وماذا بعد…التغول الاستيطاني يصل حي الطيرة في رام الله!

المسار: رام الله ـ عن «القدس العربي»:«عندما تصل المكعبات الأسمنتية إلى شمال رام الله في حي الطيرة ببعدها الرمزي، فإنه يفتح الكثير من الأسئلة حول ماذا يحدث في نابلس وماذا حدث ويحدث في جنين وطولكرم وبيت لحم وأريحا وكافة مناطق الضفة الغربية.. أريحا مثلا تحولت إلى سجن كبير يفتح من خلال البوابات اليومية»، كان هذا التصريح المقتضب تعقيبا من الوزير الفلسطيني السابق والمثقف الدكتور إيهاب بسيسو في تفاعله مع حادثة اقتحام ثلاثة مستوطنين مدخل حي الطيرة الراقي في رام الله وحول دلالات ذلك والمؤشرات التي يعكسها.
وحمل المشهد البسيط ولكنه المكثف موجة من الاهتمام والتندر، لقد حضر المستوطنون الثلاثة الأسبوع الماضي، ووضعوا مكعبات أسمنتية وقاموا بتجريف قطعة أرض، والهدف الذي بدى واضحا للجميع يتمثل في إقامة بوابة وكذلك نصب تذكاري لمستوطن قتل في المكان خلال انتفاضة الأقصى، وهو أمر غالبا ما يكون مقدمة لتدشين بؤرة استيطانية جديدة على مداخل الحي الراقي القريب من مؤسسات حكومية وخاصة ومستشفى وجامعة وأحياء سكنية خاصة.
وكانت المفارقة أن المستوطنين قدموا لوحدهم من دون أي حماية، فيما حضرت قوات جيش الاحتلال بعد أن حضر الصحافيون من أجل توثيق المشهد فيما ما كان من الجيش إلا العمل على طرد الصحافيين من المكان.
وعلق مواطنون بسطاء بالقول «إن مطل الطيرة في مهب الاستيطان» والمنطقة معروفة بإنها مكان يقصده المتنزهون والباحثون عن متنفس لهم ولعائلاتهم مع دفء شمس نهار أواخر آذار/مارس وتفتح شقائق النعمان ورائحة الميرمية الجبلية..ألخ، هذا الحضور البسيط عنى للجميع أن نواة بؤرة استيطانية ستصبح لاحقا سرطانا في منطقة سفح التل والوادي وصولاً إلى الجبل الذي يعيش فيه الميسورون والطبقة العليا.
وعلق السياسي الفلسطيني حسن أبو لبدة بالقول إن «بوابة على بابنا الغربي» وتابع قائلا: «شُغلت رام الله بما قد يكون مشروع بوابة على مدخلها الغربي، وأكثر ما يحزن في الموضوع أن الانشغال أساسه موجة التندر على الحدث، والتفكير بصوت عال في خيارات الطرق البديلة للخروج باتجاه ضاحية الريحان والمستشفى الاستشاري وخط القرى الشمالية، وعدم التصديق أن ذلك ممكن».
وتابع أبو لبدة: «يبدو أن مفهوم خوض النضال الشعبي ضد تغول الاستيطان أصبح من الماضي، في ظل القنوط الأعظم شعبياً، وصمت دولتنا المهيبة، وخلو قاموسها من مبدأ أن الكيل فاض، وفكرة أن الرطل ما بيجيبه إلا رطلين».
وشدد قائلا: «إن سلمنا بأنه هناك مشروع بوابة (وأعتقد أنه صحيح)، فانتظروا المزيد. وإليكم باقي المشهد المكتوبة تفاصيله على مساحة الوطن، وكل تفاصيل حياتنا اليومية تحت نير الاحتلال واعتداءات المستوطنين في كل مكان وكل الجغرافيا.. هناك مجموعة قرارات للمجلس الأمني المصغر ومخططات وموازنة للعودة إلى كل المناطق التي كانت فيها بؤر استيطانية أو مواقع مراقبة متقدمة أو معسكرات في كافة أنحاء الضفة الغربية بتكلفة 1.315 مليون شيقل، ستنفذ بين اليوم وعام 2029».
