عاموس هرئيل
السنوار داخل أحد الأنفاق في غزة، قبيل منتصف ليل 6 أكتوبر. في الجانب الإسرائيلي، وصفت إحدى الضابطات ذلك اليوم بأنه كان هادئًا إلى درجة أنها “احتارت ماذا ستكتب في التقرير اليومي”، فيما كانت الاستعدادات للهجوم تتسارع على الجانب الآخر.
المصدر: المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. معالجة بصرية: ماشا تسور-غلوزمان.
ماذا فهمت؟
“فهمت ما الذي أتولى حمايته. أرمش بعيني في موقعي، فيُقتل جندي عند السياج. أرمش بعيني، فيُقتل أطفال في الكيبوتس”.
تقول والدتها غيلي إن ابنتها، ببصيرتها ونضجها، احتاجت إلى عشر دقائق فقط لتدرك حجم الخطر.
وتضيف: “هذا ما كان يوجّهها لاحقًا، إيجابًا وسلبًا، وجعلها مختلفة تمامًا عن تلك الفتاة العفوية التي كانتها من قبل. هكذا كانت تبدأ كل نوبة حراسة، من دون أن تزيح عينيها عن الشاشة. جميع الفتيات كنّ يعانين كوابيس ليلية عن مسلحين يخرجون من الأنفاق. سألتني ياعيل ذات مرة: أمي، ماذا سيحدث إذا وقع هجوم وتجمّدت في مكاني؟”
غيلي، وهي أخصائية نفسية سريرية، أجابت ابنتها بأن هذا رد فعل إنساني طبيعي، وأن التدريب الذي خضعت له سيقف إلى جانبها في لحظة الحقيقة.
لكن ياعيل بدأت، تدريجيًا، تشعر بأن هناك أمرًا غير طبيعي.
ففي غرفة عمليات المراقبة أُوكلت إليها مهمة العمل في موقع يُعد من الأصعب على الإطلاق، يُعرف باسم “باسكال 76″، ويُشرف على حي الشجاعية. وكانت المنازل الواقعة في أطراف الحي الشرقية من غزة تبعد بضع مئات الأمتار فقط عن السياج الحدودي.
ولم تكن مهمتهن تقتصر على حماية الكيبوتس المجاور أو الجنود المنتشرين على طول السياج. فهن كنّ يشغلن موقع المراقبة الذي يحميهن هنّ أنفسهن ويحمي زميلاتهن أيضًا.
كانت الخدمة تتطلب معرفة دقيقة بكل حركة تجري خلف السياج. وتقول والدتها: “إذا غيّر الفلاح الذي يفلح الأرض القريبة من الحدود لون قميصه، كانت تلاحظ ذلك”.
كما كانت هناك التدريبات المكثفة التي أجرتها حركة حماس، والتي رصدتها المراقِبات على امتداد القطاع الحدودي بأكمله.
كانت ياعيل تتناوب على الموقع كل أربع ساعات مع زميلتيها، نوا مرسيانو وكارينا أرييف. وقد حذّرت الثلاث من دوريات غير اعتيادية نفذتها حماس بالقرب من الحدود.
فقد بدأ عناصر الحركة يتوافدون إلى المنطقة بأعداد متزايدة وعلى متن شاحنات صغيرة، في مجموعات تكبر باستمرار. كما لاحظت المراقِبات أن عناصر حماس يشغّلون مواقع مراقبة لجمع المعلومات عن نشاط الجيش الإسرائيلي، ويُسيّرون طائرات مسيّرة فوق الأجواء الإسرائيلية.
وخلال فترة الأعياد اليهودية تصاعد التوتر على طول السياج الحدودي، على خلفية المظاهرات العنيفة التي نظّمتها حماس. وقد أخفت ياعيل عن والديها معظم هذه التطورات، ربما لأن أسرتها تعيش في منطقة غلاف غزة، في موشاف غيّا القريب من عسقلان.
وقبيل عيد العُرش (سوكوت) بقليل، أُطلقت نيران قنّاصة على الكاميرتين التابعتين لموقع “باسكال 76″، ما أدى إلى تعطلهما. لكنهما أُصلحتا لاحقًا وأُعيد تشغيلهما.
عشية يوم الغفران عام 2023، سافرت غيلي لايبوشور لإحضار كعكة ليعيل وصديقاتها. أوقفها جنود لواء غولاني عند مدخل القاعدة، بعدما لاحظوا الشبه الكبير بينها وبين ابنتها. قالوا لها: “أنتِ أمّ 76؟ هل تعلمين كيف يناديها قائد السرية شيلاه هار-إيفن؟ 76 — الأفضل على الإطلاق”.
في صباح السبت، 7 أكتوبر، عند الرابعة فجرًا، جرى تبديل المناوبات في غرفة المراقبة. كانت كارينا قد أنهت مناوبتها واستعدت للنوم. أما يعيل، التي جلست مكانها أمام الشاشة، فقالت لها: “ستكون هناك عملية اقتحام. سيحدث ذلك في القطاع الجنوبي”. وتقول غيلي: “جميع المراقِبات أدركن ذلك”.
إشارات أولى وصمت
وصلت أول إشارة مقلقة بالفعل ظهر الأربعاء، 4 أكتوبر، حين تبيّن أن مسؤولين كبارًا في حماس يجرون اتصالات غير اعتيادية مع ناشطين في ألوية المناطق التابعة للحركة.
وكشفت تحقيقات الاستخبارات التي أُجريت بعد الحرب أنه كانت هناك، بأثر رجعي، ما لا يقل عن 13 إشارة تحذير ظهرت خلال الأيام التالية داخل إسرائيل، من دون أن تدفع المؤسسة الأمنية إلى حالة تأهب كافية.
وأصبحت أبرز هذه الإشارات تُعرف لاحقًا باسم “قضية بطاقات الـSIM”. فقد كان الأمر يتعلق بعملية استخبارية وُصفت بالبارعة نفذها جهاز الشاباك، وكان من المفترض أن توفّر إنذارًا دقيقًا ومبكرًا باحتمال اندلاع حرب، لكنها فشلت في الوقت الحقيقي بسبب تحليل خاطئ للمعلومات التي جُمعت.
تبلورت الفكرة في أعقاب عملية عملية الجرف الصامد عام 2014، حين تبيّن أن حماس تولي أهمية قصوى لتوثيق عمليات التسلل عبر الأنفاق إلى داخل إسرائيل.
ولكي تتمكن الحركة من بثّ مباشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي من داخل إسرائيل، كانت بحاجة إلى هواتف خلوية تتصل بالشبكات الإسرائيلية. وأسهل طريقة لتحقيق ذلك هي استخدام بطاقات SIM إسرائيلية تُستبدل ببطاقات الاتصال الغزية داخل الأجهزة.
وعندما تُدخل بطاقة كهذه إلى هاتف يحمله أحد عناصر حماس، فقد يشكّل ذلك مؤشرًا على أن عملية تسلل أو هجوم باتت وشيكة. وما كان مطلوبًا بعد ذلك هو التأكد من أن بطاقات الـSIM الموجودة بحوزة عناصر الحركة خاضعة مسبقًا للتعقب والمراقبة.
وبحسب التقرير، نجح جهاز الشاباك في زرع بطاقات من هذا النوع بين عناصر الحركة، وحرص على أن تصل إلى مقاتلي الوحدات الهجومية، وفي مقدمتهم عناصر وحدات النخبة التابعة لكتائب القسام.
يتبين من التحقيق الذي أجراه جهاز الشاباك أن ليلة 6–7 أكتوبر شهدت رصد 45 بطاقة SIM إسرائيلية فعّالة داخل هواتف تابعة لعناصر من حماس. وكانت أولى هذه البطاقات قد فُعّلت بالفعل مساء 5 أكتوبر، إلا أن المعلومات وصلت إلى شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي بتأخير نسبي، ولم تُترجم إلى إنذار ذي أهمية خاصة. وكانت عملية بطاقات الـSIM تابعة للشاباك، ولم تكن لدى الجيش الإسرائيلي وسيلة لمتابعة مؤشراتها عبر أنظمته الحاسوبية الخاصة.
