المسار : ليست المجزرة التي ارتكبتها عصابات المستوطنين في بلدة تل صباح الجمعة ولا مجزة دير جرير التي ومن سبقها من القرى الفلسطينية سوى عنوان صغير لمشروع كبير وليست جرائم إحراق القرى وسرقة المواشي ولا قتل الأطفال، ولا تهجير التجمعات البدوية، ولا تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات معزولة، أحداثًا منفصلة يمكن التعامل معها باعتبارها انفلاتًا أمنيًا أو تطرفًا حكوميًا عابرًا، إننا نقف اليوم أمام انتقال نوعي في طبيعة المشروع الصهيوني نفسه، من إدارة الاحتلال إلى تصفية الوجود الفلسطيني بالكامل ، ومن السيطرة العسكرية إلى إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والوعي، تمهيدًا لإغلاق الملف الفلسطيني نهائيًا.
لقد انتهت مرحلة أوسلو بالنسبة لإسرائيل منذ سنوات عندما داستها جنازير الدبابات التي اجتاحت المدن وقذائف F16 التي دمرت المقرات أبان انتفاضة2000، بينما لا يزال جزء كبير من النظام السياسي الفلسطيني بعد 26 عام يتصرف وكأن قواعدها ما زالت قائمة. انتهى الحديث الإسرائيلي عن “حل الدولتين”، وحل محله مشروع “الدولة اليهودية الكبرى”. وانتهى الحديث عن “إدارة الصراع”، وحل محله مشروع “حسم الصراع”. وانتهى الحديث عن “الاحتلال المؤقت”، ليبدأ تنفيذ مشروع الضم التدريجي، والتطهير العرقي الصامت، وتفكيك المجتمع الفلسطيني من الداخل.
إن أخطر ما في المشهد الحالي ليس عدد الشهداء، على الرغم من فداحة الخسارة، وإنما أن الاحتلال بات يقتل وهو مطمئن إلى غياب الكلفة السياسية، في ظل صمت، بل وعجز، مجتمع دولي يدّعي العدالة عن وقف إسرائيل، ومنعها من الإمعان في سفك الدم الفلسطيني والاستيلاء على الأرض الفلسطينية، تماشيًا مع القانون الدولي وإنهاء الاحتلال الغاشم. هذا الاحتلال الفاشي الذي يوسع الاستيطان دون رادع، ويهجر القرى دون مساءلة، ويحاصر المدن دون رد فعل يتناسب مع حجم الجريمة. لقد أصبح الاحتلال يدرك أن ميزان الرد الفلسطيني مختل، وأن المبادرة أصبحت بالكامل في يده، ولذلك انتقل من سياسة رد الفعل إلى سياسة صناعة الوقائع وفرضها. إن المشروع الإسرائيلي اليوم لا يستهدف المقاومة المسلحة وحدها، ولا السلطة الفلسطينية وحدها، ولا فصيلًا بعينه، بل يستهدف الشعب الفلسطيني بوصفه شعبًا يمتلك الارض. فالمزارع الذي يُمنع من الوصول إلى أرضه، والطالب الذي يُوقَف على الحاجز، والتاجر الذي يُخنق اقتصاديًا، والطفل الذي يُقتلع من بيته، جميعهم أهداف مباشرة لهذا المشروع. ولذلك فإن أي قراءة تختزل الصراع في بعد أمني أو عسكري، إنما تغفل حقيقة أن الاحتلال يخوض حربًا شاملة على المجتمع الفلسطيني كله.
وفي المقابل، فإن الأزمة الفلسطينية لم تعد أزمة انقسام سياسي فحسب، بل أصبحت أزمة قيادة وطنية. فالفجوة لم تعد بين السلطة والمعارضة، وإنما بين حجم التحديات التاريخية وبين أدوات المواجهة القائمة وما دام الاحتلال يعيد بناء استراتيجيته، فمن غير المقبول أن نبقى نحن الفلسطينيون أسرى استراتيجيات تجاوزها الزمن.
لقد أثبت التاريخ الفلسطيني أن أخطر الهزائم ليست تلك التي تفرضها القوة العسكرية، وإنما تلك التي يعتادها الناس حتى تصبح واقعًا طبيعيًا. فالاحتلال لا ينتصر عندما يحتل الأرض فقط، وإنما عندما يقنع أصحابها بأن مقاومة الواقع أصبحت عبئًا، وأن التكيف مع الهزيمة أكثر واقعية من السعي إلى تغييرها، وهو ما بات يُعرف بهندسة الوعي الفلسطيني أو كي الوعي. من هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نرد على الجريمة التالية؟ بل كيف نمنع وقوع الجريمة التي بعدها؟ وكيف ننتقل من إدارة الأزمة إلى صناعة المبادرة؟
إن المطلوب اليوم ليس تشكيل حكومة جديدة، ولا إجراء تعديل إداري، ولا إصدار بيانات أكثر حدة، بل إطلاق عملية إعادة بناء وطنية شاملة تعيد الاعتبار لفكرة القيادة الوطنية الجامعة. فالقيادة الرسمية مطالبة، قبل أي طرف آخر، بإعلان انتقال سياسي واضح من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة إدارة الصمود الوطني. وهذا يقتضي إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، بحيث يصبح تعزيز صمود المواطن الفلسطيني، وحماية الأرض، وإنهاء الانقسام، وتوحيد المؤسسات، وإعادة بناء الثقة بين الشعب وقيادته، هي المهمة المركزية للنظام السياسي.
