صراع غير معلن بين مهربين وأباطرة البترول والجهات الرسمية في الضفة.. البترول يعود إلى صدارة الاحتقان

المسار — نقلًا عن صحيفة القدس العربي : تبدو الحياة في الضفة الغربية قائمة طويلة ومتواصلة من الأزمات، وما كان نادر الحدوث قبل أعوام أصبح جزءًا من مشهد الحياة اليومي الثقيل.

ومن أزمات الجسر، مغادرة وعودة، إلى أزمات المياه الخاصة بالشرب، وإلى أزمات الحواجز الإسرائيلية وإغلاقات الاحتلال التي لا تتوقف، وصولا إلى أزمات النفط والبترول، وهي القضية حديث الشارع ومصدر القلق الأكبر لكافة المواطنين ومن كافة الفئات والأعمار.

وتشهد عموم مناطق الضفة الغربية منذ أقل من أسبوع أزمة عدم توفر البنزين والسولار بكميات كافية من دون أن يكون هناك حديث رسمي مسبق عن احتمال حدوث ذلك، وهو ما حول محطات المحروقات إلى حالة من طوابير الانتظار الطويلة على شكل سيارات ومواطنين يحملون غالونات صفراء بهدف الحصول على ما تيسر من مكون أساسي لا تستمر الحياة إلا به.. وهو ما قلب تفاصيل حياة المواطنين رأسا على عقب.

بيانات رسمية وتحذيرات

وخلال، يوم الإثنين، توالت التحذيرات والبيانات الرسمية والأهلية وكان آخرها التحذير الصادر عن الهيئة العامة للدفاع المدني الفلسطيني حول مخاطر تعبئة وتخزين الوقود بطرق عشوائية خطر.

وقالت الهيئة إن عملية تعبئة الوقود في عبوات بلاستيكية أو معدنية وتخزينها داخل المنازل، أو أماكن العمل، أو المركبات تُشكل خطرا حقيقيا.

وحسب بيان الهيئة وبناءً على المخاطر المتوقعة فإنه «يمنع منعا باتا قيام أصحاب محطات الوقود والعمال فيها بتعبئة الوقود لأي مواطن في غير خزان وقود المركبات، وأي محطة تقوم بتعبئة الوقود في عبوات مخالفة ستعرض نفسها للمساءلة القانونية والإغلاق الفوري، وذلك وفقاً لقوانين السلامة والوقاية المعمول بها».

في ذات السياق، دعت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني، وزارة المالية ومجلس الوزراء إلى التدخل الفوري والبحث عن حلول خلاقة ومبتكرة لإنهاء أزمة المحروقات المستعصية التي تعصف بالضفة، مؤكدة أن هذه الأزمة تُضاف إلى سلسلة الأزمات المالية والاقتصادية التي تثقل كاهل المواطن الفلسطيني.

وأوضح رئيس الجمعية، صلاح هنية، أن الجذور الأساسية لهذه الأزمة تعود إلى غياب الحلول الإبداعية منذ سنوات، وعدم تطبيق أبسط الحلول التقليدية التي طالبت بها الجمعية والخبراء مراراً، وعلى رأسها توسيع مخازن الهيئة العامة للبترول لزيادة قدرتها الاستيعابية.

وأشار هنية إلى أن هذا التباطؤ قاد الشارع الفلسطيني إلى حالة من «تسول المحروقات» في طوابير طويلة أمام محطات الوقود.

وأكدت الجمعية تلقيها عشرات الشكاوى من المواطنين، تركزت حول طول فترات الانتظار أمام محطات التعبئة، وما وصفوه بظروف انتظار مرهقة ومذلة، إضافة إلى نفاد الوقود بشكل مفاجئ قبل خدمة جميع المنتظرين، إلى جانب غياب معايير واضحة وعادلة في تنظيم الدور وتحديد كميات التعبئة للمواطنين.

وأضاف البيان أن الرؤية باتت منعدمة تماماً أمام المواطن بشأن موعد انفراج الأزمة، مما فتح الباب أمام تعاظم الشكوك والمخاوف من توجه السوق نحو الاحتكار أو الهيمنة عبر انشاء شركة لا تخضع لمكونات قانون المنافسة الفلسطيني ولوائحه التنفيذية.

وطالبت بمراجعة شاملة للملف واتخاذ إجراءات سريعة تحفظ كرامة المواطن.