حتى بعد اكتشاف النشاط غير الاعتيادي، أخفقت المنظومة الاستخبارية في فهم دلالاته وتجاهلت تطورات إضافية. فقد جرى تفعيل البطاقات تدريجيًا في وحدات عديدة موزعة على مناطق مختلفة من قطاع غزة، من بيت حانون شمالًا إلى مخيمات اللاجئين في الوسط وخان يونس جنوبًا. وعلى خلاف المرات السابقة، بقيت البطاقات فعّالة، واستخدمها عناصر الحركة لتنزيل تطبيقات للبث المباشر.
كما سُجل خلال الليل ارتفاع بمئات النسب المئوية في حجم الرسائل المتبادلة بين عناصر حماس، بمن فيهم قادة على مستوى قادة كتائب وسرايا، عبر هواتف أخرى لا تحتوي على بطاقات إسرائيلية. وفي عدد كبير من الحالات، تضمنت الرسائل رموزًا وصورًا تعبيرية فقط، من دون أي نص مكتوب.
وشملت مؤشرات أخرى التُقطت في الأيام التي سبقت الهجوم شبهات حول استعدادات غير اعتيادية جرت داخل غرف عمليات تحت الأرض تُعرف بـ”منشآت الطوارئ”، ويستخدمها كبار قادة حماس. كما جرى اعتراض مكالمة نوقش خلالها رفع مستوى الجهوزية في مواقع إطلاق تابعة لمنظومة الصواريخ وقذائف الهاون. غير أن مكالمة أخرى أشارت إلى أن هذه التحضيرات ليست سوى جزء من تدريب عسكري.
وفي منظومة الصواريخ المضادة للدروع التابعة لحماس، وُثقت استعدادات لتصوير مادة إعلامية صباح السبت. كما سُجلت تحركات غير اعتيادية في الوحدة الجوية التي تشغّل الطائرات المسيّرة والطائرات من دون طيار. كذلك ظهرت مؤشرات على نشاط في الوحدة البحرية، إلا أن الجانب الإسرائيلي صنّفها آنذاك على أنها استعدادات لتدريب عسكري.
أوضح مسؤولون كبار في أجهزة الاستخبارات أن الإشارات المقلقة ترافقت أيضًا مع مؤشرات بدت وكأنها تدل على استمرار الروتين المعتاد. ويقول أحد الضباط الذين شاركوا في التحقيق في أحداث تلك الليلة إن الصورة التي تكوّنت كانت «غير متماسكة وغير واضحة؛ فبعض المعلومات كان استثنائيًا ومثيرًا للقلق، بينما بدا بعضها الآخر مطمئنًا ظاهريًا».
وخلال تلك الليلة، دفعت هذه المؤشرات ضباط الاستخبارات في الشاباك، وهيئة الأركان العامة، والقيادة الجنوبية، ووحدة 8200 إلى سلسلة مكثفة من الفحوص والتحليلات المتواصلة.
أوضح مسؤولون كبار في أجهزة الاستخبارات أن الإشارات المقلقة ترافقت أيضًا مع مؤشرات بدت وكأنها تدل على استمرار الروتين المعتاد. ويقول أحد الضباط الذين شاركوا في التحقيق في أحداث تلك الليلة إن الصورة التي تكوّنت كانت “غير متماسكة وغير واضحة؛ فبعض المعلومات كان استثنائيًا ومثيرًا للقلق، بينما بدا بعضها الآخر مطمئنًا ظاهريًا”.
وخلال تلك الليلة، دفعت هذه المؤشرات ضباط الاستخبارات في الشاباك، وهيئة الأركان العامة، والقيادة الجنوبية، ووحدة 8200 إلى سلسلة مكثفة من الفحوص والتحليلات المتواصلة.
وركز جزء كبير من هذه الفحوص على قضية بطاقات الـSIM الإسرائيلية: هل سبق أن رُصد عدد مماثل من البطاقات التي جرى تفعيلها؟ في أي مناطق ظهرت؟ ومن هم الأشخاص أو الجهات التي كانت بحوزتهم؟ وهل يمكن إيجاد تفسير بديل لهذه الظاهرة، غير فرضية المناورة العسكرية أو الاستعداد لهجوم حقيقي؟
ومع ذلك، لم تتسلل إلى الأذهان قناعة بأن ما يجري يمثل وضعًا جديدًا وخطيرًا. وقد أوضحت ضابطة من وحدة 8200 لاحقًا: “تعلّمنا كيف نُطفئ الإنذارات، لا كيف نُشعلها”، أي البحث عن أسباب تُفسر لماذا لا يُعدّ ما نراه خروجًا عن المألوف.
في التحقيق الذي أجراه العقيد احتياط آفي إلياهو لصالح فرقة غزة حول أداء الاستخبارات في تلك الليلة، جرى في النهاية تحديد 13 إشارة تحذير. وعندما وزّع إلياهو هذه المؤشرات جغرافيًا على الخريطة، تبيّن أنها ظهرت في جميع أنحاء قطاع غزة تقريبًا، باستثناء رفح. وكانت الذراع العسكرية لحماس تضم 24 كتيبة موزعة على خمس ألوية مناطقية. وفي أربع من هذه الألوية، وفي أكثر من عشرة كتائب، رُصدت خلال تلك الساعات مؤشرات على نشاط غير اعتيادي.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ ظهرت الإشارات في خمسة من أهم منظومات حماس: منظومة القيادة والسيطرة، ومنظومة الصواريخ وقذائف الهاون، ومنظومة الصواريخ المضادة للدروع، والمنظومة الجوية، وقوات النخبة المكلّفة بعمليات الاقتحام. وبذلك كانت هناك في الوقت نفسه مؤشرات على هجوم منسّق وواسع النطاق، يتجاوز بكثير ما اعتادت إسرائيل رؤيته خلال جولات التصعيد السابقة مع حماس.
ومع ذلك، لم يكن أي طرف في الجانب الإسرائيلي على دراية بجميع هذه المؤشرات. فبعضها علق داخل الأنظمة الحاسوبية أو لدى الجهات المسؤولة عنه، وبعضها وصل متأخرًا بشكل حاسم، وبعضها الآخر أسيء فهمه. وفي الوقت الحقيقي، لم يرَ أحد الصورة الكاملة، ولم يجمع أحد المعطيات على خريطة واحدة، ولم يتمكن أحد من ربط النقاط ببعضها.
وبعد مراجعة الأحداث، تكشفت نقاط الضعف في المنظومة الاستخبارية الإسرائيلية المعقدة والمكلفة للغاية التي كانت تعمل في مواجهة قطاع غزة. فقد عانت إسرائيل من نقص حاد في الاستخبارات البشرية داخل القطاع عمومًا وداخل الجناح العسكري لحماس خصوصًا. وفي غياب العملاء البشريين، اعتمد الجزء الأكبر من جمع المعلومات على استخبارات الإشارات والتنصت الإلكتروني، ولا سيما على وسيلة تقنية محددة كانت تُعد أداة مركزية. غير أن هذه الوسيلة تعطلت لساعات طويلة خلال تلك الليلة.
وخلال الليل دارت نقاشات متوترة بين استخبارات القيادة الجنوبية ومقر وحدة 8200 حول إصلاح الخلل. وبحلول الوقت الذي أُصلحت فيه المشكلة، لم يتبق سوى وقت قصير جدًا قبل بدء الهجوم. أما المؤشرات التي تراكمت داخل ذلك النظام فلم تُفك شيفرتها إلا بعد وقوعه. وخلص تحقيق شعبة الاستخبارات العسكرية إلى أنه كان بالإمكان إعادة تشغيل المنظومة قبل أربعين دقيقة إضافية. والأهم من ذلك أن متخذي القرار لم يكونوا على علم أصلًا بتعطل هذه الأداة. وبعبارة أخرى، كانوا مقتنعين بأن وسيلة المراقبة الأساسية لديهم تعمل بصورة طبيعية، لكنها ببساطة لا ترصد أي شيء غير اعتيادي.