وأضاف: «اطمئنوا، فقد سقطت كل قيود أوسلو، وانهارت حدود السلطة الفلسطينية مجددا، ويبدو أن برنامج سموتريتش حصل على كل ما يريد لحصر كيان السلطة في المنطقة A، يعني 18 في المئة من مساحة الضفة. وعلى دولتنا السلام. المهم أن نحافظ على المنجز الوطني، حتى لو تحت ركام أحلامنا بدولة حدودها الخيال».
أما السفير السابق والمحلل السياسي مروان إميل طوباسي فرأى في المشهد البسيط إلى جانب قرارات تخصيص الميزانيات لتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة بمثابة «تقدم لمشروع المعازل».
وجاء في تحليل موقف لطوباسي التأكيد على أن الكشف عن موافقة حكومة الاحتلال على تخصيص 1.3 مليار شيكل لتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية، وقيام مستوطنين بنصب بوابة حديدية بين حي الطيرة داخل مدينة رام اللّه وعين قينيا غربها، بإنهما ليسا مجرد حدثين منفصلين، فكلاهما يعكس انتقال المشروع الاستيطاني إلى مرحلة جديدة، لا تقتصر على توسيع المستوطنات وزيادة البوابات، وإنما تستهدف إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى معازل منفصلة، بما يسبق أي استحقاق سياسي.
وبحسب طوباسي فإن أخطر ما يواجه الفلسطينيين اليوم ليس فقط استمرار الاحتلال، بل تحوله إلى مشروع يعيد رسم الجغرافيا والسياسة معاً، ولذلك، فإن معركتنا الوطنية لم تعد تقتصر على مواجهة مستوطنة جديدة أو بوابة حديدية هنا أو هناك، بل أصبحت معركة للدفاع عن وحدة الأرض الفلسطينية، لأن أي مشروع سياسي وأي شرعية وطنية لن تكتب لها قابلية الحياة إذا نجح الاحتلال في تحويل فلسطين إلى مجموعة من المعازل المنفصلة.
وتبدو مسألة حماية الجغرافيا الفلسطينية المفتتة والتي يتواصل تقسيمها وتجزئتها من أكثر القضايا حضورا بفعل سياسات الاحتلال، ولعل أبرز الأدوات لتحقيق ذلك قرارات «أمر وضع يد لأغراض عسكرية»، و«أوامر اتخاذ وسائل أمنية».
وأحدث القرارات الاحتلالية يوم الجمعة تمثل في مصادرة أكثر من 16 دونماً من أراضي دورا القرع شمال شرق رام الله تحت بند «أمر وضع يد لأغراض عسكرية»، حيث حمل القرار رقم (ت/111/26)، ويقضي بالاستيلاء المؤقت على ما مساحته 16.577 دونم من أراضي قرية دورا القرع، شمال شرق محافظة رام الله والبيرة، بذريعة «الاحتياجات العسكرية»، وذلك حتى نهاية العام 2028. ويستهدف الأمر شريطاً بطول يقارب 2.076 متر يحيط بمستعمرة بيت إيل من جهاتها الثلاث.
ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في تقريرها النصفي للعام 2026 إصدار 40 أمراً لوضع اليد لأغراض عسكرية، استهدفت ما مجموعه 611 دونماً من أراضي المواطنين، ترتب عليها إنشاء 4 مناطق عازلة حول المستعمرات، وشق 16طريقاً أمنياً، وإقامة 12 موقعاً عسكرياً، إلى جانب استخدامات عسكرية أخرى.
أما سياسة «أوامر اتخاذ وسائل أمنية»، فقد أصدرت سلطات الاحتلال منذ مطلع عام 2026 ما مجموعه 49 أمراً عسكرياً تحت مسمى «أوامر اتخاذ وسائل أمنية»، استهدفت، وفق البيانات المرصودة لدى هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ما مجموعه 2.093 دونم من أراضي المواطنين الفلسطينيين.
