الصحافة العبرية… الملف اليومي الصادر عن المكتب الصحافي التابع للجبهة الديمقراطية

 افتتاحيات الصحف + تقارير + مقالات

معاريف 18/6/2026 

اتفاق مؤقت: الولايات المتحدة تمنح ايران مفاتيح لبنان

بقلم: افي اشكنازي

تُعتبر وثيقة المبادئ التي وُقّعت الليلة (بين الأربعاء والخميس) وكُشِف عنها أمس، إجراءً مؤقتًا في المقام الأول. وهي مُحدّدة بفترة ستين يومًا، مع إمكانية التمديد. وتتعلّق الوثيقة بوقف القتال على الساحة الإيرانية اللبنانية، وهنا تُوجّه ضربة قوية لإسرائيل: إذ تُقرّ الولايات المتحدة رسميًا بأن لبنان محمية إيرانية.

في عام 1979، وقع الانقلاب الشيعي في إيران. وكان الهدف منه نشره في جميع أنحاء الشرق الأوسط والخليج العربي. وقد بدأ في العراق، في حرب طويلة خلّفت مئات الآلاف من القتلى. امتد هذا الأمر إلى اليمن وسوريا، والآن تسلّموا رسمياً مفاتيح لبنان من بوابته. دولة كانت مسيحية تحت الحماية الفرنسية قبل أقل من قرن، تتحول إلى دولة شيعية في عهد دونالد ترامب.

يُعاني حزب الله حالياً من أسوأ حالاته. ففي قمة مجموعة السبع في فرنسا، وجّه الرئيس الأمريكي صعقة  إنعاش للحزب. إن قدرة إيران على تصدير النفط الخام ستُمكّنها من الحصول على سيولة نقدية. سيتم توزيع النفط على روسيا والصين بأسعار زهيدة. بعبارة أخرى، سيحصل الصينيون على حافز اقتصادي أمريكي، وسيتمكن الروس، الذين يرزحون تحت وطأة نفقات الحرب في أوكرانيا، من خفض تكاليف الطاقة التي تُثقل كاهل الحكومة والاقتصاد الروسيين.

يسمح الاتفاق لإيران بمواصلة برامجها النووية. صحيح أن الاتفاق الشامل سيُلزمها بتخفيف تركيز اليورانيوم المخصب والتخلي عن جزء منه، إلا أن حدوث ذلك أمر مستبعد للغاية. لكن ينبغي الانتباه إلى البند الذي يسمح لإيران بمواصلة برنامجها النووي. أي أن إيران ستتمكن من مواصلة بناء منصات صناعية، بما في ذلك معاهد البحوث وبناء المفاعلات النووية. وستمتلك أجهزة طرد مركزي لتخصيب اليورانيوم.

والسؤال هو: هل سيتمكن الإيرانيون، بعد عامين حين يصبح ترامب مجرد إرث، أو ربما بعد عشرين عامًا، من إنتاج اليورانيوم بسرعة فائقة، بما يملكونه من معرفة وتكنولوجيا، ليخضع لعملية تخصيب تصل إلى مستوى القنبلة الذرية؟

——————————————

القناة 12 العبرية 18/6/2026 

إسرائيل تعود إلى وضع “العشيقة” في الشرق الأوسط

بقلم: البروفسور إيلي فودا

البروفسور ايلي فودة استاذ في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بالجامعة العبرية، وعضو في المجلس التنفيذي لمنظمة ميتفيم، وعضو في ائتلاف الأمن الإقليمي

دخلت إسرائيل والولايات المتحدة – أو بالأحرى ترامب ونتنياهو – الحرب ضد إيران معًا، لكنهما خرجتا منها متباعدتين تمامًا. وخلافًا للتوقعات، لم تشارك إسرائيل إطلاقًا في صياغة الاتفاق مع إيران، الذي تُثير بنوده قلقًا بالغًا. والأهم من ذلك، أن إسرائيل تجد نفسها معزولة على الساحة الإقليمية والدولية، مع خطر حقيقي يتمثل في أن تصبح دولة منبوذة.

لقد تفاقمت عملية “عزل” إسرائيل مع ازدياد تعقيد الحرب مع إيران وعدم تحقيقها النتائج المرجوة المتمثلة في إسقاط النظام. اكتشف ترامب أن تقارب نتنياهو كان مجرد “عناق زائف”. وهكذا، خلال المفاوضات مع إيران، عقد ترامب مؤتمرًا هاتفيًا مع قادة السعودية وباكستان والإمارات وقطر والبحرين وتركيا ومصر والأردن. القاسم المشترك بين هذه الدول هو تحالفها مع الولايات المتحدة، ودورها المحوري في سياسات الشرق الأوسط، وتأثرها أو تضررها من الحرب. أما إسرائيل، التي تنطبق عليها جميع هذه المعايير، فلم تكن حاضرة. بدلاً من ذلك، حافظ ترامب على اتصال مباشر مع نتنياهو لضمان قبول إسرائيل للاتفاق. حتى أن العديد من القادة العرب دُعوا إلى قمة مجموعة السبع في باريس، لكن إسرائيل لم تُدعَ.

تُبرز هذه التحركات التراجع الذي طرأ على مكانة إسرائيل في الشرق الأوسط عقب أحداث 7 أكتوبر وجولات الحرب ضد إيران. لهذا التراجع جانبان: أولهما، أن إسرائيل ليست شريكة في جميع التحركات الأمريكية، التي فُرض بعضها عليها بشكل مفاجئ. وثانيهما، أن إسرائيل ليست شريكة في المشاورات الإقليمية المشتركة. وهكذا، عادت إسرائيل إلى حد كبير إلى الفترة التي سبقت توقيع اتفاقيات ابراهيم عام 2020، حين كانت معظم اتصالاتها مع دول المنطقة – بما فيها مصر والأردن اللتان وقعتا اتفاقية سلام – تُجرى في الخفاء.

لا تزال الدول العربية ترغب في إسرائيل، ولكن سرًا. وقد وُقعت اتفاقيات أبراهام قبل ست سنوات فقط، إلا أنها غيّرت جذريًا علاقات إسرائيل مع بعض دول المنطقة. فقد أصبحت العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة والمغرب والبحرين علنية، وشملت جوانب كانت سرية سابقًا، مثل التعاون العسكري والمشتريات العسكرية وغيرها. علاوة على ذلك، لم يقتصر التعاون على الجوانب الحكومية والعسكرية والاستخباراتية فحسب، بل شمل أيضًا عناصر المجتمع المدني، ما أدى إلى ظهور أولى بوادر التطبيع الكامل – ما يُطلق عليه الإسرائيليون “السلام الدافئ”.

كما أدى توقيع اتفاقيات أبراهيم في أوائل عام 2021 إلى نقل إسرائيل من القيادة الأوروبية الأمريكية (EUCOM) إلى القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM). أتاحت هذه الخطوة التعاون – بعضه علني وبعضه سري – بين إسرائيل وبعض الدول العربية الأعضاء في القيادة، بما فيها السعودية، التي لم تكن منضمة إلى اتفاقيات أبراهيم. ويصعب تصور جولات الحرب ضد إيران دون هذا التعاون.

