«بناء السلام» أم بوابة للتطبيع؟.. تحقيق يكشف شراكات إسرائيلية تستهدف الشباب العربي

المسار : لا تأتي الدعوات إلى «السلام» في المنطقة دائماً عبر القنوات السياسية أو المبادرات الدبلوماسية، بل باتت تتسلل أيضاً من خلال برامج شبابية ورياضية وأكاديمية تحمل عناوين مثل «الحوار والتمكين وبناء السلام». ففي السابع من تموز/يوليو الماضي، تلقى مئات اللبنانيين، معظمهم من الشباب والناشئة في الجنوب، رسائل نصية بعنوان «Peace Talks» تدعوهم إلى لقاءات عبر تطبيق «زووم» تجمع مشاركين لبنانيين وإسرائيليين.

وفي الفترة نفسها، اكتشف أب فلسطيني في الضفة المحتلة، مصادفةً، أن البرنامج الذي انضمت إليه ابنته للمشاركة في أنشطة شبابية يضم مؤسسة إسرائيلية بين شركائه الرسميين. ومع تصاعد الجدل حول هذه المبادرات، دعت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI)، في الثاني آب/أغسطس 2026، إلى الانسحاب الفوري من مشروع «مختبر بناء السلام» (Peace Building Lab)، معتبرةً أنه يوظف خطاب «الحوار والتعايش» لتسويق شراكات تطبيعية مع مؤسسات إسرائيلية.

قد تبدو هذه الوقائع منفصلة، لكنها تكشف مساراً يتجاوز حدود المبادرات الفردية. ففي السنوات الأخيرة، توسع حضور مؤسسات إسرائيلية داخل مشاريع مدنية وأكاديمية وشبابية عابرة للحدود، تستخدم الناشئة بوابةً للتواصل السياسي، وتستند إلى مفردات الحوار والتبادل الثقافي وبناء السلام، في وقت تمضي فيه إسرائيل، حكومةً ومؤسسات، في تكريس الاحتلال وتوسيع الاستيطان وإغلاق المجال أمام أي تسوية سياسية، وسط رفض واسع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه لفكرة «السلام».

«مختبر بناء السلام» العابر للحدود

يعرّف Peacebuilding lab أي «مختبر بناء السلام» نفسه بأنه مبادرة تجمع منظمات من أوروبا وجنوب البحر المتوسط بهدف «تعزيز السلام والاندماج والحوار بين الثقافات» عبر الرياضة والمشاركة الرقمية. ويقدم المشروع الرياضة بوصفها «لغة عالمية» قادرةً على جمع الشباب من فئات عمرية صغيرة ومن خلفيات مختلفة، فيما يعتمد على التبادل الافتراضي، والتعليم غير النظامي، وإنتاج مواد تعليمية مفتوحة لتعزيز ما يسميه «المواطنة الرقمية» وثقافة الحوار.

ويضم المشروع ست مؤسسات من خمس دول، هي:

Orient actionمن قبرص، ‏وL’ORMA ‎وImpact Wave Communication ‎من إيطاليا، وSupport Youth ‎Leaders ‎من الأردن، وOrienteering Lebanon ‎من لبنان، إضافة إلى ‏Gordon ‎Academic College of Education ‎في إسرائيل‎.‎‏ و شاهد من فلسطين التي تم حذفها ‏من صفحة شركاء المشروع لاحقاً.‏

ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على المشاركة الرمزية، إذ توزع الوثائق الرسمية مهاماً واضحة بينها. فالمنظمة القبرصية تتولى تنسيق المشروع والإشراف على تنفيذه، بينما تتولى المنظمة الإيطالية L’ORMA تطوير منهجيات التعليم غير النظامي والتعلم القائم على الرياضة، فيما تضطلع Impact Wave Communication بإدارة الاستراتيجية الإعلامية والسرد الرقمي للمشروع وإنتاج المحتوى الموجه للجمهور. أما المنظمة الأردنية فتتولى برامج تدريب الشباب والقيادة، في حين تقدم المؤسسة اللبنانية الأنشطة الرياضية الميدانية، وتتولى الكلية الإسرائيلية تطوير الجوانب التربوية والمنهجية والمواد التعليمية.

