كتب جمال زقوت : نعم للإنتخابات والسؤال كيف وما الهدف؟

المسار: ليس ثمة مسؤولية أشقّ من قيادةِ شعبٍ يواجه، في آنٍ واحد، حربَ إبادة، واحتلالًا استيطانيًا إحلاليًا، وانقسامًا داخليًا طال أمده، وتراجعًا غير مسبوق في مكانة مؤسساته الوطنية وثقة الناس بها. في مثل هذه اللحظات التاريخية الفاصلة، لا يعود التحدي إدارةَ سلطة أو احتواء أزمة، بل يغدو السؤال الأعمق: كيف يُصان المجتمع و يُعاد بناء المشروع الوطني بما يمكّنه من حماية الإنسان الفلسطيني، وتجسيد إرادته، وصون مستقبله.

لا يدّعي هذه الطرح امتلاك إجابات نهائية أو وصفات جاهزة، بل يسعى إلى فتح، والإسهام في، حوار وطني جاد حول جملة من الأفكار التي تستحق أن تُطرح على أعلى مستوى سياسي، وعلى طاولة الرئيس تحديدًا، وبمشاركة مختلف القوى والمكونات السياسية والاجتماعية، في لحظة تواجه فيها القضية الفلسطينية أخطر محاولات التفكيك والتصفية.

من إدارة الأزمة إلى بناء الشرعية

لا يمكن اختزال اللحظة الفلسطينية الراهنة في أزمة حكومة أو خلل إداري أو تراجع في الأداء السياسي؛ فالمسألة، في جوهرها، تمسّ بنية النظام السياسي ذاته، وقدرته على تمثيل الشعب الفلسطيني وصون مشروعه الوطني، في ظل اختلال غير مسبوق في موازين القوى يُعاد توظيفه لإعادة تشكيل الواقع بما يهدد جوهر القضية الفلسطينية.

لقد تحولت الأزمة من حالة طارئة إلى بنية ممتدة من العجز، حيث يغدو التكيف مع الضعف بديلًا لتجاوزه، وإدارة الانحدار بديلًا لتغييره. وهنا لا يكمن الخطر في الواقع وحده، بل في أنماط التفكير التي تعيد إنتاجه.

ولا يقوم هذا الطرح على أوهام الحلول السريعة؛ فالتغيير لا تصنعه الرغبات، بل القراءة الدقيقة لموازين القوى وحسن توظيف الممكن. غير أن الواقعية لا يجوز أن تتحول إلى ذريعة للعجز أو غطاء لغياب المبادرة.

ومن هنا، تصبح المصارحة الوطنية ضرورة، وتبدأ بالاعتراف بأن السلطة الفلسطينية، في ظل الاحتلال، لا تملك أدوات الحماية لشعبها. غير أن هذا الاعتراف لا يقود إلى الاستسلام، بل إلى إعادة تعريف جوهر المسؤولية الوطنية، لتكريسها في القدرة على تنظيم الصمود، وصون المجتمع، وضمان استمراره السياسي.

استعادة الشرعية وتنظيم المرحلة الانتقالية

تستدعي هذه اللحظة إعادةَ وضعِ مسألة الشرعية في مركز التفكير السياسي الفلسطيني. فغياب التفويض الشعبي المتجدد يجعل أيَّ عمليةِ إعادةِ بناءٍ محدودةَ الأثر. ومن هنا، تُمثِّل الانتخاباتُ الرئاسيةُ أولًا، التي طال انتظارها لأكثر من عقدين، استحقاقًا دستوريًا وأخلاقيًا، ونقطةَ انطلاقٍ لإعادة التأسيس. وبالتأكيد، فإنها الأقلُّ تعقيدًا من الناحية اللوجستية، خاصةً في قطاع غزة، ولأسبابٍ معلومةٍ للجميع.

غير أن الانتخابات، رغم ضرورتها، لا تكفي وحدها؛ إذ لا بد من توافق وطني يرسم إطار المرحلة الانتقالية، ويضمن الشراكة ويمنع احتكار القرار. فالتفويض يمنح الشرعية التي يوفر التوافق إطارها السياسي والتنفيذي.

وفي ضوء ذلك، يمكن تصور الحاجة لحكومة توافق انتقالية غير فصائلية، تقوم على الكفاءة والنزاهة، وتتولى توحيد المؤسسات في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتصدي للكارثة الإنسانية، وخاطر التهجير التي ما زالت على جدول أولويات حكومة تل أبيب، وتعزيز صمود الناس في الضفة الغربية، سيما في القدس المحتلة والمناطق المهددة بالضم والاقتلاع، وتهيئة الظروف لإعادة بناء النظام السياسي.