كما أرست اتفاقيات أبراهيم الأساس لثلاث مبادرات سياسية واقتصادية تربط إسرائيل علنًا بالمنطقة. أولها منتدى النقب، الذي تأسس في آذار 2022، وجمع في سديه بوكير وزراء خارجية الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر والإمارات العربية المتحدة والمغرب والبحرين. وكان الهدف من فرق العمل التي شُكّلت في إطار المنتدى هو دعم مشاريع مدنية متنوعة. وكان من المقرر عقد الاجتماع الثاني في المغرب، لكن أنشطته عُلّقت عقب الحرب.

وأُعلن عن المبادرة الثانية في تموز 2022، بمشاركة الولايات المتحدة وإسرائيل والهند والإمارات العربية المتحدة (وتُعرف اختصارًا بـ U2I2 وهو اختصار لاسم الدول الأربع مضروبًا في اثنين)، وتهدف إلى التعاون في مجالات الأمن الغذائي والطاقة النظيفة والمياه والنقل والصحة والفضاء والتكنولوجيا.

أما المبادرة الثالثة، فقد أُطلقت في أيلول 2023، قبل شهر من هجوم حماس، وتتمحور حول إنشاء ممر يربط الهند بأوروبا عبر الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن وإسرائيل. وتشمل الخطة إنشاء بنية تحتية مادية كالسكك الحديدية والطرق ومرافق الطاقة، وبناء الموانئ، ومدّ كابلات الاتصالات.

 ترامب يُدير الشرق الأوسط – بدون إسرائيل

في نواحٍ عديدة، فتحت اتفاقيات أبراهيم عهدًا جديدًا. إلا أن هجوم حماس وتقلبات الحرب ضد إيران أعادت الوضع إلى ما كان عليه في السابق. ويبدو هذا التطور مفاجئًا، إذ لا تزال إسرائيل والعديد من دول المنطقة تتشارك في أعداء مشتركين، مثل إيران وحماس وحزب الله والإخوان المسلمين وتنظيم داعش وحركة الجهاد الإسلامي وغيرها.

لكن يرى كثيرون أن الرد الإسرائيلي كان قاسياً للغاية، وأدى إلى مقتل أبرياء في غزة (ويعتبره البعض “إبادة جماعية”). ويُنظر إلى احتلال الأراضي في غزة ولبنان وسوريا على أنه جزء من مخطط لتوسيع رقعة إسرائيل، بينما يُنظر إلى الهجوم على قطر على أنه سلوك مُتنمر إقليمي لا فاعل يسعى للحفاظ على الاستقرار الإقليمي. علاوة على ذلك، لا تُعتبر تصرفات إسرائيل في الضفة الغربية مجرد جنون حفنة من المستوطنين المتطرفين، بل تعبيراً عن السياسة الحقيقية لحكومتها، التي تسعى إلى ضم هذه الأراضي، وعلى أي حال، معارضة أي تسوية سياسية مع الفلسطينيين.

كان أبرز مثال على عملية الانسحاب هو ما حدث مع الإمارات العربية المتحدة، الداعم الأبرز لإسرائيل خلال الحرب، بل والداعم الوحيد لها تقريبًا. ويُظهر إصرارها على إبقاء زيارة نتنياهو سرية مدى الخوف من التماهي العلني الصريح مع هذه الحكومة وزعيمها تحديدًا.

كما فقدت إسرائيل مكانتها الخاصة كقوة قادرة – بمفردها أو عبر اللوبي اليهودي – على مساعدة بعض الدول في تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة. إلا أن معظم هذه الدول طورت قنوات اتصال مستقلة ومباشرة مع ترامب، ما جعل الحاجة إلى إسرائيل غير ضرورية.

وبعد الإنجازات التي حققتها إسرائيل في الحرب، باتت دول المنطقة تُقرّ بقدراتها العسكرية والتكنولوجية، لكنها تُفضّل التعامل معها سرًا بدلًا من علنًا. وبهذا، عادت إسرائيل إلى وضع “العشيقة” الذي ميّزها قبل اتفاقيات أبراهيم.

ويُعدّ الوضع في لبنان استثناءً هامًا، إذ فتح الباب أمام نقاش عام حول الحفاظ على العلاقات مع إسرائيل. ويجب النظر إلى هذا التطور، بطبيعة الحال، في سياق ضعف حزب الله بعد جولات الحرب. إن الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يعزز حاجة إسرائيل الملحة للمضي قدماً في المسار اللبناني.

إن تضرر مكانة إسرائيل على الساحة الإقليمية والدولية ليس بالضرورة عملية لا رجعة فيها، ولكن لتغيير هذا الوضع، يتعين على إسرائيل تغيير سياستها. لا يمكنها تغيير موقفها تجاه إيران، لكن ساحات الصراع في سوريا ولبنان وغزة توفر فرصًا سياسية عديدة قد تُحسّن وضعها الإقليمي.

——————————————

هآرتس 18/6/2026 

إسرائيل تنفذ تطهيرا عرقيا

بقلم: اهود اولمرت

يجب ان تمضي الحرب ضد الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية قدما وان تنفذ بحزم اكبر. لم يعد من الممكن قبول الإرهاب اليومي الذي تشنه وتوجهه وتشجعه وتدعمه الحكومة الإسرائيلية. ما يحدث في هذه الاثناء في كل ارجاء الضفة الغربية ليس من فعل “70 مجرم مراهق”، مثلما حاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بتهور، الادعاء. أيضا هذه الجرائم لا ترتكبها اقلية صغيرة استثنائية من سكان المستوطنات في المناطق المحتلة، مثلما يدعي بعض شركاءهم من قادة المستوطنين.

اليوم لا يمكننا الا القول، بدون ان يكون لدينا خيار آخر، ان دولة إسرائيل تقوم بشن حملة تطهير عرقي منظمة وممولة، وتنفذ جريمة ضد الإنسانية، ليس في قطاع غزة، أو في جنوب لبنان أو في سوريا، بل في مناطق الضفة الغربية التي تخضع لسلطة الدولة الأمنية المطلقة وأجهزتها الأمنية والقانونية.

يقود هذه الحملة رئيس الحكومة ومعه وزير الدفاع يسرائيل كاتس والوزراء الآخرين بالطبع. ان الدافع من وراء هذه الاعمال الإرهابية هو نتيجة تصريحات وافعال وزراء معروفين، يسعون الى ضم كل الأراضي الفلسطينية بالكامل، بدون إبقاء السكان الفلسطينيين فيها. واقصد بالتحديد ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وكل الوزراء الآخرين الذين يدعمون بتصريحاتهم وافعالهم وبقرارات الحكومة، ما يرسي واقع ملموس يتمثل بطرد السكان الفلسطينيين.

