وقبل أن تصل الحوالة إلى هاتف صاحبها برسالة فورية، كان المال يعبر الحدود من خلال شبكة من الصرافين والمراسلين، وكان اسم المستفيد وعنوانه وكلمة الصراف كافية لبدء رحلة الأموال.
وقبل أن تصبح الصرافة شركات مرخصة تخضع لرقابة سلطة النقد، كان الصراف يعمل في مساحة أوسع من السوق، مستنداً قبل كل شيء إلى الخبرة والسمعة والثقة.

تلك ليست مجرد تفاصيل من ماضي مهنة تغيرت أدواتها، إنها قصة قطاع ارتبط، منذ نشأته، بالتحولات السياسية والاقتصادية والنقدية التي شهدتها فلسطين؛ من الجنيه الفلسطيني في عهد الانتداب البريطاني، إلى الدينار الأردني في الضفة الغربية، ثم العملات الإسرائيلية، وصولاً إلى الشيكل والدولار والدينار، وبينها مراحل من غياب الجهاز المصرفي الفلسطيني، والقيود على النقد، والحوالات والتجارة، ثم الرقمنة. وعلى امتداد هذه الرحلة، كان على الصراف أن يتغير كلما تغير الاقتصاد من حوله.
ومن بين الذين عاشوا هذه التحولات شيخ الصرافين، فضل عابدين، الذي بدأ العمل في المهنة عام 1976، وأمضى فيها نحو نصف قرن، متنقلاً من العمل داخل محل العائلة التجاري إلى تأسيس وتطوير شركة صرافة وفروع، فيما توسعت أعمال عائلة عابدين في قطاع الصرافة والخدمات المالية في فلسطين.
لكن تجربة عابدين لا تحكي قصة رجل واحد فقط، إنها تفتح نافذة على سؤال أكبر: كيف تحرك المال الفلسطيني عندما لم تكن هناك عملة وطنية ولا جهاز مصرفي فلسطيني متكامل؟
لم تكن فلسطين تعرف نظاماً نقدياً واحداً ومستقراً طوال تاريخها الحديث. خلال العهد العثماني، كانت عملات متعددة متداولة، ثم أصبحت العملة المصرية مستخدمة في فلسطين بعد دخول القوات البريطانية عام 1917. ومع الانتداب البريطاني، تأسس مجلس النقد الفلسطيني، وبدأ إصدار الجنيه الفلسطيني عام 1927، ليصبح العملة الموحدة في البلاد، لكن وجود عملة موحدة لم يلغ الحاجة إلى الصرافة.
ففلسطين كانت جزءاً من حركة تجارية وسكانية مع مصر وشرق الأردن وبلاد الشام، وكان انتقال الأشخاص والبضائع يعني انتقال عملات مختلفة معها، وبذلك، لم تكن الصرافة مرتبطة بعملة بعينها بقدر ارتباطها بالحاجة إلى تحويل المال من نظام نقدي إلى آخر.
ثم جاءت النكبة عام 1948، فتغيرت الخريطة السياسية، وتغير معها النظام النقدي، في الضفة الغربية أصبح الدينار الأردني العملة الرئيسية بعد ارتباطها بالأردن، بينما سلكت مناطق فلسطينية أخرى مساراً نقدياً مختلفاً، وبعد أقل من عقدين، جاء الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 ليضع الاقتصاد الفلسطيني أمام واقع نقدي جديد.
1967.. عندما دخل الاقتصاد الفلسطيني منطقة نقدية معقدة
لم يغيّر الاحتلال السلطة السياسية فقط؛ بل غيّر أيضاً البيئة التي يتحرك فيها المال، و أصبح الاقتصاد الفلسطيني يعيش مع أكثر من عملة، واستمر الدينار الأردني في التداول إلى جانب العملات الإسرائيلية، فيما بقي الدولار والعملات الأجنبية جزءاً من النشاط الاقتصادي.