وكانت لدى أجهزة الاستخبارات أداة مهمة أخرى كان يمكن أن تكشف مؤشرات مبكرة للهجوم، وهي منظومة الاستخبارات البصرية، التي تضم وسائل متطورة لمتابعة تحركات الخصم وتصويرها. لكن المشكلة أن الشاباك جنّد هذه المنظومة في تلك الساعات لهدف محدد مرتبط بالتحضير لاحتمال تنفيذ عملية اغتيال لاحقًا. وفي خضم التركيز على تلك المهمة، لم تُستخدم معطيات المراقبة لفحص التحركات غير الاعتيادية.
وفي السنوات التي سبقت الهجوم، تراجعت أيضًا عمليات التنصت على الشبكات التكتيكية التابعة للجناح العسكري لحماس. ورغم أن الاستخبارات العسكرية كانت تسجل الاتصالات الجارية عليها، فإن تحليل هذه التسجيلات كان يتم متأخرًا وبشكل جزئي فقط. وعلى نحو مشابه، لم يُبذل جهد حقيقي لتحليل اتجاهات البيانات الوصفية واسعة النطاق، التي كان يمكن أن تكشف بدورها عن تحركات غير معتادة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن هجومًا بهذا الحجم يشارك فيه آلاف الأشخاص. وحتى لو لم يكن لدى إسرائيل عميل بشري يبلغ بأن أحد عناصر حماس غادر منزله بصورة غير عادية عند الثالثة فجرًا، فماذا عن الظواهر الواسعة النطاق؟ مثل تزويد مئات الدراجات النارية والشاحنات الصغيرة بالوقود بصورة غير مألوفة في الأيام التي سبقت الهجوم؟ وقد تساءل ضابط كبير في هيئة الأركان لاحقًا بغضب واضح: “كيف يمكن أن تنقل حماس آلاف الأشخاص من حالة الروتين إلى حالة الطوارئ من دون أن نعرف شيئًا، لا من الهواتف ولا من أجهزة الاتصال؟”.
ويُظهر تحقيق الشاباك أن هناك مصدرًا بشريًا واحدًا أبلغ مشغليه في ساعات الصباح الباكر عن نشاط غير اعتيادي في مسجد قريب من مكان سكنه، سواء من حيث التوقيت أو عدد الأشخاص الموجودين فيه. كما أفاد بأنه مُنع من دخول المسجد. إلا أن هذه المعلومة المثيرة للريبة لم تُرفع إلى المستويات العليا في الوقت المناسب.
وعندما سُئل مسؤول استخباراتي كبير عن ذلك، أجاب: “وفق طريقة عملنا، كنا نركز على عدد محدود من التفاصيل داخل الصورة الكبيرة. كنا نتابع قادة محددين لفهم ما يفعلونه، ولم ننظر إلى القطاع بأكمله، ولم نحاول أن نفهم ما إذا كان عدد السيارات التي تحركت تلك الليلة قد تضاعف. الخطأ نبع من تقديرات استراتيجية خاطئة. اعتقدنا أننا سنكتشف الاستعدادات عبر مراقبة صناع القرار في حماس”.
كما ساهمت التقديرات الاستخباراتية التي سادت في الأسابيع السابقة في تعزيز حالة الاطمئنان التي رافقت التعامل مع المعلومات خلال تلك الليلة. ففي سبتمبر 2023 نظمت حماس سلسلة احتجاجات عنيفة قرب السياج الحدودي، شارك فيها مئات الفلسطينيين الذين رشقوا الجنود الإسرائيليين بالحجارة والزجاجات الحارقة. وقد فسرت أجهزة الاستخبارات هذه الخطوات على أنها محاولة من حماس للضغط على قطر وإسرائيل من أجل تحويل كامل المنحة المالية الشهرية التي كانت تصل من الدوحة إلى غزة.
وعندما جرى التوصل إلى تفاهمات في نهاية سبتمبر، وتوقفت المواجهات قرب الحدود، اعتُبر ذلك في الجانب الإسرائيلي دليلًا إضافيًا على أن حماس تتبنى نهجًا براغماتيًا ولا تسعى إلى مواجهة عسكرية. ووصف مسؤولون في القيادة الجنوبية الأمر لاحقًا بقولهم: «انتقلنا من نبض 200 إلى هدوء تام».
وخلال اجتماعي تقييم للوضع عقدهما رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك، هرتسي هليفي، صباح الجمعة وبعد ظهره، قُدمت صورة تفيد بأن الأوضاع في قطاع غزة طبيعية، باستثناء حادثة أبعدت فيها شرطة حماس متظاهرين حاولوا الاقتراب من السياج الحدودي.
وقالت إحدى الضابطات في القيادة الجنوبية خلال التحقيقات إن يوم 6 أكتوبر كان هادئًا إلى درجة أنها “احتارت فيما ستكتبه في التقرير اليومي”.
استغل الجيش الإسرائيلي حالة الهدوء. وخلال فترة التهدئة في عطلة عيد العُرش (سوكوت)، عملت معظم المكاتب في مقار القيادة بطواقم محدودة، فيما خرج عدد كبير من القادة في إجازات عائلية.
“أيقظوني إذا ظهر شيء جديد”
كان الاستيقاظ من سبات الأعياد بطيئًا ومربكًا. وتسارع الاهتمام بالمؤشرات المقلقة القادمة من غزة ليلة السبت، قرابة الساعة الحادية عشرة مساءً، بعد أن نُقلت معلومات بطاقات الـSIM من الشاباك إلى القيادة الجنوبية وفرقة غزة. كما أُبلغ قائد فرقة غزة، العميد آفي روزنفيلد.
أما قائد المنطقة الجنوبية، اللواء يارون فينكلمان، الذي كان يقضي عطلة العيد مع عائلته في الجليل الأعلى، فقد تحدث مع ضابط استخباراته، العقيد أريئيل ليفوفسكي، الذي عرض ثلاثة تفسيرات محتملة لقضية بطاقات الـSIM. ووفق السيناريو الأخطر الذي طرحه ليفوفسكي، كانت حماس تستعد لتنفيذ عملية مباغتة ومحدودة. أما الاحتمالان الآخران فكانا أن الأمر يتعلق باستعدادات لمناورة عسكرية أو بإجراءات دفاعية تحسبًا لعملية إسرائيلية وشيكة.
بعد هذه المحادثة، أبلغ فينكلمان طاقمه بأنه سيعقد تقييمًا للوضع عند الساعة العاشرة صباحًا، مع التأكيد على أنه إذا وصلت معلومات استخباراتية جديدة قبل ذلك فسيُعقد اجتماع فوري.
وخلال الساعتين التاليتين، جرت عشرات المحادثات داخل القيادة الجنوبية وفرقة غزة، وبين ضباطهما ومسؤولي الشاباك. ولم تكشف الفحوص الاستخباراتية المتعلقة بمختلف أذرع حماس عن أي معطيات جديدة في تلك المرحلة.
لكن بعد الساعة الثانية والنصف فجرًا بقليل، وردت معلومة استخباراتية جذبت اهتمامًا خاصًا. وقرر فينكلمان أن هذه المعلومة كافية لعقد تقييم جديد للوضع. كما تلقى رئيس مكتب رئيس الأركان، المقدم ماتان فيلدمان، تحديثًا من مكتب رئيس الشاباك، وبدأت شعبة العمليات في هيئة الأركان العامة بإرسال تحديثات إلى جهات مختلفة، من بينها سلاح الجو.
وبين الثالثة والرابعة فجرًا، جرت محادثات بين رئيس شعبة العمليات، اللواء عوديد بسيوق، ومسؤولين كبار في الشاباك. وأمر بسيوق بزيادة كبيرة في عدد الطائرات المسيّرة المخصصة لجمع المعلومات الاستخباراتية والضربات الجوية فوق غزة، من طائرة واحدة إلى أربع خلال ساعات قليلة. وكان القلق أن تلاحظ حماس هذه الزيادة وتستنتج أن إسرائيل تستعد لحدث أمني على الحدود.