فيما لا يقتصر المشروع على تنظيم لقاءات شبابية أو أنشطة رياضية، بل يهدف إلى إنتاج حزمة من الموارد التعليمية الرقمية تشمل أدلة تدريب، ومواد تعليمية مفتوحة، وأدوات للتعلم عن بعد، ومحتوى إعلامياً يعتمد على السرد القصصي، على أن تصبح هذه المواد متاحة للتنزيل والاستخدام من قبل الشباب والعاملين في القطاع الشبابي.

كما يعتمد المشروع على لقاءات افتراضية تجمع المشاركين من الدول الخمس، إلى جانب أنشطة ميدانية مشتركة، أبرزها رياضة التوجيه (Orienteering)، التي تُقدَّم بوصفها وسيلة لتعزيز العمل الجماعي والتواصل بين المشاركين، وصولاً إلى بناء شبكات علاقات عابرة للحدود، إذ عقدت سلسلة لقاءات عن بعد بالتزامن مع استمرار الحرب الإسرائيلية على كل من لبنان وإيران، إذ انطلقت اللقاءات، الأربعاء 25/3/2026، في لقاء افتتاحي، استمر ليومين على التوالي، ثم عقد اللقاء الثاني الخميس 26/3/2026، ثم عقد لقاءين، الأول الثلاثاء 28/4/2026، والثاني، الأربعاء 3/6/2026، ونشرت لقطات مصورة للقاءات على حساب المشروع على تطبيق Instagram، ثم تم حذفها ولكن تمكنا من الاحتفاظ بها قبل ذلك.

شريك إسرائيلي معلن

بعكس ما قد يعتقده بعض المشاركين، فإن وجود المؤسسة الإسرائيلية ليس استنتاجاً أو نتيجة تتبع غير مباشر، بل يرد بصورة واضحة في الموقع الرسمي للمشروع، الذي يدرج Gordon Academic College of Education ضمن الشركاء الرئيسيين.

وتعرف الكلية نفسها بأنها مؤسسة أكاديمية متخصصة في إعداد المعلمين والبحث التربوي، وتوضح وثائق المشروع أنها مسؤولة عن تطوير المناهج التعليمية التي تجمع بين الرياضة، والحوار، ومحو الأمية الرقمية، بما ينسجم مع الأهداف المعلنة للمبادرة.

غير أن مراجعة خلفية المؤسسة تكشف أنها ليست جهة تعليمية معزولة عن السياق الإسرائيلي، فهي مؤسسة معترف بها من مجلس التعليم العالي في دولة الاحتلال، وتتولى تنفيذ برامج دولية في مجالات التربية وحقوق الإنسان وإعداد المعلمين. كما تحمل اسم بيرتس غوردون، أحد الشخصيات المرتبطة بالحركة الصهيونية خلال مرحلة تأسيس إسرائيل، وهو ما يضفي على مشاركتها بعداً سياسياً يتجاوز الدور الأكاديمي البحت، ولا سيما بالنسبة إلى المؤسسات والأفراد المنخرطين في المشروع من الدول العربية.

فيما لا يعتمد مشروع Peacebuilding Lab على المؤسسة الإسرائيلية وحدها، بل يقوم على شبكة من المؤسسات المحلية والدولية، يتولى كل منها دوراً محدداً في الوصول إلى الفئات المستهدفة وتنفيذ الأنشطة داخل مجتمعاتها.

ففي لبنان، تشارك Orienteering Lebanon، وهي جمعية تعنى برياضة التوجيه والأنشطة الخارجية، ويصفها المشروع بأنها الجهة المسؤولة عن تنفيذ البرامج الرياضية التي تستهدف الشباب، باعتبار الرياضة أداة لتعزيز الاندماج الاجتماعي والعمل الجماعي. وتظهر المواد المنشورة للمشروع أن الجمعية تشارك في اللقاءات الافتراضية، والأنشطة الميدانية، والبرامج التدريبية المشتركة مع بقية الشركاء، وحضر اللقاء من اللبنانيين ديانا ملاعب مؤسسة منظمة Orienteering Lebanon، إلى جانب الأعضاء سماح الحسنية ورحاب سمير أبو فرج.

أما في الأردن، فتشارك منظمة Support Youth Leaders، التي يقدمها المشروع على أنها مؤسسة متخصصة في تمكين الشباب، والتعليم غير النظامي، والقيادة المجتمعية، وتتولى تنظيم تدريبات تتعلق بالمشاركة المدنية والمهارات الرقمية، إلى جانب الإشراف على جزء من برامج التبادل الشبابي، وتحضر اللقاء مديرة المؤسسة آيات قطيشات.