وتشير الدراسات الدولية إلى أن الدينار الأردني والشيكل كانا من العملات القانونية المتداولة في الضفة الغربية، بينما أصبح الشيكل العملة المعترف بها في قطاع غزة. كما ظل الدولار مستخدماً في عدد من المعاملات.
وفي هذه البيئة، بدأت مهنة الصرافة تتوسع بصورة لافتة، لم يكن السبب تعدد العملات وحده، بل كان هناك عامل آخر أكثر أهمية، وهو ضعف القطاع المصرفي الفلسطيني.
تشير دراسات الأمم المتحدة وUNCTAD إلى أن البنوك العربية التي كانت تعمل في الضفة الغربية أُغلقت بعد عام 1967، ولم يعد القطاع المصرفي المحلي قادراً على توفير الخدمات التي يحتاج إليها الاقتصاد الفلسطيني بالشكل الكافي.
وهنا بدأ الصراف يملأ فراغاً تركه غياب البنك، فلم يعد ذلك الرجل الذي يبدل الدينار بالشيكل فقط، حيث أصبح يوفر الدولار للتاجر، ويحول الأموال للمواطن، ويتعامل مع الشيكات، ويجري التسويات، ويربط السوق الفلسطينية بشبكات مالية خارجية.
من 42 صرافاً إلى 196.. الأرقام تحكي قصة الحاجة
تكشف الأرقام الدولية حجم التحول، فوفق دراسة لـUNCTAD، كان عدد الصرافين في الضفة الغربية نحو 42 صرافاً قبل عام 1967، لكنه ارتفع إلى 196 صرافاً في نيسان/أبريل 1986.
وكان توزيعهم آنذاك يكشف أيضاً اختلاف حجم النشاط بين المدن: 64 صرافاً في نابلس، و34 في القدس، و22 في رام الله، و22 في بيت لحم وبيت ساحور، و16 في جنين، و15 في طولكرم، و14 في قلقيلية، و7 فقط في الخليل، وصرافان في أريحا.
الأرقام تقول شيئاً واضحاً، فكلما اتسعت الحاجة إلى الخدمات المالية خارج البنوك، اتسعت مهنة الصرافة.
وتكشف الدراسات نفسها أن وظائف الصرافين لم تكن تقتصر على بيع وشراء العملات، بل شملت تحويل الأموال، وتصفية الحسابات، وقبول الودائع، ومنح القروض وإدارة بعض الاستثمارات، وإن تفاوت ذلك بين صراف وآخر، أما كبار الصرافين، فذهب دورهم أبعد.
ففي دراسة للبنك الدولي عن القطاع المالي الفلسطيني، ظهر أن بعض كبار الصرافين كانوا يعملون بما يشبه “بنوكاً دولية صغيرة”، من خلال شبكات ومكاتب وعلاقات في الخليج وأوروبا وأمريكا الشمالية، وتقديم خدمات مثل تحويل الأموال وتسييل الشيكات والحوالات عبر حسابات خارجية.
وهنا تلتقي الوثيقة الدولية مع شهادة فضل عابدين، فهو لا يتذكر تلك المرحلة باعتبارها مجرد زمن لتبديل العملات. يقول إنه كان يصدر شيكات لزبائنه، في إطار الخدمات التي كان يقدمها للمتعاملين معه.
هذه التفاصيل تمنح معنى عملياً لما تقوله الدراسات الدولية عن توسع وظائف الصرافين في تلك المرحلة، السوق نفسها دفعتهم إلى ذلك، التاجر يحتاج إلى تسوية، المواطن يحتاج إلى تحويل، المستورد يحتاج إلى الدولار، والطالب أو المغترب يحتاج إلى أن تصله الأموال إلى الخارج، والصراف كان موجوداً، لم يكن بنكاً، لكنه كان يؤدي بعض الوظائف التي احتاجها الناس من البنك.
والسؤال الأصعب: كيف كان يعرف سعر الدولار؟
ربما تكون هذه أكثر تفاصيل المهنة إثارة للقارئ المعاصر، اليوم يستطيع أي شخص معرفة سعر الدولار واليورو والدينار من هاتفه، أما الصراف في السبعينيات والثمانينيات، فلم يكن يمتلك شاشة تعرض له السعر لحظة بلحظة، وكان عليه أن يبحث عن المعلومة.