هذه أمور صعبة. لم يسبق ان قيلت مثل هذه الأمور الخطيرة عن حكومة إسرائيلية وعن جهاز الامن بكل فروعه، وبالتاكيد ليس من شخص كان يتحمل في الماضي المسؤولية الكاملة عن امن إسرائيل. مع ذلك، بعد فترة طويلة ومؤلمة من كتمان الحقائق، لا مفر من قول هذه الأمور بكل فظاعتها.

لا شيء يبرر غض النظر عما نشاهده كل يوم في القرى الفلسطينية في المناطق المحتلة: مذابح، اذى جسدي للأطفال والكبار داخل البيوت وخارجها، احراق الحقول والممتلكات، سرقة واسعة، لا سيما للقطعان والاغنام التي تعتبر مصدر الرزق لكثير من السكان. من المستحيل الوقوف في وجه كل ذلك باستسلام متراخي أو بغفران مطلق أو عزوف عن مواجهة من يرتكبون الجرائم ومؤيديهم وقادتهم. في السنتين الأخيرتين وجهت اتهامات لدولة إسرائيل في كل محفل تقريبا في العالم، بما في ذلك في دول صديقة وقفت الى جانبها لسنوات في صراعاتها وفي أوقات الشدة والأزمات، بانها ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزة. لقد قلت في كل مناسبة ممكنة ان دولة إسرائيل لم ترتكب ولم تكن تنوي ارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.

في الواقع شنت إسرائيل الحرب أيضا (في اعقاب المذبحة الفظيعة في 7 أكتوبر التي نفذتها حماس) بوحشية، واحيانا اثناء ارتكابها أفعال لا يمكن انكار انها توصف بجرائم حرب. نعرف جميعنا ان هذا حدث، حتى لو امتنعنا عن الاعتراف بذلك. ولكن الحكومة لم تنتهج سياسة الإبادة الجماعية، ولم تقدم أي دعم متعمد ومنظم لافعال ينطبق عليها التعريف القانوني للابادة الجماعية.

في مناسبات كثيرة، بما في ذلك في “هآرتس”، اعترفت بارتكاب جرائم حرب، وكانت وسائل الاعلام العالمية تتوق لسماع اعتراف مني أو اتهام بان الحكومة مسؤولة عن هذه الجرائم وانه يتم تنفيذها بمعرفة وموافقة قادتها. أنا اعترضت على هذا التفسير ولم اندم على ذلك. اعرف ان كثيرين من الذين شاركوا في الحرب في قطاع غزة وفي بعض مظاهرها القاسية والوحشية، يعانون من تانيب الضمير بسبب أفعال يتحملون هم أو وحداتهم المسؤولية عنها. يشعر عدد غير قليل من الطيارين بشعور صعب، حيث يجدون صعوبة كبيرة في تقبل ما قاموا به، وتقبل قتل الأبرياء الذي تسببوا فيه. وقد سمعت ذلك منهم.

مع ذلك، مقاتلي القوات الجوية، مثل مقاتلي المدفعية والمدرعات والقوات البرية، لم يكونوا هم الذين اصدروا الأوامر أو حددوا الأهداف لتدميرها أو قتلوا أبرياء باعداد كبيرة. هم حصلوا على الأوامر، وقد كانت هذه الأوامر أحيانا متسرعة وغير مسؤولة، وفي حالات كثيرة بدون فحص دقيق لاحتمالية سقوط الكثير من الأبرياء كضحايا لهذه الهجمات. ولكن لم يكن هناك أي قرار واعي او سياسة متعمدة، سواء من جانب الحكومة أو من جانب أي عضو فيها، أعطت الضوء الأخضر لعمل نتج عنه عمليات قتل جماعي.

لذلك، حتى لو حدثت جرائم لا يمكن تجاهلها أو نفيها في قطاع غزة اثناء القتال، فانه لم تكن هناك سياسة محددة من قبل الحكومة، وبالتالي، لم يكن هناك مبرر لاصدار مذكرات اعتقال ضد رئيس الحكومة أو وزير الدفاع أو أي قائد كبير في الجيش. هذا ما كنت اعتقده في حينه وما زلت اعتقده الآن.

لا ينطبق هذا على ما يحدث في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة، لا سيما في الأشهر الأخيرة. هنا لا اتردد في اتهام الحكومة مباشرة بالمسؤولية المباشرة والفورية عن جرائم الحرب والتطهير العرقي التي تنفذ ضد مئات آلاف السكان الفلسطينيين، الذين ليس لهم صلة بالإرهاب، بشكل مباشر أو غير مباشر. ما كان لآلاف المستوطنين المتورطين في تنفيذ هذه الجرائم أن ينفذوها لو انهم لم يحصلوا على المساعدة والدعم والحماية والتمويل من المسؤولين في الحكومة الحالية. هذه الجرائم التي تشمل أيضا تحرش جنسي خطير (حتى لو يكن بالضبط مثلما نشر في “نيويورك تايمز”)، لم تكن سترتكب لولا تواطؤ منفذيها الذين عملوا تحت مظلة الدعم الذي قدم لهم في كل مراحل افعالهم.

ان الشرطة الإسرائيلية متواطئة في الواقع فيما يحدث في المناطق الفلسطينية، فهي لا تحاول منع هذه الأفعال، مع ان هذا هو واجبها ودورها. بل ان قوات الامن في أحيان كثيرة تقدم الدعم الفعلي للإرهابيين اليهود وتقوم باعتقال، بشكل مريب، الفلسطينيين، ضحايا الجرائم، وليس من ينفذونها.

هناك حالات كثيرة تورط فيها جنود في الخدمة النظامية وفي الاحتياط في مواجهات واعتداءات ضد الفلسطينيين، وبعد ذلك يصدر المتحدث باسم الجيش بيان بان هذه الاحداث لا تتوافق مع قيم الجيش وسياسته، لكن هذا كلام فارغ. فالحقيقة هي ان الجنود في أماكن متفرقة يشاركون في اعمال عنف تصل أحيانا الى درجة قتل السكان الفلسطينيين.

لا يمكن تجاهل إخفاقات جهاز الشباك في منع الجرائم الإرهابية اليهودية والكشف عن منفذيها. الشباك، مثل الجيش الإسرائيلي، عزيز علي. انا عملت لسنوات كثيرة بالتعاون مع مقاتليه وقادته في مناصب مختلفة شغلتها في السابق. أنا اعرف تفانيهم وشجاعتهم وبطولتهم وقيمهم، وادرك تماما قدراتهم وانجازاتهم. لا يمكن تفسير تقاعس جهاز الامن عن اتخاذ الخطوات التي يمكنه اتخاذها، والتي يمتلك المؤهلات والصلاحيات المطلوبة لها، لمنع الإرهاب اليهودي المتفشي في المناطق الفلسطينية المحتلة. لا يوجد أي مبرر لاعفاء الشباك من المسؤولية عن منع هذا الإرهاب. الشباك مسؤول عن منع الإرهاب، سواء ارهاب فلسطيني (ما يقوم به الشباك بجهود جديرة بالثناء ونجاح كبير) أو يهودي.