في فلسطين، يبرز مركز «شاهد» لحقوق المواطن والتنمية المجتمعية بوصفه أحد الشركاء المحليين في برامج مرتبطة بمبادرات بناء السلام، قبل أن يُحذف اسمه لاحقاً من قائمة الشركاء المشاركين. وتُظهر مراجعة منشورات المركز وأنشطته خلال العامين الأخيرين توسعاً في البرامج التي تستخدم مفاهيم مثل «السلام، والحوار، والقيادة، والوساطة، والعمل اللاعنفي، وتمكين الشباب»، ضمن أنشطة تستهدف الفئة العمرية بين 15 و30 عاماً. ويحضر اللقاءات عن المركز مديره التنفيذي أحمد جاروشة (موظف في السلطة الفلسطينية).

في الأردن تشارك منظمة Support Youth Leaders التي يقدمها المشروع على أنها مؤسسة متخصصة في تمكين الشباب

لا يقتصر الأمر على المشاركة في الأنشطة، بل يمتد إلى تطوير برامج تحمل عناوين مثل «أكاديمية بناء السلام ومختبرات السلام الشبابية». ففي إعلان نشره المركز أخيراً، دعا إلى التعاقد مع استشاري لإعداد دليل تدريبي وأداة تفاعلية ضمن مشروع «أكاديمية بناء السلام: تمكين قادة الشباب والنساء في مختبرات السلام الشبابية والمجالس الشبابية المنتخبة»، موضحاً أن الهدف يتمثل في إعداد «سفراء سلام» قادرين على تنفيذ مبادرات يقودها الشباب في محافظات شمال الضفة الغربية.

كما أعلنت الممثلية الفنلندية في فلسطين توقيع اتفاقية مع المركز لتنفيذ مشروع يمتد سبعة عشر شهراً في محافظات نابلس، وجنين، وطولكرم، وقلقيلية، وطوباس، ويهدف، وفق الإعلان، إلى تعزيز مفاهيم بناء السلام، والحوار، والوساطة، والعمل اللاعنفي، وإنشاء أكاديمية سلام طويلة الأمد.

وفي مؤشر لافت، استضاف مركز «شاهد» الفلسطيني في 27 ديسمبر/كانون الأول 2025 القيادي في فتح وعضو لجنتها المركزية محمود العالول، ضمن جلسة أُقيمت في إطار دورة التفكير الاستراتيجي، قدّم خلالها قراءة للوضع السياسي الفلسطيني، ودعا إلى تعزيز مشاركة الشباب في الانتخابات المحلية عبر التصويت والترشح والتسجيل الانتخابي، مؤكداً أهمية انخراطهم في مراكز صنع القرار وتجديد الحياة السياسية.

وتثير هذه المشاركة تساؤلات حول دلالات انخراط أحد أبرز قيادات فتح في أنشطة المركز، وما إذا كانت تعكس مستوى من القبول أو عدم الاعتراض من جانب الحركة والسلطة الفلسطينية على البرامج والمشاريع التي ينفذها المركز.

المشاركين العرب في اللقاءات التطبيعية ومنهم اللبنانية دينا ملاعب (الرابعة من الصف الثاني)

المشاركين العرب في اللقاءات التطبيعية ومنهم اللبنانية دينا ملاعب (الرابعة من الصف الثاني)

من «الجار الصالح» إلى «بناء السلام»

يأتي مشروع Peacebuilding lab ضمن سياق أوسع من المبادرات التي تطرحها مؤسسات وشخصيات إسرائيلية باعتبارها نماذج للتواصل مع المجتمعات العربية عبر أدوات غير عسكرية. ومن أبرز هذه النماذج تجربة المقدم احتياط في الجيش الإسرائيلي إيال درور، مؤسس وقائد مشروع «الجار الصالح» الذي أطلقه جيش الاحتلال على الحدود مع سوريا عام 2016.

قدمت إسرائيل المشروع آنذاك بوصفه أكبر عملية إنسانية نفذتها خارج حدودها، وقالت إنه شمل مئات قوافل المساعدات، ونقل آلاف الجرحى والمرضى السوريين إلى مستشفياتها، وإنشاء مستشفى ميداني للنساء الحوامل، إلى جانب عمليات إجلاء وإنقاذ نفذت خلال سنوات الحرب السورية.