وفي الوقت نفسه، أُبلغ كبار مسؤولي الاستخبارات العسكرية أيضًا. وكان رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، اللواء أهارون حاليفا، يقضي إجازة عائلية في فندق بمدينة إيلات. وعندما أيقظه مساعده، طرح عدة أسئلة ثم طلب أن يُوقظ مجددًا إذا ظهر “شيء جديد”.
وعند نحو الساعة 3:20 فجرًا، أيقظ رئيس مكتب رئيس الأركان هرتسي هليفي، الذي طلب التحدث مع قائد المنطقة الجنوبية بعد انتهاء تقييم الوضع هناك.
عُقد تقييم الوضع هاتفيًا بين الساعة 3:15 و3:40 فجرًا. وكان اجتماعًا متعدد المشاركين، انضم معظمهم من منازلهم عبر هواتف عسكرية مشفرة.
وفي أيام السبت والأعياد، يعتمد الجيش الإسرائيلي نظام مناوبات بين كبار الضباط، بحيث يبقى قائد الوحدة أو نائبه داخل القاعدة. لكن في ذلك الأسبوع، وبموافقة خاصة رغم مخالفته للإجراءات المعتادة، بقي في منطقة غزة قائد كتيبة واحد فقط بدلًا من اثنين من أصل أربعة. كما شغلت مواقع القيادة الأساسية في المنطقة الجنوبية كوادر مناوبة من رتب منخفضة نسبيًا، وكانت الضابطة التي أدارت غرفة العمليات برتبة ملازم فقط.
وقال ليفوفسكي: “مدى خطورة ما نراه غير واضح، لكن الحدث لا يبدو وشيكًا على الفور. سنواصل التعمق في الفحص”.
وخلال محادثاته مع فينكلمان وآخرين، ركز ليفوفسكي على معلومات تتعلق بتفعيل منشأة طوارئ محددة، واعتبر ذلك رفعًا غير مفسر وغير اعتيادي لحالة التأهب. إلا أن مسؤولين أعلى منه في الاستخبارات العسكرية وبّخوه معتبرين أنه يبالغ في تقدير الأمر، بل وصفوا سلوكه بأنه “يدفع المنظومة إلى الهلع”.
سأل قائد المنطقة الجنوبية بقية ضباط الاستخبارات المشاركين في الاتصال ما إذا كانوا يوافقون على أن المعطيات المتوافرة لا ترقى إلى مستوى إنذار فوري يستدعي رفعاً أكبر لحالة التأهب، فجاءت الإجابة بالإيجاب. وأصرّ على سماع موقف ضابط استخبارات فرقة غزة، المقدم “أ.”، الذي أوضح أنه لم تُرصد أي مؤشرات استنفار في صفوف وحدة “النخبة” التابعة لحماس، وهي القوة التي كان يُفترض أن تقود أي عملية توغّل إذا وقعت.
وفي ختام النقاش أصدر قائد المنطقة عدة تعليمات، بينها رفع الجاهزية في منظومة الدفاع الجوي وتقريب مروحية هجومية كانت في حالة تأهب إلى محيط القطاع. لكن سلاح الجو أوصى لاحقاً بتأجيل نقل المروحية إلى ساعات الصباح لأسباب تتعلق بالسلامة، ما أدى إلى تأخير زمن الاستجابة بنحو ربع ساعة. ولم يكن ذلك سوى بداية الصعوبات التي سيواجهها سلاح الجو مع بزوغ الفجر.
وخلال الليل أُبلغ مديرو مكاتب قائدي سلاحي الجو والبحرية بالتطورات، لكن القائدين نفسيهما أُيقظا متأخرين مقارنة بما أُبلغت به هيئة الأركان. أما رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، فبقي خارج الصورة بعدما اختار مواصلة النوم. وهكذا أُديرت عملية اتخاذ القرار في الجيش من دون مشاركة عدد كبير من كبار الضباط المعنيين.
عند الساعة الرابعة فجراً، عقد قائد فرقة غزة العميد آفي روزنفيلد اجتماعاً عبر الاتصال مع قائدي اللواءين الإقليميين التابعين له ومع ضباط هيئة الأركان في فرقته. كان روزنفيلد يقضي عطلة العيد في مقر الفرقة، وكذلك قائد اللواء الجنوبي العقيد آساف حمامي، بينما كان قائد اللواء الشمالي العقيد حاييم كوهين في إجازة بمنزله في طبريا. أمره روزنفيلد بالعودة فوراً، لكنه رفض طلبه إطلاع قادة الكتائب التابعة له على المعلومات الاستخبارية التي جُمعت. وفي القيادة الجنوبية رفض القائد يارون فينكلمان طلباً مشابهاً تقدّم به ضابط العمليات العقيد إفرايم أفني. وكان التبرير واحداً: الخشية من أن تدرك حماس أن نياتها قد انكشفت. وبشكل يصعب تفسيره، عاد بعض الضباط في مقر الفرقة إلى النوم بعد انتهاء تلك المشاورات.
واستناداً إلى تجارب سابقة في المنطقة، قدّر روزنفيلد أن أي هجوم من جانب حماس سيأخذ شكل محاولة إطلاق صاروخ مضاد للدروع على قوة إسرائيلية قرب السياج الحدودي. لذلك حظر على القوات التحرك بمحاذاة السياج قبل طلوع الفجر، وأمر بتأجيل إجراء “فتح المحور” ــ وهو التفتيش الصباحي للمنطقة المحاذية للسياج للتأكد من عدم وقوع تسلل ليلي ــ إلى وقت لاحق من الصباح.
وفي طريقه إلى القاعدة، وعند الكيلومترات الأخيرة من الرحلة، مرّ العقيد كوهين قرب منطقة مفتوحة بمحاذاة كيبوتس رعيم. قبل أيام قليلة كان الجيش قد صادق هناك على إقامة مهرجان “نوفا”. كانت الساعة تقترب من الخامسة والنصف فجراً. لاحظ كوهين قوة من الشرطة ترافق مركبتين متوقفتين على الطريق قرب موقع كان يرقص فيه آلاف المحتفلين. في تلك اللحظة كان عدد المشاركين في الحفل يتجاوز 3500 شخص، أي أكثر من ثلاثة أضعاف عدد سكان بئيري، أكبر تجمع سكاني في المنطقة.
لا كوهين ولا الضباط في مقر الفرقة القريب رأوا ضرورة لإخلاء الحفل مبكراً، رغم مؤشرات إنذار غامضة بدأت تلوح في الأفق. كما لم يفكروا في تعزيز أمن المهرجان بقوة عسكرية إضافية. بالنسبة إلى كوهين، كان استدعاؤه للعودة مرتبطاً فقط بإنذار محتمل على طول السياج الحدودي، ولم يرَ أي صلة بين ذلك وبين سلامة آلاف المشاركين في الحفل.
عند قراءة نتائج التحقيقات التي أجراها الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، يصعب تجاهل الفجوة الهائلة بين النبرة الهادئة والروتينية التي أُدير بها النقاش حول المؤشرات المقلقة التي بدأت تتراكم، وبين الوتيرة المتسارعة لاستعدادات الطرف الآخر. بعض ضباط الاستخبارات الذين شاركوا في المشاورات تبنّوا علناً موقفاً يقلّل من حجم المخاطر. قال أحدهم لمرؤوسيه: “استيقظوا صباحاً وستكتشفون أن كل شيء كان على ما يرام”. أما مسؤول أعلى منه رتبة، فنصح زميلاً له بألا يبالغ في القلق.
يقول مسؤول سابق في شعبة الاستخبارات العسكرية: “عندما أقرأ اليوم قائمة المؤشرات الثلاثة عشر التي تراكمت خلال تلك الليلة، يقشعرّ بدني وأرتجف. لكن في الوقت الحقيقي لم تقشعر شعرة واحدة لدى أي مسؤول كبير”.