لم تبدأ إخفاقات الشباك في التعامل مع الإرهاب اليهودي في فترة تولي رئيسه الحالي منصبه فقط، والقصد هنا ليس تحميله المسؤولية استنادا الى النقاش المشروع الذي جرى عن تعيينه. بل ان هذه الإخفاقات مستمرة منذ زمن، ولا يوجد مبرر لغض النظر عنها.

يقع على عاتق جهاز انفاذ القانون الإسرائيلي واجب اتخاذ الخطوات المطلوبة لوقف ما يفعله اليهود في المناطق. ولكن في ظل اليقين بان الحكومة لن تتخذ أي خطوة وان وزير الدفاع سيستمر في رفض اصدار أوامر اعتقال اداري بحق اليهود، وان الشرطة ستواصل التعاون مع منفذي الإرهاب، وان الجيش سيستمر في غض النظر بدون ان يسلك احد المسار القانوني المخصص له، فان هناك احتمالية كبيرة في ان يبدأ المجتمع الدولي بالتحرك بحزم ضد الافراد والمنظمات والحكومة، المسؤولين عن هذه الجرائم.

ستبذل الإدارة الامريكية والحكومات في أوروبا، بالتنسيق مع أجهزة التحقيق والتنفيذ، كل ما تمتنع عنه سلطات انفاذ القانون الإسرائيلية لمنع استمرار الإرهاب الذي تسمح به دولة إسرائيل في المناطق التي تخضع لسيطرتها ومسؤوليتها. ومن المرجح ان تتخذ محكمة الجنايات الدولية في لاهاي خطوات اكثر حزما واكثر دقة ضد القادة والإرهابيين الذين تم التعرف على كثيرين منهم، للمساعدة في وقف هذه الجرائم.

اما ردة الفعل التلقائية للإرهابيين ومؤيديهم، وعدد غير قليل من المواطنين الأبرياء الشرفاء بيننا، هي ان أي تعبير عن معارضة أو ازعاج للاسرائيليين اليهود، بما في ذلك المؤسسات في كل ارجاء العالم، هو تعبير عن اللاسامية. في الواقع توجد معاداة السامية في مناطق مختلفة في ارجاء العالم، وقد كانت جزء من تاريخنا طوال حياتنا، بل هي ازدادت في السنوات الأخيرة. ولكن لا يمكن الدمج بينها وبين العداء والادانة لما تفعله حكومة إسرائيل أو تقوله، أو ربط دولة إسرائيل بها.

هل يتخيل أي احد انه يمكن غض النظر عن كل الانتهاكات التي يقوم بها الإسرائيليون ضد الفلسطينيين، وتوقع ان يغض الناس في كل العالم النظر، الذين يشاهدون الدمار والكراهية والاضطهاد والحرائق والعنف الإسرائيلي، مثلما يفعل كثيرون منا هنا؟.

لقد حان الوقت للتوقف عن التظاهر بالاستقامة والنفاق، ومحاربة الأعداء في الداخل.

——————————————

 

هآرتس 18/6/2026 

رغم آمال ترامب، سوريا لن تدخل الى لبنان

بقلم: تسفي برئيل محلل الشؤون العربية في صحيفة هآرتس

في لحظة من الصراحة، وانطلاقا من خبرته كمطور عقارات، قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطته الجديدة لانهاء الحرب في لبنان. وقال ترامب للمراسلين في لقائه مع رئيس وزراء قطر على هامش قمة مجموعة “جي 7” في فرنسا في يوم الثلاثاء: “اذا لم تستطع إسرائيل من القيام بالمهمة بدون قتل الجميع فستقوم سوريا بذلك”. وأضاف: “لقد كان الشرع سخيا معي، وهي قادر تماما على التعامل مع حزب الله”.

هذا اجراء سائد في قطاع يعتبر فيه الوقت من ذهب: عندما يستغرق مشروع معين وقت طويل بدون تحقيق أي نتائج، مع هدم عدد كبير من المباني بدون حاجة، لا يبقى خيار الا استبدال المقاوم. كان يجب على إسرائيل ان تدرك الان ان ترامب لا يتفق معها في الراي حول الساحة اللبنانية، التي تتحول بسرعة من جبهة قتال إسرائيلية الى ورقة مساومة دبلوماسية لإيران، في لعبة استسلم فيها ترامب بالفعل. فالى جانب رغبة ايران في الحفاظ على مكانة حزب الله وسلطته، يعتبر لبنان أيضا جزء لا يتجزأ من الضمانات الملموسة التي تطلبها من الولايات المتحدة لاثبات قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وقف اطلاق النار في لبنان، إضافة الى المطالبة بالافراج المبكر عن مليارات الدولارات المجمدة في بنوك في ارجاء العالم ورفع الحصار عن مضيق هرمز، هي رزمة واحدة من الشروط الاساسية التي طلبتها ايران، وستحصل عليها، قبل البدء في المفاوضات حول الاتفاق النهائي.

ان اقتراح نقل علاج موضوع حزب الله من إسرائيل الى المتعاقد السوري يذكر بدرجة معينة بالفكرة بعيدة المنال المتمثلة في تفعيل المليشيات الكردية للمساعدة في اسقاط النظام في ايران. يبدو انه يوجد لاحمد الشرع دافع قوي لسحق التنظيم. فهو زعيم سني اسقط نظام الأسد ويحتقر ايران وله تاريخ طويل من العداء مع حزب الله الذي قتل الكثير من رجاله في الحرب الاهلية السورية. أيضا يمتلك الزعيم السوري قوة عسكرية متنامية وعدد من المليشيات المسلحة الأخرى، وغيرها اقل تنظيم قد تبحث فقط عن مساحة جديدة لها للعمل بعد فرض القيود عليها في داخل سوريا. ما الذي قد يكون اكثر جدوى وفعالية من حرب عصابات دموية في لبنان، تقضي على حزب الله في غضون أسبوعين أو ثلاثة؟.

لكن اذا اخذنا نتاج تفكير ترامب الاستراتيجي الجديد على محمل الجد فيجدر الذكر بان ايران قد تطلب منه بسهولة وقف القوات السورية بعد ان اخضعته بالفعل واملت عليه وعلى إسرائيل شروط وقف اطلاق النار في لبنان. ولكن يبدو ان ايران لن تضطر الى التدخل على الاطلاق. فقد أوضح الشرع بالفعل انه لا يهتم بهذا المشروع. ومع كل الاحترام والصداقة التي يكنها لترامب ورغم اعتماد سوريا على واشنطن، الا ان التورط العسكري في لبنان لا يعتبر خطة واقعية بالنسبة له في الوقت الذي تعاني فيه بلاده من العنف ولم تستقر بعد عسكريا واداريا. وقد أوضح الشرع مؤخرا وقال: “لقد انتهى زمن تدخل سوريا العسكري في لبنان”.