يستعيد عابدين تلك المرحلة، حين كانت رويترز من مصادر المعلومات التي يتابعها الصرافون لمعرفة أسعار العملات وحركة الأسواق، فيما كانت BBC والنشرات الإذاعية ومصادر الأخبار الدولية توفر معلومات عن التطورات السياسية والاقتصادية التي يمكن أن تؤثر في العملات.
ومع تطور وسائل الاتصال، ظهرت أجهزة مثل “البيجر”، فأصبحت المعلومات تصل إلى الصراف بسرعة أكبر، لكن الوصول إلى السعر لم يكن نهاية المهمة، كان الصراف بحاجة إلى أن يفهم السوق.
توضح الدراسات الدولية أن الصرافين كانوا يتابعون أسعار العملات من مصادر إعلامية عالمية، وأن كبار الصرافين كانوا أكثر قدرة على متابعة حركة الأسواق وتوقع الاتجاهات المقبلة، أي أن الصراف لم يكن مجرد منفذ لسعر جاهز، وكان في كثير من الأحيان صانعاً للسعر المحلي بناءً على معلومات متفرقة وخبرة متراكمة.
تخيل المشهد اليوم: صراف في الخليل أو نابلس، في ثمانينيات القرن الماضي، يريد أن يقرر سعر الدولار، لا تطبيق، لا شاشة هاتف، لا موقع إلكتروني، لا محرك بحث، كان الصراف يبحث عن المعلومة؛ أما اليوم فالمعلومة تصل إلى الزبون نفسه.
لكن معرفة السعر لم تكن المشكلة الوحيدة، وكان على الصراف أيضاً أن يعرف كيف يحرك الأموال.
تشير الدراسات الدولية إلى أن جانباً من العملات الأجنبية كان يذهب إلى الأردن، حيث كانت أسواق عمان مركزاً مهماً للصرافة وتسوية العملات، فيما كان كبار الصرافين الفلسطينيين مرتبطين بشبكات مالية خارجية.
ويستعيد عابدين مرحلة كان فيها المواطن الذي يريد إرسال المال إلى ابنه أو قريبه في الخارج يلجأ إلى الصراف. يعطيه الاسم والعنوان والبيانات، ثم تبدأ رحلة الحوالة عبر شبكة من الصرافين والمراسلين، وفي حالات كثيرة عبر الأردن.
اليوم يمكن أن تصل الحوالة خلال دقائق، أما آنذاك، فكانت الحوالة شبكة بشرية كاملة، صراف يعرف صرافاً آخر، والثقة بينهما هي التي تضمن وصول المال.
وهنا يصبح مفهوم “الأمانة” أكثر من صفة شخصية، لقد كان جزءاً من البنية المالية نفسها، الثقة.. رأس المال الذي لا يظهر في الحسابات
قبل الأنظمة الإلكترونية، وقبل قواعد الامتثال الحديثة، كان اسم الصراف وسمعته جزءاً من ضمان أموال الناس، الزبون يسلم ماله للصراف لأنه يعرفه، والتاجر يشتري منه الدولار لأنه تعامل معه لسنوات، وصاحب الحوالة يطمئن إلى أن المال سيصل لأن الصراف يعرف الجهة التي سيتعامل معها في الطرف الآخر.
وهذه الثقة تظهر بوضوح في تجربة عابدين، فهو لم يبدأ شركة كبيرة، بدأ صرافاً داخل محل العائلة التجاري، ومع مرور السنوات، تطورت التجربة من محل صغير إلى شركة صرافة، ثم إلى فروع، فيما توسعت أعمال عائلة عابدين إلى شركات أخرى وفروع منتشرة في فلسطين.