وقالت الهيئة في بيان صحافي، إن هذا النوع من الأوامر لا يترتب عليه، من الناحية الشكلية، نزع ملكية الأرض أو نقل تسجيلها من أصحابها الفلسطينيين، إلا أنه يفرض قيوداً مادية وقانونية واسعة على استخدامها والانتفاع بها، من خلال إزالة الأشجار والمزروعات أو تقليمها، ومنع أصحاب الأراضي من إعادة زراعتها أو الوصول إليها بحرية، وإخضاعها لترتيبات أمنية قد تمتد لفترات طويلة. وبذلك تبقى الأرض مسجلة باسم مالكها، فيما تتقلص قدرته الفعلية على استخدامها أو استثمارها، بما ينتج شكلاً من أشكال الاستيلاء الوظيفي أو السيطرة الفعلية التي لا تحتاج إلى نقل الملكية رسمياً. وتُصدر هذه الأوامر بذريعة توفير متطلبات أمنية وعسكرية في المناطق المحاذية للمستوطنات والطرق الاستيطانية وجدار الضم والتوسع والحواجز والمواقع العسكرية، غير أن قراءة توزيعها الجغرافي ومواقع تطبيقها تكشف أن وظيفتها تتجاوز الإجراء الأمني المؤقت، لتتحول إلى أداة لإعادة هندسة المجال المحيط بالبنية الاستيطانية، وتوسيع نطاق السيطرة الفعلية عليها، وتحميل الأرض الفلسطينية وأصحابها كلفة تأمين حركة المستوطنين وحماية وجودهم.
وبحسب الهيئة تبرز خطورة هذا التصاعد عند مقارنة معطيات النصف الأول من عام 2026 بحصيلة العام السابق كاملة؛ إذ أصدرت سلطات الاحتلال خلال عام 2025 ما مجموعه 47 أمراً لاتخاذ وسائل أمنية استهدفت مساحة بلغت 1.613 دونم، في حين أصدرت خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 وحدها 49 أمراً استهدفت، وفق المساحات الواردة في الأوامر المرصودة، 2.093.327 دونم. وبذلك تجاوز عدد الأوامر الصادرة خلال نصف عام كامل حصيلة الأوامر الصادرة طوال عام 2025، فيما زادت المساحة المستهدفة بنحو 480 دونماً، أي بما يقارب 30 في المئة.
ولا تعكس هذه المقارنة زيادة عددية فحسب، والحديث للهيئة، بل تشير إلى تسارع واضح في لجوء سلطات الاحتلال إلى هذا النوع من الأوامر العسكرية، وإلى تحوله من إجراء يستخدم في حالات محدودة إلى أداة أكثر انتظاماً واتساعاً لإزالة الطبقة الشجرية الفلسطينية، وتوسيع نطاقات الحماية حول المستوطنات والطرق الاستعمارية والمواقع العسكرية، وفرض قيود إضافية على استخدام المواطنين لأراضيهم.
وتكشف المعطيات أن القسم الأكبر من الأوامر تركز على طول الطرق التي يستخدمها المستوطنون وفي محيط المستوطنات والمواقع المرتبطة بجدار الضم والتوسع.
ولا تقتصر خطورة هذه الأوامر على المساحات التي يجري اقتلاع الأشجار منها أو تجريدها من غطائها النباتي، بل تمتد إلى التداعيات المترتبة عليها على استخدام الأراضي والوصول إليها. فالسيطرة على شريط من الأرض بمحاذاة طريق أو مستوطنة قد تؤدي عملياً إلى تقييد وصول المواطنين إلى مساحات أوسع تقع خلف المنطقة المستهدفة، كما قد تخلق نطاقات أمنية جديدة غير معلنة تفرض فيها قيود متواصلة على الحركة والزراعة والرعي.
وبهذا المعنى، تصبح المساحة المباشرة الواردة في الأمر العسكري جزءاً من نطاق تأثير أوسع، يتجاوز الحدود المرسومة في الخرائط المرفقة بالأمر، ويؤثر في قدرة أصحاب الأراضي على استثمار ممتلكاتهم والمحافظة على وجودهم فيها.
وحسب ذات الهيئة فإن استهداف الطبقة الشجرية الفلسطينية يمثل بعداً مركزياً في هذه السياسة، لأن الأشجار، ولا سيما الأشجار المعمرة، لا تشكل مورداً اقتصادياً فحسب، بل تؤدي دوراً أساسياً في تثبيت العلاقة بين المواطن وأرضه وإثبات استمرار استغلالها والعناية بها.