نحو مؤتمر وطني تأسيسي وعقد اجتماعي جديد

لا يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني دون عملية تأسيس شاملة تعيد تعريف العلاقة بين الشعب ومؤسساته. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مؤتمر وطني تأسيسي واسع يمثل الفلسطينيين في الداخل والشتات، بوصفه لحظة لإعادة التأسيس، لا مجرد محطة سياسية إضافية، بحيث يشارك في أعماله ممثلين عن مختلف مكونات الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية بما فيها القدس، وقطاع غزة، والشتات، إلى جانب النساء والشباب والأسرى المحررين واللجان الشعبية للاجئين والأكاديميين والنقابات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعات المهنية والاقتصادية، وقادة الحراكات الاجتماعية، بما يعكس التعدد الحي للمجتمع الفلسطيني.

ولا يهدف المؤتمر إلى مجرد إصدار بيان، بل إلى صياغة وثيقة تأسيسية تجيب عن الأسئلة الكبرى: ما هي وظيفة السلطة في ظل الاحتلال؟ كيف تُعاد صياغة العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير؟ وما موقع المقاومة في المشروع الوطني بحيث تبقى جزءًا من استراتيجية وطنية لا بديلًا عنها؟ وكيف يُبنى نظام ديمقراطي يضمن التداول السلمي للسلطة ويحمي الحقوق والحريات ويمنع احتكار القرار؟

فهذه الأسئلة ليست نظرية، بل جزء من معركة التحرر نفسها، إذ لا تنفصل شرعية النضال عن شرعية النظام السياسي الذي يتشكل في سياقه.

ومن هذا المنطلق، يمكن بلورة عقد اجتماعي فلسطيني جديد يقوم على أن الشعب هو مصدر الشرعية، وأن المؤسسات تستمد مشروعيتها من إرادته الحرة، وأن السلطة تخضع للمساءلة والتداول، وأن الوحدة الوطنية لا تعني إلغاء التعددية بل تنظيمها ضمن إطار جامع.

مسار تدريجي لإعادة بناء النظام السياسي

لا ينبغي أن يبقى هذا التصور مؤجلًا إلى حين اكتمال الظروف المثالية، إذ غالبًا ما يتحول ذلك إلى ذريعة لاستمرار الواقع القائم. لذلك، يصبح المسار التدريجي لإعادة بناء الشرعية ضرورة عملية لانتخابات برلمانية للمجلس التشريعي، وصولًا إلى إعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني على أسس تمثيلية شاملة تفضي إلى قيادة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير.

وبذلك، لا تكون الانتخابات محطات منفصلة، بل مسارًا تراكميًا يعيد بناء النظام السياسي خطوةً خطوة، شريطة أن تكون المرحلة الانتقالية مرحلة تأسيس لا إدارة أزمة أو إعادة إنتاج لها.

إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال

لا تكتمل إعادة بناء النظام السياسي دون مراجعة شاملة لطبيعة العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي، بوصفها الإطار الذي يحدد حدود الفعل السياسي الفلسطيني. فقد تحولت هذه العلاقة إلى جزء من بنية السيطرة، بما يستدعي إعادة تقييمها: هل تعزز صمود الشعب الفلسطيني أم تسهم في إدارة الاحتلال وتخفيف كلفته؟

ومن ثم، فإن أي مشروع وطني لا يعيد النظر في أدواته في مواجهة الاحتلال يبقى مشروعًا ناقص الفاعلية مهما بلغ تماسكه الداخلي.

من التفويض إلى إعادة التأسيس

إن الشرعية لا تُستمد من استمرار المؤسسات، بل من تجدد الإرادة الشعبية. ومن هنا، تمثل الانتخابات الرئاسية مدخلًا لإعادة التأسيس، لكنها لا تمنح حق احتكار القرار، لأن إعادة بناء النظام السياسي تتجاوز قدرة أي طرف منفرد.

وتقوم هذه الرؤية على الجمع بين تفويض شعبي متجدد يمنح الشرعية، وتوافق وطني شامل يحدد كيفية ممارستها ويصونها من الانفراد.

لا تقدم هذه الرؤية برنامجًا مغلقًا، بل أفكارًا مفتوحة مساهمة في حوار وطني لم يعد تأجيله ممكنًا، وهو ما يستدعي أوسع مشاركة ممكنة من الرأي العام. وإذا كانت القضية الفلسطينية تواجه أخطر محاولات التفكيك والتصفية، فإن من الضروري أن تُطرح هذه الرؤى وغيرها في إطار حوار وطني شامل وجاد ومسؤول للإعداد لمستقبل لا يتشكل من منطلق المحافظة على المواقع، وإنما من الحرص على صون المصير الوطني.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار الإخباري

نقلا عن وطن

Share This Article