كتب اسماعيل جمعه الريماوي:مخيم قلنديا.. بوابة القدس التي تقف في وجه التهجير والتمدد الاستيطاني

المسار : يتصدر مخيم قلنديا، بوابة القدس الشمالية، واجهة الأحداث بعد العملية العسكرية الإسرائيلية الواسعة التي يشهدها، وسط مخاوف فلسطينية متصاعدة من أن تكون هذه الحملة مقدمة لتكرار سيناريو الدمار والتهجير الذي طال مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، في إطار سياسة إسرائيلية تتجاوز الذرائع الأمنية المعلنة، وتستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض.

مخيم قلنديا يقع في موقع شديد الحساسية بين القدس ورام الله، بمحاذاة الطريق الرئيس الذي يربط المدينة ال المقدسة بشمال الضفة الغربية، ما يمنحه أهمية جغرافية وسياسية واستراتيجية تتجاوز مساحته وحدوده، فأي انتشار عسكري في محيطه، أو إغلاق لمداخله، أو فرض قيود على الحركة عبره، ينعكس مباشرة على حياة عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يعبرون المنطقة يومياً للوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم ومستشفياتهم، ويحوّل المخيم إلى نقطة تحكم إسرائيلية في أحد أهم شرايين الضفة الغربية.
فجر الأربعاء، اقتحمت قوات الاحتلال المخيم وبلدة كفر عقب المجاورة، ونشرت القناصة فوق أسطح المباني، واعتقلت عدداً من الفلسطينيين، بينهم ذوو أسرى وشهداء، كما فرضت حظر تجول على المخيم ، وداهمت منازل ومقاراً أهلية، وتحدثت محافظة القدس عن إدخال قوات الاحتلال صناديق وخرائط ومعدات إلى داخل المخيم، من دون توضيح طبيعة المهمة أو الهدف من هذه الإجراءات، الأمر الذي عزز المخاوف من أن تكون العملية أوسع من مجرد اقتحام عسكري عابر.
فالخبرة الفلسطينية مع العمليات العسكرية التي استهدفت مخيمات شمال الضفة الغربية تجعل من الصعب التعامل مع ما يجري في قلنديا باعتباره حدثاً أمنياً محدوداً، ففي جنين وطولكرم ونور شمس، بدأت العمليات تحت عناوين الملاحقة والبحث عن مطلوبين، ثم تحولت إلى حملات عسكرية واسعة رافقها تدمير للبنية التحتية، وتجريف للشوارع، وهدم للمنازل، وتهجير آلاف السكان، وفرض واقع جديد داخل المخيمات، واليوم يخشى الفلسطينيون أن يُعاد إنتاج النموذج نفسه في قلنديا، خصوصاً في ظل الحديث عن خرائط ومعدات وتحركات عسكرية قد تشير إلى استعدادات تتجاوز الاعتقال والمداهمة.
غير أن خصوصية قلنديا لا ترتبط فقط بموقعه على الطريق بين القدس ورام الله، بل أيضاً بموقعه داخل شبكة المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية التي تسعى إلى إعادة رسم محيط القدس وفصلها عن امتدادها الفلسطيني الطبيعي، فالمخيم يقع في منطقة تتقاطع فيها مشاريع السيطرة على الطرق، والتوسع الاستيطاني، وربط الكتل الاستيطانية ببعضها، وتحويل القدس إلى مركز إسرائيلي محاط بأحزمة استيطانية تعزل الفلسطينيين وتقطع التواصل الجغرافي بين مدن الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، تبرز المخاوف من سعي الاحتلال إلى تطوير مشروع يربط منطقة مطار قلنديا بمستوطنة كوخاف يعقوب ومجمع شعار بنيامين الاستيطاني، ضمن رؤية أوسع لربط المستوطنات الواقعة شمال القدس بالمحاور الإسرائيلية الرئيسة، وتعزيز التواصل الاستيطاني في المنطقة،  ويشكّل وجود مخيم قلنديا، بكثافته السكانية وهويته الوطنية وموقعه الجغرافي، عائقاً أمام بعض هذه المخططات، لأنه يحافظ على وجود فلسطيني متصل في منطقة تريد إسرائيل إعادة تشكيلها وفق أولوياتها الأمنية والاستيطانية.