بين لبنان وسوريا تجري منذ أسابيع محادثات معقدة لاعادة العلاقات بين البلدين، بما في ذلك الافراج المتبادل عن السجناء وتنسيق عملية مراقبة المعابر الحدودية لمنع التهريب، لا سيما مسألة ترسيم الحدود بين الدولتين، وهي مسالة وثيقة الصلة بالمفاوضات بين إسرائيل ولبنان. وفي نفس الوقت تطلب سوريا من لبنان، بالتنسيق معها حول أي خطوة دبلوماسية مع إسرائيل فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية وتواجدها على الأراضي اللبنانية.

يكمن القلق في سوريا في ان موافقة لبنان على تواجد الجيش الإسرائيلي على أراضيه، حتى لو كان بشكل مؤقت، قد تشكل سابقة تسمح لإسرائيل بالحصول على اذن من الولايات المتحدة للبقاء في سوريا. إضافة الى ذلك ما زال لبنان يعاني من صدمة السيطرة السورية الطويلة على أراضيه، وأي تلميح لعودة سوريا الى هناك يضعضع استقرار البلاد.

لكن حتى لو كان الشرع يريد بالسر شن حرب شاملة ضد حزب الله، فان قراراته السياسية والعسكرية تخضع بشكل وثيق للسعودية وتركيا، أو على الأقل يتم تنسيقها معها. تمول الرياض نفقات حالية كثيرة له وانقرة حليفة له، وقد كانت شريكته في اسقاط نظام الأسد، وهي تعيد حاليا بناء جيشه.

تبذل السعودية وتركيا جهود كبيرة لتحقيق الاستقرار في سوريا وإعادة تاهيل اقتصادها، وتتفقان في وجهات النظر حول الوضع في لبنان، وتسعيان بجهد لايجاد حل سياسي يسمح لحكومة لبنان باستعادة السيادة على كل أراضيها. قبل أسبوع، كشف النائب من حزب الله علي فياض، ان وفود من حزب الله التقت مع مسؤولين اتراك رفيعي المستوى وحصلت منهم على تاكيدات مطمئنة أوضحت بان سوريا لا تنوي ارسال جيشها الى لبنان. لا يعتبر موقف تركيا بوصفها طرف قادر على تقديم التزامات نيابة عن سوريا، مفاجئا. ولكن الملفت هو ان حزب الله هو الذي لجأ لتركيا بسبب ادراكه لقدرتها على التأثير على ترامب. وهكذا اعطى الحزب انقرة موطيء قدم في ساحة كانت شبه غائبة فيها (باستثناء القضايا الإنسانية). وفي نفس الوقت، وخوفا من ضغوط أمريكية كبيرة بشان القضية اللبنانية، وبعد التشاور مع تركيا، قرر الشرع تأجيل زيارته في واشنطن التي خطط لها في منتصف شهر حزيران، بدون تحديد موعد جديد للالتقاء مع ترامب.

لن تدخل سوريا الى لبنان، ولكن لا يمكن تجاهل الطعنة القوية التي وجهها ترامب لنتنياهو عندما شكك جديا في قدرة إسرائيل على تحقيق الهدف الذي من اجله احتلت أراضي في لبنان وقتلت آلاف الأشخاص ودمرت قرى وبلدات. تحمل أقواله تلميح واضح الى ان نطاق تحركات إسرائيل في لبنان، المحدود أصلا، يتقلص اكثر فاكثر، وان التنسيق بين واشنطن وطهران اصبح اقوى من التنسيق مع نتنياهو، الذي ما زال يحاول إقناعه بان ما يحدث له هو مجرد امطار صيف.

في هذه الأجواء المشحونة بالتوتر، تقرر عقد لقاء آخر بين الوفد الإسرائيلي والوفد اللبناني في يوم الاثنين القادم. وفي نفس الوقت ستبدأ المفاوضات بين ايران وامريكا. وما زال من غير الواضح ماذا سيدرج على جدول الاعمال. هل سيطلب من إسرائيل تقديم جدول زمني لاقامة “مناطق الاختبار” التي من المفروض ان تنسحب منها؟ هل يوجد شرط إيراني واضح للانسحاب الشامل من جنوب لبنان؟ هل ستتمكن حكومة لبنان من مواصلة تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله أو ان ايران ستستخدم حق النقض الفيتو ضدها؟. باختصار، كيف يمكن احراز التقدم في المفاوضات مع لبنان حول التنسيق الأمني، وبشان أي خطوة سياسية، في حين ان هذه المفاوضات مرهونة بنجاح أو فشل المفاوضات بين ايران والولايات المتحدة؟.

 ——————————————

إسرائيل اليوم 18/6/2026 

ايران انتصرت على ساعة الرمل الغربية

بقلم: عدي روتم مسؤول كبير سابق في الشباك وفي طاقم المفاوضات القومي، خبير في المفاوضات والساحة الفلسطينية

أحد الأخطاء الأكثر شيوعا في المفاوضات هو الافتراض بان من ينتصر في ميدان المعركة سينتصر أيضا حول طاولة المفاوضات. فقد تلقى ايران ضربة عسكرية قاسية للغاية، ومع ذلك – فان الاتفاق الذي يلوح في الأفق يدل على أن إنجازا عسكريا مبهرا لا يترجم بالضرورة الى انجاز سياسي موازٍ.

لقد انطلقت إسرائيل الى الحرب مع ثلاثة اهداف معلنة: إزالة التهديد النووي، إزالة التهديد الباليستي وتغيير النظام. غير أنه من الصعب الان الادعاء بان أيا من هذه الأهداف تحقق بكامله. فالنظام في طهران بقي على حاله، البنى التحتية التي تضررت يمكن إعادة ترميمها، وفي مسألة تخفيف منسوب تخصيب اليورانيوم أيضا، والتي يبدو ظاهرا أن ايران تعهدت بها متعلقة بمفاوضات إضافية تتواصل لنحو شهرين.

من السابق لاوانه جدا ان نعرف هل الاتفاق الحالي افضل من ذاك الذي تحقق في عهد أوباما – ذاك الاتفاق الذي هاجمه نتنياهو بشدة بما في ذلك في خطابه في الكونغرس. بمعايير المفاوضات فان النصر العسكري لا يندرج في الاتفاق الذي يحقق أهدافه من شأنه أن يتبين كانجاز جزئي فقط.

رغم الدونية العسكرية، فهمت ايران بان الزمن هو نقطة ضعف الغرب. أوروبا خشيت من حرب طويلة، وفي الولايات المتحدة تراكمت ضغوطات سياسية واقتصادية: انتخابات منتصف الولاية، أسعار النفط، التضخم المالي، احداث العلم الوطنية وافق سياسي اقصر بكثير من افق النظام الإيراني.

بالنسبة لواشنطن الزمن هو كلفة ينبغي تقليصها. اما بالنسبة لطهران فالزمن هو استثمار. نظام بقاؤه هو البوصلة العليا، ومن أجله لا تعد معاناة المواطنين اعتبارا حاسما، فهم بانه يكفي الا يهزم كي يحسن مواقفه حول طاولة المفاوضات.