كما دعت إلى تطبيق مجموعة من المقترحات أبرزها تشكيل «فريق وطني» متخصص لمتابعة ملف المحروقات وتقديم تقرير مفصل للعلن، قياساً بإنشاء فرق حكومية ناجحة سابقاً في ملفات الطاقة المتجددة والسلامة الغذائية، والبدء الفوري من قبل وزارة المالية بتوسيع السعة التخزينية للهيئة العامة للبترول لتفادي أي انقطاع مستقبلي.

الهيئة العامة للبترول

اما أحدث موقف رسمي معلن فجاء على شكل بيان صادر عن وزارة المالية – الهيئة العامة للبترول، جاء فيه أن توريد المحروقات إلى السوق الفلسطينية مستمر بشكل يومي ودون توقف، داعية المواطنين إلى عدم التهافت على محطات الوقود واستقاء المعلومات من المصادر الرسمية.

وأوضحت الهيئة، في بيان صحافي وصل «القدس العربي»، أنها تتابع التطورات، لكنها ولأول مرة تقر وتعترف بـ»ظهور تحديات إضافية ناجمة عن المخاوف من تجدد الصراع الإقليمي، إلى جانب الآثار التراكمية للأزمة التي يفتعلها الجانب الإسرائيلي من خلال عرقلة تحويل فائض الشيكل المتراكم في المصارف الفلسطينية إلى البنوك الإسرائيلية».

وتضمن البيان دعوة المواطنين إلى تجنب التهافت على محطات الوقود، والمطالبة بعدم تعبئة الوقود في الغالونات، بما يسهم في الحفاظ على انتظام التزويد وتلبية احتياجات السوق.

وأضاف البيان أن الجهات الرسمية تعمل «على تنفيذ مجموعة من الإجراءات المتزامنة الهادفة إلى زيادة كميات المحروقات الموردة خلال الأيام القليلة المقبلة، رغم التحديات والصعوبات، بما يضمن الاستجابة الكاملة لاحتياجات السوق».

كما دعت الهيئة المواطنين إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية، وعدم الانجرار وراء الشائعات التي من شأنها زيادة الإرباك في المشهد.

وعلق مواطنون كثر على بيان وزارة المالية على المنصات الاجتماعية ومن هؤلاء الناشطة هند الشريدة التي قالت على حسابها على صفحة فيسبوك: «مش مهم تفهم.. بقلك «لا تكن جزءا من المشكلة.. فكر بالحلول».. كيف تتجرأ وتسأل…المسؤول والحكومة رافضين يطلعوا يفسروا لدافع الضرائب الأول (المواطن) شو القصة وبقلك لا تكن جزءا في نقل الشائعات».

وبرر رئيس هيئة البترول مجدي الحسن الأزمة بـ»مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها القيود والممارسات الإسرائيلية خصوصا أزمة الشيكل التي أثرت على حركة إدخال الوقود، إضافة إلى تحديات لوجستية ناجمة عن الظروف التي فرضتها الحرب، مما أدى إلى اضطراب عمليات التوريد وانخفاض الكميات المتاحة».

الوقائع مخالفة للمعلن

وعادة يتم ضخ نحو 3 ملايين لتر يوميًا، وهو الرقم الذي يمثل حصة الضفة الغربية من البنزين والسولار يوميا، ورغم تشديد الجهات الرسمية لـ»القدس العربي» التي رفضت الحديث باسمها علنا على أن الرقم يضخ يوميا إلى السوق الفلسطيني إلا الوقائع الميدانية تنفي ذلك تماما.

إلا أن مراقبين شددوا على أن الاحتياج اليومي للضفة الغربية يصل إلى حدود 4 ملايين لتر من الوقود توزع على 240 محطة، وفي فترة الخوف من استمرار الانقطاع فإن الرقم معرض للزيادة.

«بيان محزن وضعيف»… والسبب وقف التهريب!

وطالب المحامي والكاتب السياسي صلاح موسى الحكومة الفلسطينية والجهات الرسمية بقول الحقيقة للمواطنين، وذلك بعد ساعات من نشر وزارة المالية-هيئة البترول بيانا وصفه «بالمحزن والضعيف»، حيث رافقه موجه من التندر والسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقال في حديث لـ»القدس العربي» إن الحكومة وبدلا من أن تعقد مؤتمرا صحافيا تتطرق فيه لأسباب الازمة الحقيقية وتداعيات انخفاض تدفق المحروقات بحيث تجيب عن الاسئلة التي تدور بأذهان الناس وتطرح كافة الاجابات والتي تقال خلف الأبواب المغلقة فضلت إصدار البيان الصحافي في ساعة متأخرة من مساء الإثنين.