قراءة دادو قبل النوم
لا يوجد رئيس أركان في إسرائيل لم يكن يعرف قصة الليلة الفاصلة بين الخامس والسادس من أكتوبر 1973، الساعات الحاسمة التي سبقت الهجوم المفاجئ مع اندلاع حرب أكتوبر. وكان هرتسي هليفي، المعروف باهتمامه بالتاريخ العسكري، قد انشغل قبل هجوم السابع من أكتوبر بوقت قصير بقراءة السيرة الذاتية لرئيس الأركان الراحل دافيد (دادو) ألعازار، استعداداً للذكرى الخمسين للحرب.
وكان هليفي يتذكر أيضاً قصة تسفي زمير. ففي ذلك الوقت، التقى زمير في لندن مع أشرف مروان، الذي عُدّ أبرز مصدر استخباري للموساد في مصر، وتلقى منه تحذيراً عاجلاً بأن الحرب على وشك الاندلاع.
وعندما اتصل زمير قبيل الفجر بمدير مكتبه، فريدي عيني، حرص أولاً على التأكد من أنه يقظ تماماً ولن يفوّت أي تفصيل مهم. فقال له: “ضع قدميك في وعاء من الماء البارد”.
اعتمد هرتسي هليفي في مكتبه ما وصفه لاحقاً بـ”سياسة الإيقاظ الخفيف”، إذ طلب من مساعديه إيقاظه ليلاً وإطلاعه على أي حدث يخرج عن المألوف، حتى لو لم يُعتبر في حينه تطوراً حرجاً. ولتفادي إغفال التفاصيل، اعتاد ألا يتلقى مثل هذه المكالمات وهو مستلقٍ في السرير، بل كان يغسل وجهه ويتوجه إلى غرفة عمله في المنزل. وعندما اتصل به مدير مكتبه في ليلة 7 أكتوبر، بدأ رئيس الأركان بتدوين ملاحظات على ورقة أمامه.
شرح له ماتان فيلدمان قضية بطاقات الـSIM وأطلعه على الخطوات الأولى التي اتخذها يارون فينكلمان وعوديد بسيوق. وفي أعلى الصفحة كتب هليفي لنفسه ملاحظة: “لا نقنع أنفسنا بأن هذا لا شيء”.
وقال لاحقاً إنه راح يفكر في سيناريوهات محتملة استناداً إلى إنذارات سابقة تراكمت في جبهة غزة: نفق مفخخ قرب الحدود، تسلل عناصر من الكوماندوز البحري، وربما اختراق بواسطة طائرات شراعية. لكنه لم يتخيل أن الأمر يتعلق بعدد هائل من العمليات المتزامنة. وبعد انتهاء الإحاطة، انتظر رئيس الأركان التحدث مع قائد المنطقة الجنوبية، الذي كان على وشك إنهاء تقييم الوضع، بينما انضم رئيس شعبة العمليات عوديد بسيوق إلى المكالمة.
كانت هذه المشاورات، التي جرت قبيل الرابعة فجراً، ممارسة معتادة لدى هليفي. فقد شهدت عشرات الليالي خلال السنة اتصالات مشابهة، نتيجة التغطية الاستخبارية المكثفة التي تديرها إسرائيل على امتداد المنطقة، من إيران إلى غزة، وما تولده من إنذارات عاجلة ومتكررة.
خلال المكالمة، عرض فينكلمان نتائج تقييم الوضع، لكنه أضاف أن هناك إجماعاً داخل القيادة الجنوبية على أن هجوماً فورياً غير متوقع، وأن لكل مؤشر مقلق تفسيراً يبعث على الاطمئنان.
لكن اللافت أن ممثلي شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) غابوا عن هذه المكالمة بشكل استثنائي. فقد امتنع مساعدو رئيس الشعبة، أهارون حاليفا، عن إيقاظه مرة أخرى. وكان حاليفا قد وصف، في حديث سابق مع مساعده، المشاورات على هذا المستوى بأنها غير ضرورية. كما لم يُدعَ رئيس دائرة الأبحاث في الشعبة، العميد عميت ساعر، إلى النقاش.
وعندما سأل هليفي عن سبب غياب مسؤولي الاستخبارات، أجابه فينكلمان بأنه سمع موقفهم بالفعل في الاجتماع السابق، وأن جهاز الشاباك يشاركهم التقدير الاستخباري نفسه. واكتفى رئيس الأركان بهذا التفسير.
لكن عدداً من نظرائه في المؤسسات الأمنية الأخرى، وكذلك بعض رؤساء الأركان السابقين، يرون أن عدم إشراك أي مسؤول رفيع من شعبة الاستخبارات في تلك المكالمة كان خطأً جسيماً. فكيف حدث أن رئيس أركان أقسم على نفسه ألا يتكرر إخفاق حرب أكتوبر 1973، وأصدر تعليمات بإيقاظه عند أي مؤشر غير اعتيادي، تجاهل ضرورة الاستماع مباشرة إلى أعلى المستويات الاستخبارية في تلك الساعات الحاسمة؟
ترك كبار مسؤولي شعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) لدى زملائهم في هيئة الأركان انطباعاً بأنهم يتعاملون مع التطورات بنوع من الاسترخاء. يقول أحد المشارين في المشاورات الليلية: “كانوا يعتقدون أن المستوى العملياتي دخل في حالة ذعر مبالغ فيها استناداً إلى معلومات محدودة”. ويضيف: “وذلك في وقت كانت بعض المعلومات التي جُمعت داخل منظومات الاستخبارات عالقة هناك ولم تصل إلى من يحتاجها. عملياً، كان موقف أمان: لماذا تزعجوننا؟ هذا ما سمعناه من دائرة الأبحاث ومن استخبارات القيادة الجنوبية ومن استخبارات فرقة غزة”.
وفي مقابلة أجراها العميد عميت ساعر في يناير 2025، قال: “أول ما أقوله لعناصر فريقي هو: أجروا تقدير موقف وقدّموا لي فرضيات متنافسة. إذا كنتم لا تعرفون ما الذي يحدث، فضعوا عدة احتمالات. قولوا لي: ربما يكون توغلاً، ربما يكون تدريباً، ثم اشرحوا لي ما الذي يجري…”. وأضاف: “في نهاية تلك الليلة اصطدمت بخطأ تصوري تراكم على مدى سنوات، نابع من سوء فهم لحماس في هذا الجانب، وكان ذلك خطئي”. وتبدو هذه الكلمات، باختصار، كأنها خلاصة القصة كلها.
وفور انتهاء المكالمة مع رئيس الأركان، أصدر مدير مكتبه العسكري مذكرة ختامية أُرسلت إلى الشاباك والقيادات المعنية. وكانت في جوهرها تحذيراً حذراً من دون إجراءات عملية تُذكر. وجاء فيها: “هناك خشية متزايدة من تنفيذ حماس عملية منفردة”. أما ملخص توجيهات رئيس الأركان، تحت عنوان “نشاط استثنائي في قطاع غزة”، فتضمن التأكيد على ضرورة التعمق في فهم أسباب المؤشرات وعدم الركون إلى الافتراض القائل إن حماس تفتقر إلى المنطق الذي يدفعها لشن هجوم مبادر. كما شدد على متابعة احتمالات الهجوم عبر الأنفاق أو البحر أو الجو، حتى لو بدا الخيار الجوي أقل ترجيحاً، وعلى تحسين جمع المعلومات البصرية ومراقبة مواقع إطلاق الصواريخ وتعزيز قدرات الرصد بكل الوسائل المتاحة. وختم بالتوجيه إلى عقد تقييم جديد صباحاً إذا لم تطرأ تطورات مهمة إضافية.