الضغط على قطر

ثانيا، شخصت ايران بان الطريق الأكثر نجاعة للتأثير على واشنطن تمر عبر دول الخليج. الضغط على قطر، ذات النفوذ البارز في أروقة القوة الامريكية، هائل ويستهدف تسريع المطلب الإقليمي لانهاء القتال.

كما أن المؤشرات التي وصلت من عُمان التي ابتعدت بالتدريج عن دور الوسيط المحايد، عززت في طهران الإحساس بان استراتيجيتها تنجح.

ثالثا، اعادت ايران من جديد الربط بين الساحات وأوضحت بان المس بلبنان من شأنه أن يؤدي الى تصعيد مباشر مع ايران. وهكذا خلقت واقعا يكون فيه السبيل لمنع التدهور الى حرب استنزاف إقليمية تمر عبر اتفاق شامل.

الدرس الهام ليس أن ايران تخوض مفاوضات بشكل افضل من الغرب. الدرس هو أن المفاوضات تبدأ بفهم الخصم. السؤال ماذا سيفعل كل طرف اذا لم يتحقق اتفاق، وما هو الثمن الذي هو مستعد لان يدفعه لاجل استمرار المواجهة. لكن أيضا تقدير البدائل الأكثر دقة لا يكفي اذا كنت لا تفهم من يجلس امامك. أي قيم تحركه، وما هو مدى استعداده لان يتحمل الألم والثمن.

كما تجرى العاب الحرب قبل الخروج اليها هكذا مطلوب أيضا خوض “العاب المفاوضات”. لانه في الشرق الأوسط تبدأ المعركة الحقيقية غير مرة بالذات بعد أن تتوقف النار.

——————————————

يديعوت 18/6/2026 

سئم العالم من حروب الشرق الأوسط، لكن نتنياهو يُصرّ على الأراضي التي احتلها

بقلم: آفي شيلون

لقد أدى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران إلى خيبة أمل إسرائيلية تجاه الرئيس ترامب، الذي يبدو أنه تراجع عن موقفه. ويُذكّر هذا الشعور بالغضب الذي ساد البلاد تجاه الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي كانت بلاده تُعتبر حليفًا وثيقًا لنا حتى ستينيات القرن الماضي، لكنها انسحبت من التحالف قبيل حرب الأيام الستة.

وبينما وُجّهت انتقادات لديغول، الذي وصف اليهود في غضبه بأنهم “شعب متغطرس ومتسلط”، أقرّ بن غوريون بأن الرئيس الفرنسي، الذي سحب بلاده من الجزائر، ظلّ قائدًا عظيمًا، وأنه تصرّف ببساطة لمصلحة بلاده.

اليوم، لا توجد لدينا قيادة تُصارح الشعب بالحقيقة غير الشعبوية، والتي تُؤكد أن ترامب لم يعمل قط باسم إسرائيل، وهو بالطبع ليس ضدها. فقد أدرك الرئيس، بحكمته، أنه إذا تعذّر هزيمة إيران، فمن الأفضل إنهاء الحرب والتركيز على السبب الجوهري لاندلاعها: القضاء على الخيار النووي. في الواقع، يتسم ترامب بالثبات في سياسته الخارجية: فهو يؤمن بأن العالم مُقسّم إلى قوي وضعيف، وبالتالي من الأفضل للطرف الخاسر أن يُقدّم تنازلات. وفي موقفه من الحرب الروسية الأوكرانية، اقترح على زيلينسكي أيضاً التوصل إلى حل وسط وإنهاء الحرب بأفضل نتيجة ممكنة.

وينطبق الأمر نفسه على آيات الله: فإذا نجا النظام من جهة، وإذا أمكن، بعد الحرب، مطالبته بالتخلي عن أسلحته النووية، فهذه هي النتيجة الأمثل لإسرائيل والعالم. ففي نهاية المطاف، كانت إيران، قبل الحرب، مُستعدة لتحمّل مخاطر العزلة والعقوبات، بل وحتى المواجهة العسكرية، طالما أنها لا تستسلم. لكن إيران تستفيد أيضاً بلا شك: فمع رفع العقوبات والإفراج عن مواردها المالية، ستتمكن من التعافي، وإن كانت العملية معقدة نظراً لآثار الحرب المدمرة. بعبارة أخرى: الاتفاق مع إيران ليس فشلاً ولا نصراً كاملاً.

ينبغي تطبيق هذه النظرة المعقدة للاتفاق أيضاً على فهم نتائج حرب إسرائيل الطويلة التي بدأت في 7 أكتوبر، والتي بلغت ذروتها بهذا الاتفاق.

على عكس تباهي نتنياهو هذا الأسبوع، فقد تحسن وضعنا وتدهور في آن واحد. على جبهة غزة، هُزمت حماس ولم تعد تشكل تهديداً حقيقياً. لكن المشكلة ليست في بقاء مقاتليها على الأرض بأسلحتهم، بل في أنه طالما لم تُنفذ إسرائيل بنفسها خطة ترامب لإعادة إعمار القطاع، والتي تتضمن قيام السلطة الفلسطينية والقوات العربية بحكمه، فلن يكون هناك أي تحول يُلحق الهزيمة الحقيقية بحماس. والنتيجة ستكون أن يسعى القطاع الجريح في المستقبل إلى الثأر.

وينطبق الأمر نفسه على لبنان. حزب الله، رغم طائراته المسيّرة، ليس هو نفسه التنظيم الذي هدد إسرائيل بالغزو وعشرات الآلاف من الصواريخ. لكن طالما أن إسرائيل تُفضّل مواصلة القتال على توقيع اتفاقية سلام مع لبنان، الأمر الذي من شأنه أن يُطلق تحركًا لبنانيًا داخليًا لإخراج حزب الله، فلن نُحرز أي تقدم حقيقي في الشمال أيضًا.

علاوة على ذلك: من منظور دولي، يُلحق استمرار الحرب ضررًا بالغًا بصورة إسرائيل ومكانتها في العالم، وكذلك بصورة اليهود ومكانتهم. كما أن اعتماد نتنياهو الكامل على ترامب يُولّد تبعية يصعب التخلص منها. والسبب هو أن البدائل – الحزب الديمقراطي أو فصائل أخرى داخل الحزب الجمهوري – تتوجس منا.

والأسوأ من ذلك كله، أن إسرائيل لا تُدرك أن الاتفاق مع إيران إشارة إلى أن العالم قد سئم من حقبة حروب الشرق الأوسط، ويرغب في السعي نحو اتفاقيات الآن، لكن ما وعد به نتنياهو هذا الأسبوع هو فقط الإصرار على الأراضي التي سيطرنا عليها في سوريا – الجبهة الوحيدة التي شهدت تغييرًا ملموسًا – في غزة ولبنان. ومن الواضح أننا سنُجبر في النهاية، تحت ضغط دولي، على الانسحاب من هناك أيضاً، ولكن دون اتفاقيات سلام أو ضمانات للمستقبل.

بعبارة أخرى: بعد عامين ونصف من ذلك الحدث المروع في تاريخنا، تعافينا عسكرياً بالفعل، لكننا فشلنا في تحقيق ما اقترحه نتنياهو نفسه: “سنغير وجه الشرق الأوسط”.