وحسب موسى فإن أزمة المحروقات سببها الرئيسي انخفاض أعمال التهريب للمحروقات داخل المدن الرئيسية بسبب ملاحقة السلطة للتهريب.

ورأي موسى أن حجم التهريب اليومي وصل إلى مليون الى اثنين مليون من المحروقات خاصة السولار على وجه الخصوص.

وشدد على أن هذا الرقم يعني أن «كل لتر يتم تهريبه تخسر الخزينة العامة (3) شيكل منه (نحو دولار). اي ان الخسار اليومية لا تقل عن (3) مليون شيكل اي ما يعادل (90) مليون في الشهر.

واستطرد المحلل السياسي موسى قائلا: «زادت عمليات التهريب بعد ان رفعت الحكومة جزءاً كبيراً من الدعم الحكومي عن المحروقات وخاصة السولار، وهو أمر جاء في ظل أن الكميات التي كانت تدخل عن طريق الهيئة العامة للبترول لم تكن كافية وكانت اعمال تهريب المحروقات هي التي تغطي احتياج السوق.

أما حول الأسباب الأخرى فرأى موسى أن أزمة الشيكل ساهمت بالأزمة من دون أن تنعشها، والسبب في ذلك يعود إلى أن عدداً من أصحاب محطات المحروقات كان يشتري بطريقة مباشرة من جهات بالداخل وبنظام الكاش.

ورأى أن هناك جملة من الأسباب للازمة وليس فقط سبب واحد، وبالتالي رأي أنه «لا يجوز تحميل شخص او جهة مسؤولية الازمة ولا يجوز اتهام شخص او جهة بعينها أنها وراء الأزمة، فهي أزمة تمتد لسنوات والكل صمت تجاهها.

وحول الأخبار التي تم تداولها حول إنشاء شركة حكومية ترعى مسالة التزويد البترول رأي موسى أن الحكومة وحسب القانون لديها كامل الحق بإنشاء شركات كما أن قرار الحكومة نص على الشراكة مع القطاع الخاص.

وفي السياق ذاته، بحث مجلس الوزراء أزمة المحروقات الناجمة عن مجموعة من الأسباب المركبة، حيث جاء في بيانه أن الأسباب تعود إلى نقص التوريد من المصدر، إلى جانب أزمة تكدس الشيقل بسبب إجراءات الاحتلال، فضلًا عن مبالغة البعض في التعبئة والتخزين.

السيولة النقدية

ووجّه مجلس إدارة الهيئة العامة للبترول بتسريع الإجراءات العملية لمعالجة الأزمة، بما يشمل العمل على رفع كميات التوريد، بالتزامن مع عمل وزارة المالية بالتعاون مع سلطة النقد والبنوك على توفير السيولة النقدية (الكاش) اللازمة لتلبية احتياجات السوق.

كما وجّه بتشديد المراقبة على تدفق المحروقات وأوضاع محطات الوقود، لضمان حصول المواطنين على احتياجاتهم الفعلية، وفق الإجراءات والضوابط التي تكفل السلامة العامة، وبما ينسجم مع تعليمات الدفاع المدني.

وأكد المجلس استمرار الإعداد لفصل العمليات التجارية الخاصة بشراء المحروقات وتخزينها عبر شركة حكومية منفصلة عن هيئة البترول التي سيتركز اختصاصها على تنظيم القطاع، بما لا يؤثر في دور القطاع الخاص في عمليات التوزيع كما يجري حاليا.

سخرية وغياب للمعلومة

حول الأزمة الخانقة سخر الصحافي أكرم النتشة في منشور له على صفحة الفيسبوك قائلا: «عزيزي المواطن، قبل أن تخرج من منزلك تأكد من أنك مشترك في هذه المجموعات التالية: غروب الحواجز عشان تعرف من وين تعدي وين في طريق فاتحة ووين مسكرة، وغروب المحروقات: تعرف المحطات اللي فيها بترول عشان تقدر تعبي سيارتك، وغروب الرواتب: عشان تعرف متى رح ينزل نص الراتب، وغروب الكهربا والمي حتى تعرف متى ستقوم البلدية بقطع الكهربا ومتى رح تجلب لك المي، وغروب «السلم الأهلي» عشان تعرف اذا في طوش ومشاكل بتخص حد من قرايبك».

ويتابع النتشة مضيفا: «هناك أهمية لغروب أخبار الحارة فهو يلزم كي تتعرف بعض التفاصيل مش غلط، وغروب الأخبار العاجلة حتى تعرف أين ينفذ الاحتلال الاقتحامات ليلا ونهارا عشان ما تلاقي الجيش بوجهك».