وخلال هذه المشاورات وما تلاها، لم يُطرح إطلاقاً موضوع إيقاظ رئيس الحكومة أو وزير الدفاع. وبعد ذلك بوقت طويل، رأى هرتسي هليفي أن القيادة الجنوبية كان ينبغي أن تطلعه على الصورة في مرحلة أبكر. فقد مرّت نحو ست ساعات بين اكتشاف العدد الكبير من شرائح الاتصال التي فعّلها عناصر حماس وبين إيقاظ رئيس الأركان، ولم يحدث ذلك إلا لأن الشاباك أيقظ مدير مكتبه العسكري. وحتى تلك اللحظة، لم يكن هليفي ولا مكتبه قد أُبلغا بالأمر.
وبحسب هليفي، عندما انتهت المشاورات قرابة الرابعة والنصف فجراً، لم يبقَ وقت كافٍ للتأثير الجدي في الواقع الميداني. فخلال هذه النافذة الزمنية لم يعد ممكناً تعزيز القوات حول غزة في الوقت المناسب، لكن ربما كان لا يزال بالإمكان تحضير القادة الميدانيين. بينما يعتقد ضباط آخرون أن ساعتين كانتا تكفيان لاتخاذ خطوات احترازية أساسية على الأقل. وفي الواقع، حتى بعض التعليمات المحدودة التي أصدرها هليفي لم تُنفذ قبل بدء الهجوم.
بعد انتهاء المشاورة، تحدث رئيس شعبة العمليات اللواء عوديد بسيوق مع نائب رئيس الشاباك، الذي أبلغه بأن الجهاز يستعد لإرسال فريق «تيكيلا» إلى الجنوب، وهو فريق استخباري ـ عملياتي صغير ونخبوي يُستخدم عادة لإحباط محاولات تسلل محدودة. وكان تقدير الطرفين متشابهاً: حماس قد تكون بصدد تنفيذ عملية موضعية على الحدود، لا أكثر.
“أمور كهذه لا تُدار من البيت”
في تلك الأثناء بدأت إشارات الإنذار تتراكم أيضاً داخل الشاباك. كان الجهاز يتابع ما يجري عبر سلسلة من المصادر، بعضها مشترك مع الجيش. وقد كان مسؤولاً عن تشغيل المصادر البشرية داخل غزة، لكنه اعتمد كذلك على مشاريع تكنولوجية معقدة لتعويض ما اعتبره نقطة ضعف مزمنة. فحماس اشتهرت لسنوات بقدراتها العالية في مكافحة التجسس وكشف العملاء، وكان كل من يحيى السنوار ومحمد الضيف معروفين بهوسهما بالأمن المعلوماتي وببذل جهود كبيرة لاكتشاف المتعاونين مع إسرائيل. وبالنسبة للضيف، كانت المسألة شخصية أيضاً، بعدما نجا من نحو عشر محاولات اغتيال إسرائيلية.
ولأن عدد المصادر البشرية عالية الجودة داخل القطاع كان محدوداً، نظر الشاباك إلى مشروع شرائح الاتصال المزروعة كوسيلة بديلة للوصول إلى دوائر اتخاذ القرار في حماس. وفي ليلة 7 أكتوبر لم يكن القلق الأساسي لدى الجهاز أن تؤدي التحركات الإسرائيلية المكشوفة على الحدود إلى كشف نيات حماس، بل أن تؤدي إلى تصعيد واسع نتيجة سوء تقدير متبادل بين الطرفين.
في ذلك الوقت كانت الضفة الغربية تشهد سلسلة عمليات نسبت إلى قيادات خارجية لحماس، إحداها في تركيا والأخرى في غزة. وقبل شهر من الهجوم أوصى الشاباك رئيس الحكومة ووزير الدفاع باغتيال عدد من قادة هذه البنى التنظيمية. وكان تقديره أن حماس تتوقع ضربة إسرائيلية. لذلك حذّر رئيس الجهاز، رونين بار، من خطر “النبوءة التي تحقق نفسها”، حيث يؤدي شك كل طرف في نيات الآخر إلى تصعيد متبادل. وبعد الأحداث، اعترف مسؤولون في الجهاز بأن هذا الخوف ساهم في تردد مفرط في اتخاذ خطوات أكثر حزماً.
كما ظهرت إخفاقات استخبارية أخرى. ويقول مسؤول رفيع في الشاباك: “كانت هناك مؤشرات إضافية لم تُحلل بالشكل المطلوب. صحيح أننا أيقظنا الجميع بسبب قضية الشرائح، لكن مؤشرات أخرى لم تُفكك في الوقت المناسب ولم تُناقش مع وحدة 8200. لم نستنفد المعلومات التي وصلت تلك الليلة، ومعظمها جاء من وسائل تكنولوجية». ويربط ذلك بخلل أعمق في التصور الأمني: “كنا نبالغ في الثقة بالحاجز الحدودي وبوسائل المراقبة المرتبطة به. تعاملنا مع المشكلة كما لو أننا نواجه منظمة إرهابية، لا جيشاً إرهابياً بكل معنى الكلمة”.
عند الواحدة فجراً أصدر الشاباك وثيقة استخبارية عرضت صورة الوضع، بما فيها معلومات شرائح الاتصال المفعّلة. وورد فيها أن هناك “سلسلة مؤشرات استثنائية تدل على استعداد لتنفيذ عمل ما”. ومع ذلك أضافت الوثيقة تقديراً مفاده أن حماس ليست معنية بالحرب. وعند الثانية فجراً أيقظ مساعد مدير مكتب رئيس الشاباك رونين بار من نومه، وذكّره بأن حادثة مشابهة وقعت خلال رمضان وانتهت بلا شيء. وأوضح أن معظم الشرائح رُصدت في شمال القطاع، وأن مقابل كل مؤشر مقلق توجد مؤشرات أخرى تبعث على الاطمئنان.
وفي الثالثة فجراً تبادل بار ومستشاره حديثاً جديداً، ثم قرر مناقشة التطورات مع نائبه عبر تطبيق واتساب. وبعد ذلك قرر عقد تقييم هاتفي للوضع عند الرابعة والنصف صباحاً يضم ممثلي جميع الساحات المعنية، بينما بدأ هو نفسه الاستعداد للتوجه إلى مقر الجهاز.
وقال لاحقاً في التحقيق: “أردت أن أمنحهم بعض الوقت للاطلاع على المواد بعد أن كانوا في إجازة بسبب العيد. ومنذ فترة طويلة كنا نحذر من أن أي تصعيد قد يكون متعدد الجبهات، لذلك أردت أن تكون الساحات الأخرى، وليس الجنوب فقط، مستعدة. ذهبت إلى المقر لأنني اعتقدت أن أموراً كهذه لا تُدار من البيت”.
وفي تحديث آخر أصدرته منطقة الجنوب في الشاباك عند الثالثة والنصف فجراً، جاء أن المعلومات المتوافرة تشير إلى تشغيل شبكة شرائح اتصال في عدد من ألوية حماس، وأن ذلك قد يدل على نيات هجومية إذا اقترن بمؤشرات إضافية. ومع ذلك، أشار التقرير إلى أن الواقع الميداني ما زال يبدو طبيعياً وأن حماس تواصل سياسة ضبط النفس في أعقاب التفاهمات التي أُبرمت أواخر سبتمبر. وهكذا جاء التقدير النهائي للشاباك مطابقاً تقريباً لتقدير الاستخبارات العسكرية: حماس لا ترغب في مواجهة شاملة مع إسرائيل في الوقت الراهن.
وخلال جلسة التقييم برئاسة رونين بار، تقرر إرسال فريق “تيكيلا” إلى الجنوب. وعندما سأله أحد المسؤولين: “وماذا لو كنا مخطئين وأرسلناهم بلا داعٍ؟”، أجاب: “ربما يكون هذا الحدث خطيراً إلى درجة تستدعي أن يكون كل الشاباك على أهبة الاستعداد في يوم فرحة التوراة”.
لكن حتى السيناريو الأكثر تشددًا الذي عمل وفقه رونين بار لم يكن يشبه ما حدث في النهاية. ففي الساعة 5:15 فجرًا، ومع انتهاء جلسة تقييم الوضع، أوعز بار بإطلاع اللواء آفي غيل، السكرتير العسكري لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، على المستجدات.