——————————————

إسرائيل اليوم 18/6/2026 

الباكستان نالت علاقات عامة لكن قطر هي التي جلبت الاتفاق

بقلم: د. أوشريت بيرودكر

 مذكرة التفاهم التاريخية لوقف نار مؤقت بين الولايات المتحدة وايران، التي تحظى منذ الان على لسان دوائر دبلوماسية بلقب “اتفاق اسلام اباد” يشكل ظاهرا صعود الباكستان كمحور وساطة مركزي ومفاجيء في الساحة الدولية.

المؤسسة في الباكستان، التي دفعت بكل قوتها لاستضافة احتفال التوقيع في أراضيها، وان كانت اضطرت لان تقبل باختيار سويسرا الحيادية، الا انها تواصل جهودها لترك اثرها على صفحات التاريخ. لكن، نظرة الى ما يجري خلف الكواليس تكشف فجوة بنيوية بين تصميم الرواية وبين الواقع الفعلي. فبينما شكلت الباكستان كـ “المبعوث” الرسمي لجهود الوساطة، فان المديرة على مذكرة التفاهم هي قطر.

مع نشر البيان عن التوافقات بين الطرفين، سارع زعماء العالم لاغداق المدائح على اسلام اباد. الباكستان بالفعل أبدت فاعلية دبلوماسية غير مسبوقة حين نجحت في التوسط وتحقيق وقف النار الأول في 8 نيسان. في الاسابيع ما بعد ذلك استضافت اللقاء الأعلى بين واشنطن وطهران منذ 1979. زعماؤها اداروا ميراتون دبلوماسي بين واشنطن وطهران لمنع انهيار الحوار.

غير أنه في الساحة الدولية العمل والنشاط الدبلوماسي لا يمكنهما أن يحلا محل روافع القوة الحقيقية. يبدو أنه على مدى الطريق لم تكن الباكستان الا المبعوثة بين الممالك الحديثة للشرق والغرب، قناة لنقل الرسائل مسؤولة عن نثر غبار التفاؤل بينما المديرة الفعلية عن الحدث كله كانت قطر.

على طول الطريق اعرب الباكستانيون عن استيائهم من الخيار الإيراني لتوزيع لقاءات المفاوضات في عواصم مختلفة بدلا من تركيزها في اسلام اباد وتتويجها بالمجد. طهران من جانبها فهمت بان الباكستان متعلقة بواشنطن وتميل غربا، ورأت في قطر وفي عُمان وسيطتين اكثر مصادقة.

رغم أن وساطة النزاعات هي جزء مركزي من اجندة حكومة قطر وعنصر جوهري في هويتها في الساحة الدولية، بشكل رمزي وكخطوة احتجاجية رفضت ان تقود المحادثات بين الولايات المتحدة وايران بنفسها – خطوة استهدفت اطلاق رسالة لإيران بانها لا يمكنها أن تمس بقطر وتتوقع منها بعد ذلك ان تتوصل لتحصيل شروط جيدة لطهران.

ان اغلاق مضيق هرمز لم يترك لقطر خيارا. فقد أثر على الدولة التي تعتمد على المسار البحري لتصدير الغاز الطبيعي المسال، والتي لا يمكن نقله بانابيب تقليدية. وتقدر المصادر بان قطر فقدت نحو 17 في المئة من تصديرها للغاز في السنوات الخمسة القريبة القادمة.

 انجاز موضع شك

في الأسابيع الأخيرة برزت قطر كعنصر حرج، حين أجرت محادثات مع الولايات المتحدة، الباكستان، ايران ولاعبين اقليميين مثل تركيا والسعودية. صحيح ان الدوحة حاولت الإبقاء على هذه المحادثات في الظل، غير أنه تحت السطح كانت قطر هي المحرك الحقيقي والجهة الحصرية القادرة على أن تجسر الفجوات الجوهرية بين طهران وواشنطن.

للدوحة تاريخ وتجربة متراكمة في الوساطة الامريكية والإيرانية مثلما لديها فهم عميق للهندسة الأمنية في الخليج الفارسي – وهي أصول لا توجد تحت تصرف اسلام اباد. لقد كان لقطر الرافعة من الطرفين، وهذا التموضع هو أيضا ما ساعدها على ان تحصل على تسهيلات على مدى الحرب. في اطار الجهود لفتح قناة حوار مباشرة مع طهران نشأت قبل نحو شهر أيضا تسوية مالية وبحرية بين قطر وايران في اطارها دفعت مليارات الدولارات لطهران مقابل عبور حر لناقلات وسفن قطرية في مضيق هرمز.

ان حقيقة أنه قبل لحظة من اتفاق التوقيع في جنيف سيهبط الطرفان في الدوحة للقاءات تمهيدية وحاسمة تؤكد السطر الأخير – الحذوة منحت لاسلام اباد لكن مفاتيح تصميم الواقع بقيت في يدي قطر. لكن الإنجاز الدبلوماسي بقي موضع شك. مذكرة التفاهم ستذكر لاحقا كاتفاق زاد إحساس عدم الأمان في أوساط دول المنطقة، سرع سباق تسلح فتاك وضعضع الاستقرار العالمي واسم اسلام اباد سيرفرف على هذا الإنجاز المأساوي.

* د. أوشريت بيرودكر خبيرة في سياسة الخارجية والامن للهند، مستشارة لشركات امنية وباحثة كبيرة في معهد القدس للاستراتيجية والامن (JISS)

——————————————

 

هآرتس 18/6/2026 

قد تكون هزيمتنا امام ايران فرصة للسلام، مثلما حدث بعد العام 1973

بقلم: جدعون ليفي

جوقة من اليمين ومن اليسار (باستثناء نتنياهو) تقول: لقد هزمت إسرائيل سياسيا، وترامب ادار ظهره. هذا رثاء وطني لكارثة، وهزيمة كادت ان تكون محرقة. سارع مؤيدو بينيت الى التعهد بالتصحيح: إعادة العلاقات مع الولايات المتحدة، إعادة إسرائيل الى ساحات القتال لاستكمال المهمة. هذا هو التعهد الوحيد لهم في افضل الحالات.

لكن هذه لم تكن محرقة أو كارثة. وقد مرت إسرائيل بامتحان حقيقي في ايران يشبه فترة نقاهة، انكشفت فيها الحقيقة. قد يكون كشف الحقيقة أهم تطور إيجابي في السنوات الأخيرة. فاذا تمكنت الدولة من استخلاص الدروس الصحيحة، فقد يتحول ما يسمى بالكارثة الى فرصة تاريخية.

في احدى الكوارث السابقة، كارثة العام 1973، عرفت إسرائيل كيفية تعلم الدروس وفتح فصل جديد في تاريخها – فصل السلام. يجب ان تؤدي كارثة الحرب في ايران الان الى يقظة مشابهة، لكن لا يوجد في الوقت الحالي من يقودها.