وخلال ساعات معدودة كان غروب على تطبيق «واتس آب» يحمل اسم «محروقات الضفة» يصل أعضاؤه من الصحافيين والنشطاء إلى ما يقرب من ألف عضو فيما التوصية التي يوجهها المشرف للأعضاء ضرورة أن تكون معلومات المحطات التي يتوفر فيها المحروقات دقيقة جدا ومحددة مكانا وزمانا.

طارق النتشة؟

وعلق الصحافي سامر خويرة من مدينة نابلس حول الجهود الخاصة التي بذلها للوصول إلى معلومات حول أسباب أزمة البترول قائلا: «أنهيت قبل قليل مكالمة مطولة لتكون الخامسة خلال الساعات القليلة الماضية مع زملاء صحافيين لديهم اتصالات مباشرة مع مسؤولين كبار.. تحدثنا لنحاول أن نصل إلى الإجابة على سؤال المليون اليوم: ما هو سبب أزمة المحروقات؟».

وأضاف: «هل هي المقاصة، أم عدم تسديد الأثمان للشركات الإسرائيلية أم التهريب أم طارق النتشة أم الفساد، أم الإقبال المبالغ فيه من المواطنين… الخ حقيقة لا أنا ولا هم طلعنا بجواب شافي ومقنع..».

وعلقت ريم العمري على الأزمة قائلة: «بتعرفوا شو؟ القصة مش قصة بنزين ولا سولار ولا إنه الناس من الصبح بتدور على كازية فيها بنزين ولا انه في ناس انقطعت وما عرفت شو تعمل لا.. لا .القصة بتصفن وأنت تنتظر دور على الكازية منتظرا دورك لأكثر من ساعة وبدرجة حرارة 35 تحت الشمس بتصفن وبتتذكر 35 سنة من بناء الأوهام والأحلام والانقسام ودولة المؤسسات وصوامع القمح ومستشفى خالد الحسن للسرطان والانتخابات والسفارات والتعليم والصحة والقروض وأنصاف الرواتب».

وتضيف:» 35 سنة وصّلت الفلسطيني ما يعرف يوصل بيته في القرى وما يقدر بالليل يطلع على الطرق الخارجية، ولا عارف يحمي زيتوناته».

وتتابع: «ليش احنا منعبي بنزين عشان نلف حوالين حالنا جوا المدينة وبشوارع تم اغراقها بالمركبات الحديثة، أوهمنا حالنا انه هيك احنا عايشين.. وبعد ما تنتهي «الصفنة» ويأتي دورك لتعبئة البنزين يأتيك عامل المحطة يخبرك أنه «شطبنا فش بنزين».

ويعكس المشهد الذي تعيشه الضفة اليوم يعكس تكرار لذات السيناريو الذي عاشته العام الماضي، وهو ما يدلل على وجود حالة من انعدام اليقين والثقة بإدارة إمدادات الطاقة، في ظل انكشاف هذا القطاع أمام السياسات الإسرائيلية المسيطرة، مع غياب الحلول المحلية الواقعية.

يذكر أن تدفقات المحروقات إلى الضفة تخضع لمحددات «بروتوكول باريس الاقتصادي»، الذي قيد الاستيراد بشروط معقدة وربط السقوف السعرية بالسوق الإسرائيلي. أما الجهة التي يوكل إليها تنظيم هذا القطاع فهي الهيئة العامة للبترول، والتي لديها صلاحيات واسعة للرقابة وضبط السوق، وينص صراحة على إلزامية توفير «مخزون استراتيجي».

غير أن الأزمات المتتالية تثبت أن هذا النص القانوني لم يطبق، إذ يقف السوق المحلي أعزلاً أمام أي شح في التوريد الإسرائيلي أو تذبذب في أسواق الطاقة العالمية.

ويوم الثلاثاء، قاد استمرار نقص المحروقات إلى أصبحت الأزمة أمام بعض محطة الوقود التي تتبع المستوطنات.

ووثق مواطنون مشاهد مصورة عكست طوابير أمام مستوطنة «كرنيه شمرون»، الواقعة على الطريق بين نابلس وقلقيلية، وهو أمر تكرر على الطرق الخارجية وأمام بعض المستوطنات على الطرق الخارجية، حيث قدمت محطات المحروقات خدمات للسائقين. كما لجأ مواطنون إلى شراء المحروقات من خلال نقاط البيع الخاصة بالتهريب والبعيدة عن أماكن سيطرة أجهزة الأمن والجهات الرسمية الفلسطينية.

المصدر … صحيفة القدس العربي .

Share This Article