غير أن المكالمة بين رئيس مكتبه واللواء غيل لم تُجرَ إلا عند الساعة 6:17 صباحًا. وبحسب ما كشفه برنامج “عوفدا” في ديسمبرل 2024، أبلغ رئيس المكتب السكرتير العسكري بتفعيل بطاقات “سيم” في قطاع غزة، لكنه أشار إلى أن أمورًا مشابهة حدثت في السابق. وأضاف أن عناصر حماس هذه المرة فعّلوا، بصورة استثنائية، “وسائل جديدة ما زالت في أغلفتها”. كما أوضح أن رئيس الأركان هرتسي هليفي سيعقد جلسة تقييم للوضع قرابة الساعة الثامنة صباحًا. تردد غيل في ما إذا كان ينبغي إيقاظ نتنياهو بينما لم يكن الجيش والشاباك قد بلورا بعد تقديرًا نهائيًا للموقف، وقرر الانتظار.
“طوفان الأقصى”
ووفقًا لتقديرات الاستخبارات الإسرائيلية، فإن قائمة كبار قادة حماس الذين كانوا على علم بالخطة مسبقًا، وبموعد تنفيذها أيضًا، ضمت:
- يحيى السنوار، زعيم حماس في قطاع غزة.
- محمد الضيف، نائبه وقائد الجناح العسكري.
- مروان عيسى.
- محمد السنوار، الشقيق الأصغر ليحيى السنوار.
- رافع سلامة.
- رازي أبو طمّاعة.
- أحمد الغندور.
وبحلول مايو 2025، حين قُتل محمد السنوار، لم يكن أيٌّ من هؤلاء القادة على قيد الحياة، بحسب الرواية الإسرائيلية.
كما كان هناك قياديان آخران شاركا في التخطيط، هما خليل الحية ورائد سعد، لكن ليس من الواضح ما إذا كانا قد أُبلغا أيضًا بالموعد المحدد للهجوم (وقُتل رائد سعد في ديسمبر 2025).
وكعادتها، حرصت حماس على حصر المعرفة بالتفاصيل في دائرة ضيقة جدًا. ويُعتقد أن يحيى السنوار ومحمد الضيف كانا على الأرجح من اختارا اسم العملية: “طوفان الأقصى”.
بعد ثمانية أيام من الهجوم، نقلت صحيفة “الأخبار” الجزائرية عن مصدر في حماس قوله إن الجناح العسكري استدعى عناصره إلى المقرات والقواعد خلال الليل، بذريعة إجراء “جرد روتيني للأسلحة”. ووفق المصدر نفسه، بدأت عملية فرز المقاتلين وتوزيع المهام عند الساعة 11 مساءً. وقال: “اختار القادة أفضل المقاتلين الذين يعرفونهم عن قرب. جمعوا نحو 1500 مقاتل، ثم سرّحوا الآخرين من دون إثارة الشبهات”. وقد نُظم المقاتلون في وحدات صغيرة، ووُضعت أمامهم مهمتان: المشاركة في الهجوم أو البقاء في مواقع حماس داخل القطاع. أما التعليمات النهائية، فقد أُبلغت إلى القوات بعد صلاة الفجر التي أُقيمت عند الساعة 5:10 صباحًا.
وبعد نحو تسعة أشهر، نشر الأسبوعي الألماني “بيلد” — الذي سيتضح لاحقًا أنه كان قناة تسريبات مركزية من مكتب نتنياهو — مقتطفات من وثيقة استولى عليها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة. وهي أمر عمليات موجّه إلى القادة في مدينة غزة، موقّع باسم عز الدين الحداد، قائد اللواء. ويُعتقد أن الوثيقة صدرت مساء 6 أكتوبر، وحددت الجدول الزمني للهجوم في اليوم التالي.
وأوعز الحداد إلى قادته بإجراء الإحاطات للقوات عند الساعة 4:30 فجرًا، وكتب: “إيمانًا منا بوعد الآخرة وبنصر الله الحاسم لعباده المجاهدين في حرب الجهاد، أقرت قيادة الجناح العسكري بدء العملية العسكرية الكبرى “طوفان الأقصى”، وعلى الجميع العمل وفق التعليمات التالية”. كما طلب من عناصره التحرك بـ”إخلاص لله”، ومنع أي تسريب مبكر للمعلومات إلى العدو، بما في ذلك منع مغادرة أماكن التجمع أو استخدام الهواتف المحمولة بصورة مطلقة.
ووفق الوثيقة، كان من المقرر شرح الخطة للمقاتلين قبل نحو ساعتين من انطلاقها، على أن يتجمعوا داخل الأنفاق. وأضاف الحداد أنه “بعد المرحلة الصاخبة من الهجوم ستُجهز عشر سرايا قتالية لاستثمار النجاح”، أي أن هذه الوحدات، ومعظمها من قوات النخبة، ستتسلل إلى داخل إسرائيل مباشرة بعد القصف الكثيف بالصواريخ وقذائف الهاون. كما طُلب من القادة الحرص على البث المباشر لعمليات الاقتحام والسيطرة على المواقع العسكرية والكيبوتسات. واعتبر الحداد أن “الهدف الرئيسي للعملي” هو “أسر أكبر عدد ممكن من الجنود في اللحظات الأولى ونقلهم إلى قطاع غزة”.
بعد أقل من 24 ساعة، وفي أعقاب أكثر الأيام دموية في تاريخ إسرائيل، انضم نائب رئيس الأركان الإسرائيلي، اللواء أمير برعام، إلى القوات التي كانت لا تزال تقاتل في كيبوتس بئيري. وفي طريقه إلى المنزل الذي تحصن فيه مسلحون مع رهائن إسرائيليين، شاهد كومة من جثث المهاجمين. وبالقرب من إحدى الجثث عثر على وثيقة أخذها معه.
كانت الورقة رسالة مكتوبة بخط اليد من قائد فصيل إلى مقاتليه قبل انطلاقهم إلى المعركة. وجاءت الرسالة مشبعة بعبارات دينية تمجّد الجهاد والاستشهاد. وكتب فيها أن “العدو اليهودي مرض لا دواء له”، وأن العلاج المطلوب هو “قطع الرؤوس واقتلاع القلوب والأكباد”.
“أتمنى للجميع يومًا سعيدًا”
قرابة الساعة الثالثة فجرًا، رصدت المجندات المكلّفات بالمراقبة في غرفة عمليات الكتيبة 51 التابعة للواء غولاني في معسكر كيسوفيم شخصًا قرب أحد أبواب السياج الحدودي. ونُقل البلاغ إلى نائب قائد الكتيبة، الذي وصل إلى المكان بسيارته العسكرية وأطلق قنبلة غاز مسيل للدموع باتجاه المشتبه به. فابتعد الرجل غربًا نحو موقع مراقبة تابع لحماس يقع على بعد نحو 300 متر من الحدود.
لكن إحدى المراقِبات لاحظت سلوكًا أثار شكوكها. فقد شاهدت الرجل يتجه نحو مجموعة من عناصر حماس داخل الموقع، واعتقدت أن اجتماعًا أو إحاطة تُجرى هناك. وبعد شهرين، روت هذه الواقعة لصحافي “هآرتس” يانيف كوبوفيتش. وقد شاركت شكوكها مع زميلاتها ومع قائدة الوردية، لكن بعد نقاش قصير بين الكتيبة وغرفة عمليات الفرقة تقرر العودة إلى الوضع الاعتيادي.
وقالت المراقِبة لنائب قائد الكتيبة: “أعتذر لأنني أيقظتك في هذه الساعة، لكنني ما زلت أعتقد أن هناك شيئًا غير طبيعي”. فأجابها بأن الحذر الدائم أفضل من الوقوع في مفاجآت.