الواقع يقول ان دولة صغيرة يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة لا يمكنها محاربة كل العالم، حتى لو كان أولادها هم أولاد الشعب المختار، الذي يعرف ويفعل كل شيء افضل من كل العالم. لا تستطيع إسرائيل هندسة أنظمة، سواء في طهران البعيدة أو في غزة الجارة أو حتى في رام الله على الجانب الآخر للشارع. هذا ليس من شاننا. حتى على الولايات المتحدة هذا الامر اكبر منها.

لا تستطيع إسرائيل نزع سلاح التنظيمات أو اجتثاث المعتقدات السياسية من قلوب الناس. لقد انتهى زمن سيطرتنا على أمريكا، ومعرفة هذه الحقيقة هي فرصة للنظر في مرآة الحروب الأخيرة ورؤية الصورة المنعكسة فيها: دولة مع جيش من المفروض انه قادر على كل شيء ولكن لا يمكنه قيادة البلاد الى أي انجاز باستثناء الدمار السياسي.

أي دولة سليمة كانت ستتوصل الى النتيجة البديهية: نهاية عهد العيش على حد السيف لوحده. لقد قدمت السنوات الماضية ادلة كافية. ربما كانت كل الحروب الأخيرة العبثية ضرورية لفتح عيوننا ورؤية ان الحرب الاختيارية التي أفادت إسرائيل لم تولد حتى الآن.

يجب ان تكون الاستنتاجات فورية. الانسحاب من كل لبنان، قبل ان يقوم لبنان بشن حرب عبثية أخرى ضدنا مع ايران. وقف الجنون في الضفة الغربية على الفور قبل انقلابه علينا. إعطاء الجيش وسلاح الجو فترة راحة، لتنفس الصعداء وتناول الطعام في شارع بن غبرئيل.

اطلاق سراح آلاف السجناء الفلسطينيين في سجون بن غفير، البدء في معاملة الفلسطينية بشكل انساني، قبل ان يفرض علينا ذلك. تحديد التوجه، ماذا نريد، هل دولتان أو دولة ديمقراطية واحدة أو فصل عنصري انتحاري الى الابد – أي خيار من هذه الخيارات؟ لا يوجد خيار رابع ولن يكون.

لقد نشر في هذا الأسبوع بان كبار قادة الجيش الإسرائيلي يطالبون الحكومة بالتوصل الى اتفاق مع حكومة لبنان، قبل طرد الجيش الإسرائيلي بشكل مخجل من المناطق التي احتلها هناك. هنا يكمن جزء من اليقظة. ففي نهاية المطاف كان يمكن التوصل الى اتفاق مع الحكومة اللبنانية في وقت سابق، لكن إسرائيل احتاجت الى صدمة واقعية في زمن الحرب كي تعرف بانه لا يمكنها نزع سلاح حزب الله، ولن تستطيع فعل ذلك ابدا.

على الأقل بدأ الجيش الإسرائيلي يفهم ذلك. وينطبق نفس الشيء على حماس وعلى مقاومة الاحتلال في الضفة الغربية، وعلى النظام في ايران. مجرد كون إسرائيل مهووسة بجنون العظمة لا يعني انه يمكنها التصرف حسب معاييرها المهووسة: قصف من الهند وحتى كوش، اعتقادا منها بان ذلك سيخدم مصالحها.

لم تكن كارثة ما حدث لنا في ايران كارثة، بل كانت فرصة. لقد واجهنا الحقيقة مباشرة، فغضت بصرها. والان جاء دورنا لغض بصرنا.

——————————————

هآرتس 18/6/2026

كنيست أم ملجأ للمجرمين؟

بقلم: أسرة التحرير

في العام 2016 لم يكن أي سؤال. حصانة النائب في الكنيست باسل غطاس الذي اشتبه في حينه بمخالفة تهريب هواتف خلوية لسجناء أمنيين (وأدين بعد ذلك)، سحبت بالإجماع. بعد ذلك، تنازل عنها أيضاً قبل المداولات في الهيئة العامة. وكتب النائب أمير أوحنا في حينه: “لم يسبق أن كانت حصانة أكثر جدارة لأن تسحب. أثبت غطاس سواء بأفعاله موضع البحث هنا، أم بأقواله وأفعاله في الماضي، بأنه ليس خائناً، بل عدو”.

معقول الافتراض بأن الأمر ذاته يحصل اليوم في العام 2026 لو كان نائباًعربياً هو من كشف هوية رجل “شاباك” ونشر نظريات مؤامرة تشهيراً به وفقاً لما نشر في موقع إنترنت مشبوه.

 لكن بعد عشر سنوات من سحب حصانة النائب غطاس في لجنة الكنيست،لا يدور الحديث عن نائب عربي بل عن نائبة بلا حدود وعن ائتلاف لا يعارض المتهمين والمجرمين فحسب، بل يعانقهم أيضاً.

الأمثلة كثيرة: وزير الأمن القومي مجرم مدان، نواب يدافعون عن الإرهاب اليهودي، نواب حريديم يزورون سجن 10 متملصين من الخدمة العسكرية، وأحباء حكم ينشغلون بسد الطرق على مواطنين معارضين للحكومة وهم أنفسهم يتلقون العناق من أعضائها.

نشرت النائبة تالي غوتليف معلومات سرية، بخلاف قانون “الشاباك”، حين كشفت شخصية زوج شيكما بريسلر كرجل الجهاز. تفسيراتها التي تدعي البراءة عنيت بأنها تجاوزت قانون “الشاباك” في إطار مهمتها كنائبة، وأن لائحة الاتهام ضدها لم ترفع بنية طيبة.

ما تم في انعدام نية طيبة هو مخالفة أمن معلومات ارتكبتها غوتليب نفسها. وكما أشارت المستشارة القانونية للحكومة غالي بهرب ميارا، الأسبوع الماضي في لجنة الكنيست، فإن: “أمن المعلومات لا تحميه الحصانة”، وكشف اسم مقاتل “شاباك” مس بمصالح أمنية.

 غير أن أعضاء الائتلاف يهمهم أيضاً رص الصفوف وحماية شخصيات خطيرة مثل النائبة غوتليف. وهم يفعلون ذلك لاعتبارات مصلحية واضحة: هم أيضاً، سواء كأفراد أم كأحزاب، ينشغلون طوال الوقت في سلب ونهب الصندوق العام، وتحطيم معايير السلوك السلطوية، وتصفية الديمقراطية وتحويل الجنائي إلى قانوني.

أمس، علم أن زوج بريسلر رفع التماساً إلى محكمة العدل العليا ضد القرار. وجاء عنه أن “الكنيست تبث لكل رجال أجهزة الأمن السرية بأن عليهم توقع أن حياتهم ستصبح سائبة في صالح مصلحة سياسية لحظية”. هو محق،لكن لا يدور الحديث فقط عن رجال أجهزة الأمن السريين: فحياة عموم مواطني دولة إسرائيل تصبح سائبة في صالح مصالح سياسية ضيقة ولحظية.

—————-انتهت النشرة—————–

Share This Article