وفي الوقت ذاته، فإن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى إطار وطني شعبي واسع، لا يقوم على المحاصصة الفصائلية، ولا يعيد إنتاج الانقسام، وإنما يجسد وحدة المجتمع بكل مكوناته. إطار يضم القوى السياسية، والنقابات، والحركات الطلابية، والبلديات، والفعاليات الاقتصادية، والمؤسسات الأهلية، والوجهاء، والمثقفين، والمرأة، والشباب، ليكون مرجعية وطنية جامعة للعمل الشعبي والمدني، ويعيد بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.إن المطلوب ليس استنساخ تجارب الماضي، بل استلهام روحها فكما استطاعت القيادة الوطنية الموحدة خلال الانتفاضة الأولى أن تحول المجتمع الفلسطيني إلى مجتمع منظم يمتلك رؤية وأولويات مشتركة، فإن المرحلة الراهنة تحتاج إلى صيغة وطنية جديدة، تتناسب مع المتغيرات السياسية والاجتماعية، وتستند إلى الشراكة والتمثيل الواسع، وتعمل بصورة منفتحة وشفافة، وتضع برنامجًا وطنيًا جامعًا لتعزيز الصمود، وتوسيع المشاركة الشعبية، والدفاع عن الوجود الفلسطيني، وحشد الطاقات المجتمعية في مواجهة سياسات الضم والاستيطان والتهجير، والقتل، والحرب المفتوحة التي يشنها الاحتلال.
فالمعركة اليوم لم تعد معركة بندقية فقط، ولا معركة دبلوماسية فقط، وإنما معركة بقاء شعب على أرضه. ومعركة البقاء لا يكسبها إلا مجتمع منظم، يمتلك قيادة موحدة، ورؤية مشتركة، وإرادة سياسية لا تسمح بتحويل الهزيمة المؤقتة إلى قدر دائم .إن العصيان الوطني الشامل، بمعناه السياسي والمجتمعي، ليس شعارًا انفعاليًا، بل إعلان انتقال من حالة انتظار الحلول إلى حالة المبادرة الوطنية. إنه تعبير عن إرادة شعب يرفض أن يتحول إلى مجرد ضحية في نشرات الأخبار، ويصر على أن يكون فاعلًا في رسم مستقبله. لقد وصل المشروع الوطني الفلسطيني إلى لحظة مراجعة تاريخية، فإما أن يعيد إنتاج نفسه على قاعدة الوحدة والمشاركة وتجديد أدوات الفعل الوطني، وإما أن يترك الاحتلال يكتب وحده مستقبل هذه الأرض.
وفي السياسة، كما في التاريخ لا تضيع الشعوب عندما تكون ضعيفة، فالتاريخ مليء بأمم نهضت من تحت الركام، وإنما تضيع عندما تفقد قدرتها على إدراك أن الزمن قد تغير، وأن أدوات الأمس لم تعد صالحة لمعارك اليوم. فالإصرار على إدارة الواقع بعقلية تجاوزتها الأحداث يمنح الخصم فرصة لفرض وقائعه وتحويلها إلى حقائق دائمة. وفي الحالة الفلسطينية، لا يكمن الخطر في اختلال موازين القوة فحسب، بل في البطء في مواكبة التحولات السياسية والاستراتيجية التي يشهدها المشروع الصهيوني، الأمر الذي يجعلنا نحن الفلسطينيين أكثر عرضة للوقوع في فخ سياسة الأمر الواقع، حيث يتحول التكيف مع الوقائع المفروضة تدريجيًا إلى قبول بها، وتصبح الهزيمة البطيئة أخطر من الهزائم العسكرية المباشرة.
المطلوب فلسطينيًا اليوم لم يعد يقتصر على تحسين إدارة الأزمة، بل الانتقال إلى بناء استراتيجية وطنية كفاحية جديدة تتناسب مع طبيعة المرحلة وتواجهه التحدي المفروض علينا. وهذا يبدأ بقراءة صريحة بأن المشروع الإسرائيلي لم يعد مشروع احتلال قابل للتفاوض، بل مشروع إحلالي يستهدف الأرض والإنسان والهوية. وعليه، فإن الأولوية يجب أن تكون لإنهاء الانقسام، وإعادة بناء النظام السياسي على أسس الشراكة والشرعية الوطنية، وتشكيل قيادة وطنية موحدة تقود مشروعًا شاملًا للصمود والمقاومة الشعبية والعصيان الوطني، مع إعادة توجيه جميع الطاقات الرسمية والشعبية نحو حماية الأرض، وتعزيز صمود المواطنين، واستعادة المبادرة السياسية والميدانية. فكل يوم يُهدر في انتظار متغيرات خارجية يمنح الاحتلال فرصة جديدة لترسيخ الوقائع التي يسعى إلى تحويلها إلى حقائق نهائية. إن أخطر ما يمكن أن يفعله الفلسطينيون اليوم هو الاستمرار في إدارة واقع لم يعد قائمًا، بينما يواصل الاحتلال صناعة واقع جديد على مقاس مشروعه.

