كيف نبني عقلًا إداريًا فلسطينيًا يمنع الأزمة قبل اتدار؟
المسار : نعيش منذ فترة ليست قصيرة أزمات متلاحقة حتى بتنا نرى الوضع شبه الطبيعي امر غريب فنحن ما ندخل في ازمه و أن نعتاد على وجودها حتى ندخل ازمه جديدة وهكذا في دائرة لا منتهية من الأزمات منها المصطنع والمبرمج وجمعيها تفتقد سبل المواجهة واليات الخروج حتى اصبح وجود الطابور وأزمة الدور والعبور نجدها في كل مكان على الجسر والحواجز وعند استلام الدواء وفي عيادات الأطباء ( المشافي) وعلى الصراف الألي عند استلام جزء من الراتب وفي كل مظاهر حياتنا بات الطابور موجود حنى عند استلام المساعدات والتموين وأمام كل هذه المشاهد أو المشهد المتغير الأوجه يبرز سؤال مشروع وهو ماذا لو واجهنا أزمة أكبر من أزمة الوقود؟ هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو المدخل الحقيقي لأي نقاش جاد حول واقع الإدارة في فلسطين. فالمشكلة ليست في أزمة بعينها، بل في نمط إداري كامل تعوّد أن يتفاعل بعد وقوع الحدث، لا أن يستعد له فهناك فرق كبير بين إدارة ازمه ومعالجة ازمه. وكذلك بحاجة للإجابة على سؤال عالق في الذهن وهو كيف ننتقل من “إدارة الانتظار” إلى “إدارة الجاهزية”؟
كثير من المؤسسات الفلسطينية، حكومية وأهلية، تملك خططًا استراتيجية مكتوبة بعناية، كلفت الأف الدولارات واستنفذت وقت وجهد كبيرين تم استدعاء خبراء لإعدادها ليكون مصيرها معلّقة على الجدران بألوان جاذبة ورسومات معبرة أو محفوظة في الأدراج. لكن الخطة الاستراتيجية ليست مجرد وثيقة، بل سلوك يومي وهناك فارق بين المؤسسة التي تخطط والمؤسسة التي تتوقع، هو أن الأولى تكتب أهدافًا سنوية، بينما الثانية تبني نظامًا للإنذار المبكر يترجم المؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية إلى قرارات فعلية قبل تفاقم الأزمة وكما قال المثل” الفلسطيني جبرها قبل الكسر” والمعنى منع حدوث الكسر والاستعداد المسبق والجيد له أن حصل.
حين ترتفع مؤشرات السيولة النقدية، أو تتأخر أموال المقاصة، أو تتراكم إشارات على قرب إغلاق معبر، أو تفرض تعقيدات على المعابر تعطل انسياب الحركة وتفرض كلفة إضافية فإن المؤسسة الجاهزة لا تنتظر البيان الرسمي لتبرر؛ بل تكون قد فعّلت خطة الطوارئ منذ الإشارة الأولى. هذا في حال لم تكن الأزمات مفتعلة لهدف تنفيذ مخطط أو تغير واقع في قطاع أو حالة أو مرحلة ما. القيادة في زمن الأزمة المزمنة لا تُقاس بقدرتها على تهدئة الناس، وعلى قدرتها على امتلاك مبررات، بل بقدرتها على إشراكهم في الحل فحين يشعر الموظف أو المواطن أنه جزء من نظام يتوقع حدوث ازمه أو مشكلة ويخطط لذلك ، لا من نظام يُخفي ويفتعل وجزء من ازمه، بل ويكون أحيانا هو الأزمة تتغير علاقته بالمؤسسة من الشك إلى الثقة ويصبح جزء من بناء فرق قادرة على اتخاذ قرار سريع في الميدان، دون انتظار تعليمات من مستوى أعلى، هذا هو الفرق بين مؤسسة تتحرك في الوقت المناسب ومؤسسة تتحرك بعد فوات الأوان.