هذه الرحلة لا تعني فقط نمو نشاط تجاري، إنها تكشف كيف يمكن لمهنة تعتمد على الثقة والسمعة والخبرة أن تتحول إلى مؤسسة مالية واسعة عندما تتراكم هذه العناصر عبر عقود. فالمال يمكن أن يُحسب بالأرقام، لكن علاقة الصراف بالزبون لا تُبنى بالأرقام وحدها، إنها تُبنى على الثقة.
بعد قيام السلطة.. الصراف يدخل مرحلة جديدة
مع تأسيس السلطة الفلسطينية، لم يعد قطاع الصرافة يعمل في البيئة نفسها، بدأ بناء الجهاز المصرفي الفلسطيني، وأنشئت سلطة النقد، وبدأ تنظيم المهنة وإخضاعها للترخيص والرقابة.
انتقلت الصرافة تدريجياً من نشاط يعتمد بدرجة كبيرة على الاسم والعلاقات إلى قطاع مالي منظم، له متطلبات رأسمالية، وسجلات، وأنظمة رقابة، وإجراءات لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي عام 2016، أصدرت سلطة النقد نظاماً لترخيص ورقابة مهنة الصرافة، ثم تطور الإطار القانوني لاحقاً، وصولاً إلى قرار بقانون رقم 40 لسنة 2022 بشأن ترخيص ورقابة مهنة الصرافة.
وهكذا أصبح الصراف الذي كان يعمل في هامش السوق أمام منظومة رقابية واسعة. لكن المهنة لم تختف، بل توسعت من 42 صرافاً إلى مئات الشركات والفروع وتكشف بيانات سلطة النقد حجم التحول.
ففي عام 2023، بلغ عدد الصرافين المرخصين 339 صرافاً، منهم 211 شركة لديها 105 فروع، و23 صرافاً فردياً. وبلغت قيمة عمليات شراء وبيع العملات مع الجمهور نحو 3.3 مليار دولار.
وتصف سلطة النقد قطاع الصرافة بأنه مكوّن حيوي من النظام المالي الفلسطيني، نظراً لدوره في تحويل العملات والحوالات المحلية والدولية وغيرها من الخدمات، وهكذا، فإن الصرافة التي بدأت بعدد محدود من المحال أصبحت اليوم قطاعاً له وزن فعلي في الاقتصاد.
البنوك ظهرت.. لكن الصراف لم يختف
كان من الطبيعي أن يُعتقد أن تأسيس البنوك الفلسطينية سيضع نهاية لدور الصرافين، لكن ذلك لم يحدث، والسبب يعود جزئياً إلى طبيعة الاقتصاد الفلسطيني نفسه.
ففلسطين لا تملك عملة وطنية متداولة، ويعتمد الاقتصاد على الشيكل والدولار والدينار الأردني، وهي العملات التي تشير سلطة النقد إلى أنها تشكل أساس النظام النقدي المتداول في فلسطين، والعلاقة بين الصراف والبنك لم تكن دائماً سهلة.
عابدين ينتقد ما يصفه بتعقيد بعض الإجراءات المصرفية، ويقول إن الصراف يخضع لرقابة دقيقة على عملياته وسجلاته وتحويلاته وكاميراته، لكنه يواجه في المقابل تحفظات من بعض البنوك خارج فلسطين.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية، الصراف نشأ أصلاً لأن البنك لم يكن متاحاً بما يكفي، لكنه أصبح اليوم بحاجة إلى البنك كي يستطيع مواصلة جزء من عمله.
لماذا لم يصبح الصراف بنكاً؟
من هذه العلاقة المعقدة ظهرت، بحسب عابدين، فكرة إنشاء بنك مملوك للصرافين، لكن إنشاء بنك اليوم ليس مجرد جمع رأس مال، إنه دخول إلى منظومة مصرفية عالمية من الرقابة والامتثال والعلاقات مع البنوك المراسلة.
لذلك بقي الصراف في منطقة وسطى، ليس بنكاً، لكنه يقدم خدمات مالية، ليس شركة تحويل عالمية، لكنه يحول الأموال، وليس مؤسسة نقدية، لكنه يتعامل يومياً مع العملات التي تحرك الاقتصاد الفلسطيني.