لكن انتهاء المشروع لم ينهِ دور «درور». فقد تحول الضابط الإسرائيلي إلى محاضر وباحث يقدم تجربته في الجامعات والمؤتمرات الدولية باعتبارها نموذجاً في القيادة، وإدارة الأزمات، وبناء الثقة في مناطق النزاع. كما أصدر كتاباً بعنوان «احتضان العدوEmbracing the Enemy»، يعرض فيه فلسفة تقوم على استخدام الاتصال المباشر والعمل الإنساني لبناء علاقات مع مجتمعات كانت تُعد، وفق الرواية الإسرائيلية، مجتمعات معادية.

وتظهر المواد المنشورة على موقعه الإلكتروني أن محاضراته لم تعد تقتصر على تجربة «الجار الصالح»، بل توسعت لتشمل موضوعات مثل إدارة الأزمات، والابتكار في البيئات المعقدة، وبناء الشراكات، إضافة إلى محاضرات تتناول ما يسميه «المحور الشيعي»، يقدم خلالها قراءة أمنية إسرائيلية للتهديد الذي تجسده إيران في لبنان وسوريا والعراق على دولة الاحتلال.

وتبرز أهمية هذه التجربة بالنسبة للتحقيق لأنها تكشف تحولاً في الخطاب الإسرائيلي؛ فمن مشروع عسكري ذي طابع إنساني على الحدود السورية، إلى نموذج يُقدَّم في الأوساط الأكاديمية وبرامج القيادة والعمل الشبابي باعتباره تجربة ناجحة في «بناء الثقة» و«إدارة العلاقات مع المجتمعات المحلية». وهو تحول يعكس انتقال أدوات التأثير من الميدان العسكري إلى فضاءات التعليم، والتدريب، والعمل المدني.

إلى أين تقود مشاريع السلام؟

لا يسعنا بالوثائق التي استعرضها هذا التحقيق حسم الدوافع النهائية الإسرائيلية التي تقف خلف هذه المبادرات، لكنها تكشف اتجاهاً يصعب تجاهله. فمن مشروع Peacebuilding Lab إلى كشف ارتباط منصة جسور نيوز بمنظمة Center for Peace Communications، وما أثير حول علاقاتها وجهات إسرائيلية، وصولاً إلى بيان الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل (PACBI) في يوليو/تموز الحالي، الذي حذر من مهرجان «شيفت» في القدس وعدّه جزءاً من أنشطة تسعى إلى جمع فلسطينيين وإسرائيليين تحت عناوين ثقافية وفنية، تتكرر الأدوات وإن اختلفت المنصات؛ مرة عبر الإعلام، وأخرى عبر الفنون، وثالثة عبر التعليم أو الرياضة أو المبادرات الشبابية.

هذا التوازي لا يثبت وجود إدارة مركزية واحدة لهذه المشاريع، لكنه يكشف تقاطعاً في الخطاب، وفي الفئات المستهدفة، وفي طبيعة المساحات التي يجري الاستثمار فيها. فبينما يتراجع أفق التسوية السياسية، وتتوسع سياسات الاحتلال والاستيطان، يزداد الاستثمار في مبادرات تحمل مفردات الحوار وبناء السلام خارج إسرائيل، بما يفتح المجال أمام أكثر من تفسير لطبيعة هذا التوجه. ولعل أكثرها اتساقاً مع الوقائع التي رصدها التحقيق يتمثل في محاولة إعادة تقديم إسرائيل داخل الفضاء العربي بوصفها شريكاً طبيعياً في مشاريع أكاديمية وثقافية ومجتمعية، بحيث يصبح التواصل مع مؤسساتها أمراً مألوفاً تدريجياً، بمعزل عن استمرار الصراع وقضاياه الجوهرية.

وربما لهذا السبب لا تبدو الإشكالية الأساسية في وجود مشاريع تحمل عنوان السلام، بقدر ما تكمن في السياق الذي تعمل فيه، وفي مستوى الإفصاح عن هوية جميع الشركاء وأدوارهم، وفي قدرة المشاركين على اتخاذ قرار مبني على معرفة كاملة. فكلما اتسع حضور هذه المبادرات، ازدادت الحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية، لأن السؤال لم يعد يتعلق فقط بكيفية بناء السلام، بل أيضاً بالطريقة التي يُعاد من خلالها تعريف العلاقة مع إسرائيل داخل المجتمعات العربية، ومن البوابة التي يجري من خلالها هذا التحول.

Share This Article