على أعتاب انتخابات.
——————————————
معاريف 3/6/2026
ضعفاء في الدبلوماسية
بقلم: افي اشكنازي
ينبغي لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ان يواسي نفسه بأمر واحد: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فعل به فعلة “زلنسكي”، لكن مع تنزيلات للاصدقاء: “الخازوق” فعله له هاتفيا، وليس أمام كاميرات التلفزيون. الرئيس الأمريكي هو صديق حقيقي لإسرائيل. هو الراشد المسؤول هنا في الساحة. هو يفهم بان للقوة يوجد دوما قيد، والحروب لا يمكنها أن تدار الى ما لا نهاية. دور الحكومة، كل حكومة، هو ليس فقط أن تأمر الجيش الإسرائيلي بالعمل في هذه الساحة او تلك، بل التفكير في نظرة عليا، برؤية استراتيجية.
قبل 7 أكتوبر لم تكن لإسرائيل معلومات استخبارية، لم يكن استعداد عسكري او رقابة على المنظومة الأمنية من المستوى السياسي. لكن فوق كل شيء، لم تكن خطة استراتيجية لغزة، لبنان او لاي ساحة أخرى. المبادرات تأتي من الخارج، إذ انه حتى اتفاقات إبراهيم الفاخرة هي نتاج عمل دبلوماسي امريكي. إسرائيل لا تعرف كيف تبادر لخطوات دبلوماسية وعندها تعلق في أزمات أمنية. فهمها كيف تحل الازمة، هو فقط بادوات عسكرية.
إذن هذا هو. المهمة العسكرية يجب أن تتم بتوازن، بشكل مركز لكن بأقصى القوة، وليس اقل أهمية – الخطوة العسكرية يجب أن تكون قصيرة قدر الإمكان. في هذه اللحظة تخوض إسرائيل معارك في الساحات المختلفة بلا حسم، لكن أسوأ من ذلك – بلا خطة استراتيجية. وضع الأمور هذا ينهك الجيش الإسرائيلي حتى النهاية ومقاتلو النظامي يقاتلون بلا نهاية. لم يسبق أبدا للجيش الإسرائيلي أن القى بمثل هذا العبء على مقاتلي النظامي. جنود الاحتياط يستدعون لفترات خدمة من أربعة اشهر على التوالي، وهم منذ الان اصبحوا في الدولة السابعة منذ 7 أكتوبر 2023. صواريخ الاعتراض، الطائرات وباقي الأسلحة بحاجة الى انعاش وترميم بعد تآكل لا نهاية له من القتال في الساحات المختلفة.
وفوق كل هذا يوجد أيضا الوجه المدني. سكان الشمال يعيشون منذ الان اكثر من مئة يوم من حرب قوية من فوق رؤوسهم. الرابحون الأكبر من هذا الوضع هم على ما يبدو شركات الطيران التي تسوق أقراص تهدئة لدولة كاملة. ولم نتحدث بعد عن الاعمال التجارية والعائلات المنهارة، وبعد كل هذا تبحث القيادة الإسرائيلية عن سبيل لحسم الوضع بالقوة. بالضبط مثل خط تفكير مقاتلين شبان الذي بموجبه “ما لم ينجح بالقوة، سينجح بمزيد من القوة”.
لقد كانت إسرائيل ملزمة بان تضرب قيادة حزب الله واولا وقبل كل شيء زعيم التنظيم نعيم قاسم. إسرائيل كانت ملزمة بان تفكك البنى التحتية لحزب الله في الضاحية في بيروت. لكن ماذا؟ على مدى أسابيع، والاحرى لاكثر من 40 يوما حين كان يمكنها أن تفعل هذا لم تفعله. يا للخسارة. اما الان، حين وجد حزب الله نقطة الضعف من خلال الحوامات المتفجرة، هنا أيضا كان ينبغي لإسرائيل أن تعمل بسرعة وبحدة. ان تعمل بقوة كبيرة وبشكل مركز ضد كبار مسؤولي حزب الله، ضد غرف العمليات والقيادة وضد رجال اللوجستيات في التنظيم ممن يحركون القوة لنشطاء التنظيم الذين لا يزالوا يتواجدون في جنوب لبنان.
لكن ماذا فعلت إسرائيل؟ عملت كي تحتل ارضا أخرى. الاستيلاء على الأراضي، إبادة مخربين وتطهير بنى تحتية للعدو، كل هذا هام. لكن على الحرب ان تكون حادة، سريعة وكثيرة القوة. محظور الانجرار الى حرب طويلة، زاحفة وبلا حسم. المستوى السياسي ملزم بان يفهم بانه بعد الحرب يجب العمل مع خطة سياسية. هذا ما لا يفهموه في القدس. بالمقابل فان الرئيس الأمريكي بالذات فهم بالفعل واستوعب بان المستوى السياسي الإسرائيلي غير قادر على أن يخلق حسما عسكريا وسياسيا.