كما تعكس هذه الأوامر طبيعة التمييز البنيوي الذي تفرضه منظومة الاحتلال في إدارة الأرض والموارد؛ ففي الوقت الذي تستهدف فيه الأشجار والمزروعات الفلسطينية بالإزالة وتفرض القيود على وصول المواطنين إلى أراضيهم، تعمل سلطات الاحتلال على تطوير الطرق والبنية التحتية والمناطق الأمنية التي تخدم المستوطنين، وتمنح المستوطنات مساحات إضافية للحماية والتوسع والحركة. وبذلك تحمَّل القرى الفلسطينية كلفة تأمين المشروع الاستيطاني.
ويشير العدد المرتفع لهذه الأوامر واتساع انتشارها الجغرافي إلى تصاعد الاعتماد عليها باعتبارها أداة مرنة وسريعة لفرض تغييرات مباشرة على الأرض، من دون الحاجة إلى الإعلان رسمياً عن مصادرتها أو تغيير ملكيتها. فالأرض قد تبقى مسجلة باسم أصحابها الفلسطينيين، لكنها تصبح خاضعة لقيود تمنع الانتفاع بها أو الوصول إليها أو إعادة زراعتها، وهو ما ينتج شكلاً من أشكال الاستيلاء الفعلي غير المقترن بنقل الملكية.
وتؤكد المعطيات أن أوامر اتخاذ الوسائل الأمنية تشكل جزءاً من منظومة متكاملة للسيطرة على الأرض الفلسطينية، تتكامل فيها الأوامر العسكرية مع التخطيط الاستيطاني وإعلانات «أراضي الدولة» وأوامر وضع اليد وإرهاب المستوطنين. ولا يمكن، تبعاً لذلك، التعامل معها بوصفها إجراءات أمنية فنية أو مؤقتة، بل باعتبارها أداة استيطانية تستهدف إخلاء المجال المحيط بالمستوطنات والطرق من عناصر الحضور الفلسطيني، وتوسيع نطاق الحماية والسيطرة الممنوح للمستوطنين، وتحويل مساحات جديدة من الأرض الفلسطينية إلى مناطق مقيدة الاستخدام تمهيداً لإلحاقها الفعلي بمنظومة الاستيطان والضم.
ويؤكد تجاوز حصيلة النصف الأول من عام 2026 مجمل حصيلة عام 2025، أن سلطات الاحتلال تتجه إلى تكثيف استخدام أوامر اتخاذ الوسائل الأمنية ضمن سياسة متسارعة لإعادة تشكيل المجال المحيط بالمستوطنات والطرق الاستيطانية. فإصدار 49 أمراً خلال ستة أشهر، مقابل 47 أمراً خلال اثني عشر شهراً من عام 2025، يدل على تضاعف الوتيرة الزمنية تقريباً، ويشير إلى أن استهداف الأشجار والمزروعات الفلسطينية لم يعد إجراءً عرضياً أو محدوداً، بل أصبح جزءاً متنامياً من منظومة السيطرة على الأرض، وتأمين التوسع الاستعماري، وتقليص الحيز الزراعي المتاح للتجمعات الفلسطينية.
أمام كل ذلك لا يبدو سؤال أحد النشطاء الثقافيين في مدينة رام الله حول: لماذا لم يقم أحد بإزالة المكعبات التي وضعها المستوطنون في حي الطيرة الراقي بعد انسحابهم من المكان؟ بهدف «التعليم السياسي» إنما هو سؤال يختصر حكاية العجز الفلسطيني رسميا وشعبيا. وهو أمر يلتقطه المثقف والوزير السابق بسيسو إذ يطالب بضرورة بلورة خطة وطنية شاملة تنحاز إلى هم الإنسان الفلسطيني وذلك من أجل تعزيز مواجهة سياسات المختبر الاستيطاني الدائم لتطبيق الاعتقال المديني والعزل والتفتيت من غزة إلى الضفة مروراً بالقدس العاصمة.

Share This Article