ومن هنا، قد لا يكون استهداف المخيم منفصلاً عن الرغبة في إضعاف هذا الحضور الفلسطيني أو محاصرته أو تفكيك قدرته على البقاء، فالاحتلال لا ينظر إلى المخيمات باعتبارها تجمعات سكانية فقط، بل بوصفها مساحات تحمل ذاكرة اللجوء وحق العودة، وتمثل رمزاً سياسياً ووطنياً يرفض تحويل قضية اللاجئين إلى ملف منسي، ولذلك فإن ضرب المخيمات أو تهجير سكانها لا يرتبط بالبعد العسكري وحده، بل يمتد إلى محاولة تفكيك الهوية الجماعية وإعادة إنتاج واقع تكون فيه الجغرافيا الفلسطينية أكثر هشاشة، والسكان أكثر قابلية للحصار والاقتلاع.
وتزداد خطورة المشهد مع تصاعد الاقتحامات الإسرائيلية في الضفة الغربية، واستهداف منشآت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، والتضييق على عملها، في وقت تتعرض فيه المخيمات لضغوط عسكرية واقتصادية واجتماعية متواصلة،  ويثير ذلك تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى تقويض المخيم بوصفه مكاناً وذاكرة ومؤسسة، وليس فقط إلى السيطرة الأمنية عليه.
كما أن السيطرة على قلنديا تمنح الاحتلال قدرة أكبر على التحكم في حركة الفلسطينيين بين رام الله والقدس وشمال الضفة الغربية، وتسمح بتحويل الطرق والمداخل إلى أدوات ضغط يومية،  فالحواجز والإغلاقات لا تعطل حركة الأفراد فقط، بل تعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية والحياة الاجتماعية، وتدفع الفلسطيني إلى العيش داخل جزر معزولة، تخضع مداخلها ومخارجها للقرار العسكري الإسرائيلي.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو العملية العسكرية في مخيم قلنديا جزءاً من مشهد أوسع تشهده الضفة الغربية، يقوم على الجمع بين القوة العسكرية والتوسع الاستيطاني والسيطرة على الطرق والمحاور الحيوية، وبينما تُطرح الذرائع الأمنية لتبرير الاقتحامات، تتقدم على الأرض مشاريع تهدف إلى تثبيت واقع جديد، تتراجع فيه المساحة الفلسطينية وتتسع فيه رقعة السيطرة الاستيطانية.
إن الخطر على مخيم قلنديا لا يكمن في عملية عسكرية مؤقتة فحسب، بل في احتمال أن تتحول هذه العملية إلى بداية مسار طويل من الهدم والتهجير وإعادة هندسة المكان، على غرار ما جرى في مخيمات أخرى، فحين تدخل الخرائط والمعدات إلى مخيم محاصر، وتُغلق مداخله، ويُمنع سكانه من الحركة، يصبح السؤال أكبر من عدد المعتقلين أو ساعات الاقتحام: ما الذي يُخطط له بعد انتهاء العملية؟
قد يكون مخيم قلنديا اليوم أمام اختبار جديد، ليس لأنه يقع على طريق بين القدس ورام الله فقط، بل لأنه يقف في قلب صراع على الأرض والهوية والوجود، وإذا كان الاحتلال يرى في المخيم عائقاً أمام تمدده وربطه الاستيطاني، فإن استهدافه قد يكون محاولة لإزالة هذا العائق أو إضعافه، تمهيداً لفرض خريطة جديدة لا مكان فيها للفلسطيني إلا داخل مناطق ضيقة ومعزولة.
فقلنديا ليست مجرد مخيم عند بوابة القدس، بل بوابة فلسطينية تمنع اكتمال الطوق الاستيطاني حول المدينة المقدسة، ولهذا فإن ما يجري فيها قد لا يكون اقتحاماً عابراً، بل فصلاً جديداً من معركة تهدف إلى إعادة رسم الجغرافيا، وإضعاف الوجود الفلسطيني، وتحويل المخيم من رمز للجوء وحق العودة إلى منطقة محاصرة ومهددة بالاقتلاع، وبين الخرائط التي يحملها جنود الاحتلال وذاكرة اللاجئين التي يحملها سكان المخيم، تتحدد معركة قلنديا: إما أن يبقى المخيم شاهداً على الحق الفلسطيني، أو يُراد له أن يصبح محطة أخرى في طريق التهجير والاستيطان.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر المسار 

Share This Article