وفي بقية وحدات الفرقة استمر الروتين كالمعتاد. لم تصدر القيادة أي أوامر لتعزيز الحراسة أو رفع مستوى التأهب. وتُظهر التسجيلات التي عرضها الجيش الإسرائيلي بعد أكثر من عام من الحادثة أن القادة كانوا يتبادلون تعليمات اعتيادية، باستثناء منع الاقتراب من السياج، الذي اعتُبر مجرد إجراء احترازي تكتيكي.
ورغم النقاشات الطويلة التي جرت طوال الليل، لم تُرفع حالة الاستعداد في الوحدات الميدانية حتى مع اقتراب الفجر. فبحسب إجراءات التأهب الأساسية المعروفة لدى الجنود القدامى، كان من المفترض إيقاظ الجنود وتمركزهم في مواقع الدفاع تحسبًا لهجوم مفاجئ مع أول ضوء للنهار. غير أن هذه الإجراءات لم تعد جزءًا من الروتين في فرقة غزة، حيث استُبدلت في السنوات الأخيرة بحالة تأهب محدودة عند الساعة 5:30 صباحًا، تقتصر على وجود بعض القادة والدوريات العاملة أصلًا. أما بقية الجنود فظلوا نائمين.
ولم يقم قائد الفرقة أو قادة الألوية بجولات تفقدية بين المعسكرات لفحص مستوى الجاهزية، رغم ليلة كاملة من المشاورات في قيادة المنطقة الجنوبية. وبعض تسجيلات شبكة الاتصالات العسكرية تنتهي بعبارة بدت مأساوية في ضوء ما حدث لاحقًا: “نتمنى للجميع يومًا سعيدًا”.
كان حجم القوات التي تولت الدفاع عن بلدات غلاف غزة في ذلك الصباح ضئيلًا إلى حدّ مذهل. فقد وُجد في المعسكرات والمواقع العسكرية أكثر من 1200 جندي وجندية، لكن من بينهم لم يكن هناك سوى 676 ضابطًا وجنديًا يخدمون كمقاتلين فعليين. وتولت حماية المنطقة أربع قيادات كتائبية: الكتيبة 77 المدرعة التابعة للواء السابع في القطاع الشمالي، وإلى جنوبها الكتيبة 13 والكتيبة 51 من لواء غولاني (في ناحل عوز وكيسوفيم)، ثم كتيبة الاستطلاع التابعة للواء نحال في القطاع الجنوبي المقابل لرفح. كما انتشرت في المنطقة قوة هندسية صغيرة وقوة من كتيبة جمع المعلومات القتالية، توزعت بين المعسكرات المختلفة.
ولم يكن على طول الحدود سوى 13 دبابة مأهولة بطواقمها، مع وجود خلافات حول جاهزية بعضها. أما عشر دبابات أخرى من الكتيبة نفسها فكانت موجودة في المعسكرات، لكن أطقمها كانت في إجازات منزلية. وكانت تلك الدبابات مغلقة، فيما خُزّنت رشاشاتها وأنظمتها الحساسة في أماكن منفصلة.
الاستيقاظ الذي لم يحدث
بينما كان الجانب الإسرائيلي يعجز عن تفسير ما يتشكل أمامه، كانت كاميرات الحدود تروي قصة مروعة لم يلتقطها أحد في قيادة الجيش في الوقت الحقيقي. سيلٌ من المؤشرات التحذيرية التي لم يُذكر معظمها في التحقيقات العسكرية لاحقًا. وقد رُصدت هذه المعطيات عبر أنظمة مديرية الحدود وخط التماس التابعة لوزارة الأمن الإسرائيلية، وهي الجهة التي أنشأت السياج الحدودي حول القطاع والمسؤولة عن صيانته.
ومنذ الساعة 5:49 صباحًا، وثّقت الكاميرات نشاطًا واسعًا لعناصر حماس قرب مواقعها على الجانب الغزي من الحدود. وتُظهر التسجيلات وصول دراجات نارية، وتحركات لأشخاص سيرًا على الأقدام قرب السياج، وحركة نشطة لسيارات جيب وشاحنات صغيرة. وكان حجم الحركة غير اعتيادي بالنسبة لصباح يوم سبت، حيث لا يُشاهد عادة في المنطقة سوى مزارعين يعملون في أراضيهم.
وبالنظر إلى الأحداث لاحقًا، أصبح واضحًا أن هذه المشاهد كانت جزءًا من الاستعداد للهجوم. وقد سُجلت التحركات غير المألوفة في ثلاث مناطق على الأقل: مقابل “نتيف هعسراه” شمال القطاع، وفي محيط كيسوفيم وسطه، وفي منطقة كرم أبو سالم جنوبًا.
كما أن صورة الرادار العامة بدت مقلقة للغاية؛ ففي الساعة 6:18 رُصد نحو 400 هدف، أي نقاط حمراء تشير إلى تحركات غير عادية قرب السياج. وبعد ثماني دقائق فقط، عند الساعة 6:26، ارتفع العدد إلى نحو 600 هدف.
عند الساعة 5:49 وصل دراج ناري إلى موقع تابع لحماس شمال كيسوفيم، وبعد خمس دقائق ظهر في المكان أيضًا جيب. وفي الساعة 6:00 شوهدت دراجة نارية في موقع آخر بمنطقة كيسوفيم، بينما رُصدت في نقطة ثالثة سبع دراجات تسير على الطريق المحاذي للسياج. وفي الساعة 6:02 سُجلت دراجة نارية تتحرك بمحاذاة الحدود، بالتزامن مع ظهور ثلاث دراجات أخرى وجيب قرب أحد المواقع.
وفي الساعة 6:13 صوّرت الكاميرات طائرة مسيّرة فلسطينية قرب موقع إسرائيلي من منظومة “الرصد وإطلاق النار” في منطقة كرم أبو سالم. وظلت المسيّرة تحلق فوق الموقع لمدة ست دقائق قبل أن تختفي. وعادت عند الساعة 6:32 لتلقي قنبلة عطلت الموقع بالكامل.
وفي الساعة 6:16 شوهد شخصان يسيران بمحاذاة السياج في المنطقة نفسها، فيما كانت عدة دراجات نارية تتحرك خلفهما. وبعد دقيقة واحدة فقط، عند الساعة 6:17، ظهر مسلح يستخدم طائرة شراعية وهو يهبط داخل الأراضي الإسرائيلية جنوب نتيف هعسراه. وعند الساعة 6:20 وثّقت الكاميرات في المنطقة نفسها مسلحًا يحمل معدات مخصصة لاختراق السياج.
ولم تعد هذه مشاهد تنذر بهجوم محتمل في المستقبل، بل كانت توثق أولى مجموعات المهاجمين الذين سبقوا، لسبب ما، ساعة الصفر المقررة. ومع ذلك، لم تومض إشارات الإنذار في الجانب الإسرائيلي.
وخلال الأربعين دقيقة التي سبقت الهجوم، ولا سيما في الدقائق الأخيرة، كانت كاميرات الحدود توثق عملية هجومية تتشكل تدريجيًا على امتداد جبهة واسعة وفي عشرات النقاط المختلفة. وحتى اليوم، لا يزال من غير الواضح أيٌّ من هذه المشاهد والتحركات رُفع إلى المستويات العليا في الوقت الحقيقي. أما التحقيقات العسكرية الإسرائيلية فقد التزمت الصمت حيال هذه النقاط.
وصمتها لا يزال مدويًا.
شكرت الجنديات هرتسي هليفي على موقفه الداعم بقوة للتقدّم في صفقة التبادل مع حماس، لكنهن طالبنه بإجابات عمّا حدث.
كانت كارينا أرييف الأكثر حدةً بينهن. وقالت لرئيس الأركان: “كنتُ في نوبة المراقبة بين منتصف الليل والرابعة فجرًا ليلة اندلاع الحرب. حذّرتُ من أن مواقع حماس المقابلة لنا كانت تُفرَّغ من عناصرها. لكن لم يُرِد أحد أن يصغي”.
صدر كتاب عاموس هرئيل “06:29” هذه الأيام عن دار نشر كينيريت زمورا دفير.