يوجد خللًا جوهريًا في فهم وظيفة الاتصال المؤسسي فالاتصال الفعّال ليس نفيًا للشائعة، بل شفافية استباقية تقوم على أن تخبر الناس بحجم المشكلة وخطة المعالجة قبل أن يسألوا، لا بعد أن يقفوا في الطابور، فالمؤسسة التي تعترف بالتحدي وتشارك خطتها تكسب مصداقية أكبر من تلك التي تكتفي بالتطمين اللفظي والهروب من المسؤولية والمواجهة لكن الواقع الفلسطيني يظهر أن سرعة البيان الصحفي من المسؤولين اسرع مئات المرات من سرعة شاحنة الوقود التي قد تصل المحطة ، فماذا جري من تغير في الواقع بين الفترة التي سبقت ازمه المحروقات المفتعلة واليوم وماذا تغير على المستوى الخارجي الجواب الظاهر لا يوجد تغير جوهري ولم تجري أحداث استدعت حدوث مثل هذه الأزمة بل المشكلة ذاتية في اختلاق ازمه لخدمة أهداف ومصالح من المؤكد إنها ليس في صالح الشعب بقدر ما هي خدمة أهداف ومصالح ذاتية لأصحاب المصالح فالمطالبة بالدفع الإلكتروني للمحروقات أو أنشاء شركة محروقات أو…. ودائما البيان الصحفي للتبرير والهروب من المسؤولية باللقاء اللوم على الأخرين وهذا ليس تبرئة لدور الاحتلال، بل عدم الاستعداد لمواجهة وإدارة أية ازمه يمكن أن تعصف في البلد وقود معابر بنوك وراتب مؤسسات صحية تعليم ….الخ وإبقاء الطابور ماثل لا ينتهي وخو عمليا حالة تعبيرية عن وجود ازمه.
في البيئة الفلسطينية نعاني من قيود هيكلية—حركة مقيّدة، تبعية اقتصادية، تمويل غير مستقر—فمن المفروض أن ترف الهدر والتبذير غير موجود وإدارة الموارد هنا لا تعني فقط التوزيع العادل، بل تعني تحديد أولويات صارمة ما الذي يجب أن يستمر مهما حدث (كالخدمات الصحية والتعليمية….)، وما الذي يمكن تأجيله؟ المؤسسات التي تنجو من الأزمات المتكررة هي تلك التي حددت “خط الأساس” الذي لا يُمس، قبل أن تضطر لتحديده تحت الضغط فتفشل والواقع الفلسطيني مليء بحالات الفشل حيث فرضت التغيرات عندما لم يتم الاستجابة لصوت الناس بأجرائها فكانت نتائج كارثية فالإصلاحات المفروضة مثلا على محاربة الفساد بقي الفاسدون والمفسدون ودفع الناس ثمن هذا التغير وهي نتيجة عكسية لم تحدث أي إصلاح، بل دفعت الى حدوث أزمات كبيرة أن العمل الذي لم تقوم به بإرادتك ويفرض عليك حتما ستكون نتائجه في غير صالحك.
من أخطر ما يواجه الإدارة الفلسطينية هو غياب الذاكرة المؤسسية التي تمنع تكرار الخطأ وأننا نعيش بذاكرة قصيرة جدا في العمل المؤسسي وأننا لا نراكم خبرات ولا نريد أن نتعلم من التجارب السابقة، بل الغالب يعتقد أن التاريخ بدأ من لحظة تسلمه المسؤولية. كل أزمة تُدار وكأنها الأولى من نوعها، لأن أحدًا لم يوثّق كيف تصرفنا في السابق وما الذي نجح وما الذي فشل وكأننا مصرون على عدم التعلم أو لا نريد أن نتعلم ونراكم ولا نريد بناء نظام تقييم بعد كل أزمة—مهما كانت صغيرة— وهذا هو الفارق بين مؤسسة تتعلم ومؤسسة تكرر نفس الخطأ ونفس الطابور في كل مرة بشكل مختلف قليلًا أن إغماض العين عن رؤية الحقيقة لا ينفي وجودها الوقت الذي يضيع في الطابور لا يُفقد مرة واحدة، بل مرتين، مرة حين يقف المواطن ينتظر، ومرة حين تكتشف المؤسسة أنها لم تستثمر ذلك الوقت الضائع في بناء نظام يمنع الطابور القادم.الاحتلال يفرض قيودًا حقيقية، هذا لا خلاف عليه لكن المساحة المتاحة داخل هذه القيود لا تزال أوسع مما نستثمره والفارق بين دولة الطوابير ودولة الجاهزية ليس في الموارد المتاحة، بل في القرار هل نستمر في إدارة اللحظة، أم نبدأ أخيرًا في إدارة ما بعدها؟ علينا الاستعداد المسبق حتى لا نخسر الوقت مرتين. وحتى لا نبقي الطوابير منتشرة في كل ركن .