——————————————
هآرتس 3/6/2026
يا بينيت، أي ارتباط مع ايزنكوت سيضر بكتلة التغيير
بقلم: سامي بيرتس
ان الضغط الكبير الذي يستخدمه رؤساء حزب “معا”، نفتالي بينيت ويئير لبيد، على غادي ايزنكوت وحزبه “يشار”، من اجل الاتحاد معهم والترشح تحت قيادة بينيت، ليس الا محاولة سافرة لتصحيح الخطوة المتسرعة التي قاموا باتخاذها عندما توحدا في قائمة واحدة. اصل الخطأ يكمن في الدافع الخاطيء وراء ذلك. عشية اتحادهما توقعت الاستطلاعات حصول بينيت ولبيد على 25 – 30 مقعد في حالة ترشحهما بشكل منفصل، لكنهما تراجعا بالتدريج منذ ذلك الحين الى حوالي 22 مقعد. كان منطق الاتحاد هو رغبة بينيت في ان يكون العامل المهيمن في كتلة التغيير، ورغبة لبيد في تجنب الفشل في صناديق الاقتراع، ولم يكن الهدف الاسمى هو استبدال الحكومة الاسوأ في تاريخ اسرائيل.
يعرف بينيت ولبيد كيفية التعاون والعمل معا، لكن هناك بين مؤيديهم من لا يفضل هذا الاتحاد، لا سيما من ناحية بينيت. مهمته هي جذب اصوات الذين خاب املهم من ائتلاف نتنياهو، وارتباطه مع لبيد لا يخدم هذا الهدف في الوقت الحالي. لذلك فان الاستطلاعات اقل ايجابية، ويزداد الضغط عليه للارتباط مع ايزنكوت الذي يتعزز موقفه في الاستطلاعات.
يعتقد بينيت بان الراي العام توجه نحو اليمين منذ 7 اكتوبر. وبالتالي فان زعيم من اليمين فقط يستطيع هزيمة حكومة نتنياهو الحالية. مع ذلك، بدلا من جذب اصوات من اليمين، فانه يبحث عنها بين ناخبي الوسط. وبدلا من ضم اعضاء من اليمين الى حزبه فانه يتواصل مع اشخاص من وسط الخارطة السياسية. قد يكون هذا ينبع من صدمة سلمان/شيكلي، اللذين تخليا عنه ومنعا بقاءه رئيس للحكومة. لذلك هو يخشى من السقوط في فخ اشخاص كهؤلاء من جديد.
كما قيل، كلفه ارتباطه بلبيد خسارة بعض المقاعد، لذلك هو يحاول الانحراف قليلا الى اليمين وتجنب تسليط الضوء على لبيد، ويدير حملة تستهدف اعضاء الليكود، من خلال استخدام شخصية مناحيم بيغن ايضا. ربما لا يكون هذا جذاب بما فيه الكفاية بالنسبة لناخبي اليمين، ويحتمل ان يضيف في مرحلة معينة شخص آخر من اليمين لتصحيح هذا الانطباع. وهناك عدد غير قليل كهؤلاء في الساحة السياسية مثل اييلت شكيد ويوعز هندل وجلعاد اردان ويولي ادلشتاين.
توجد لبينيت اسباب للخوف من عودة شكيد، لانه قد يخسر ناخبي الوسط بين عشية وضحاها، الذين يعتبرون انه مرشح جيد لرئاسة الحكومة، ولكنهم لا يستطيعون التصويت لسياسي تشبه مواقفه مواقف لفين. هذه معضلة حقيقية، لكن كي يتمكن تحالف التغيير من تشكيل الحكومة يجب عليه أن يحصد مقاعد من الليكود والمناطق الصهيونية الدينية، وان يمتنع عن منافسة ايزنكوت على اصوات ناخبي الوسط الذين لا يساهمون في زيادة عدد اعضاء هذا التحالف. بل ان أي ارتباط مع ايزنكوت قد يفقد التحالف اصوات ناخبي اليمين المعتدل، الذين يميلون اليه اكثر، والى خبرته واسلوبه، مقارنة مع بينيت، الذي اكتسب الكثير من الخصوم في اليمين بعد تشكيل حكومة بمشاركة منصور عباس.
طالما ان ايزنكوت تزداد قوته ويحصد اصوات من اليمين (اذا لم يترشح نتنياهو فقد يكون ايزنكوت هو المستفيد الاكبر)، فانه لا حاجة الى تحالفه مع بينيت. وهذا بالتاكيد ليس في مصلحة التحالف الذي يعمل على استبدال ائتلاف نتنياهو.
ظاهريا، لا يجب ان يثير هذا قلق بينيت، لانه اذا طلب من ايزنكوت اختيار مرشحه، نتنياهو أو بينيت، فانه لن يكون نتنياهو. ولكن في هذه المرحلة يبدو انه يقلق اكثر من احتمالية تكليف ايزنكوت بتشكيل الحكومة بدلا منه. وهو يطلب من احزاب المعارضة الالتفاف حوله قبل الانتخابات، باعتقاد ان هذا الالتفاف سيرسخ مكانته كمرشح رئيسي لا منازع له.
هذا دعم لا يمكن الحصول عليه بالمجان. فالمطلوب منه جذب اصوات من المعسكر الآخر. وهذا ما يسعى اليه افيغدور ليبرمان وايزنكوت، وهو الهدف النهائي. لم يحقق التحالف مع لبيد النتيجة المامولة، ويبدو ان التحالف مع ايزنكوت هو بمثابة استنزاف لكتلة التغيير. وربما تحقق تحالفات اخرى، طبيعية اكثر، هذا الغرض.
—————-انتهت النشرة—————–