من رويترز إلى الهاتف.. التكنولوجيا قلبت المهنة
التكنولوجيا أخذت من الصراف بعض وظائفه القديمة، لم يعد المواطن بحاجة إليه لمعرفة السعر، ولم تعد الحوالة تحتاج إلى شبكة بشرية طويلة، وأصبح الدفع الإلكتروني ينافس النقد، لكن التكنولوجيا لم تلغِ المهنة، بل دفعتها إلى التكيف مرة أخرى.
وسلطة النقد تتجه منذ سنوات إلى تقليل الاعتماد على النقد وتشجيع التكنولوجيا المالية والمدفوعات الإلكترونية، في إطار معالجة مشكلة السيولة وتطوير النظام المالي.
واللافت أن هذه السياسة تعيد طرح السؤال الذي رافق المهنة منذ بدايتها، كيف يتحرك المال بأقل قدر من القيود؟
لكن هذه المرة في اتجاه معاكس، ففي الماضي كان المطلوب إيجاد المال وتحويله، أما اليوم، فإن جزءاً من المشكلة هو النقد الموجود أصلاً في السوق.

حين أصبح الشيكل نفسه مشكلة
هنا تعود الصرافة إلى قلب المشهد الاقتصادي الفلسطيني، أزمة فائض الشيكل لم تعد قضية مصرفية داخلية فقط، ففي أيار/مايو 2025، حذرت سلطة النقد من أن تراكم الشيكل في البنوك الفلسطينية وصل إلى مستوى حرج، بسبب القيود على نقل الفائض إلى البنوك المراسلة الإسرائيلية، وقالت إن البنوك الفلسطينية أصبحت غير قادرة على قبول المزيد من ودائع الشيكل النقدية لأنها لا تستطيع نقل الفائض إلى الجانب الإسرائيلي. وحذرت من تأثير ذلك على تمويل التجارة والتسويات المالية.
وهذه الأزمة تعيد الصراف إلى المشهد من باب مختلف، فالمشكلة لم تعد فقط: كيف نحصل على الدولار؟ بل، ماذا نفعل بالشيكل الذي تراكم؟
والانتقال إلى المدفوعات الإلكترونية يمكن أن يقلل الحاجة إلى النقد مستقبلاً، لكنه لا يلغي النقد الموجود فعلاً في السوق، وهنا تكمن إحدى أكبر المفارقات في قصة الصرافة الفلسطينية، فالمهنة التي ولدت من تعدد العملات تواجه اليوم تحدياً سببه فائض إحدى أكثر العملات استخداماً في فلسطين.
نصف قرن.. من محل صغير إلى شركات وفروع
إذا عدنا إلى تجربة فضل عابدين، تبدو رحلة المهنة كلها تقريباً مختصرة في مسيرته، بدأ عام 1976 داخل محل العائلة التجاري، كان يعرف السعر من السوق، ويتابع الأخبار الاقتصادية عبر BBC، ويعتمد على المعلومات التي توفرها رويترز، ثم استفاد من تطور وسائل الاتصال و”البيجر” وكان يصدر الشيكات لزبائنه، وكان يحول الأموال عبر شبكات الصرافين.
ثم ظهرت البنوك الفلسطينية، وتطورت شركات التحويل، ودخلت الأنظمة الإلكترونية، وتحولت تجربته من محل صغير إلى شركة وفروع، وتوسعت أعمال عائلة عابدين في فلسطين. لكن، وسط كل هذه التكنولوجيا والقوانين والأنظمة، بقيت القاعدة التي بدأت بها المهنة، وهي الثقة.
الثقة التي تجعل المواطن يسلم الصراف ماله، والتاجر يعتمد عليه، والعميل يرسل من خلاله حوالة، والعائلة توسع أعمالها على مدى عقود.

الصرافة.. تاريخ الاقتصاد الفلسطيني من زاوية أخرى
ربما لهذا السبب لا يمكن قراءة تاريخ الصرافة الفلسطينية باعتباره تاريخ مهنة فقط، إنه تاريخ لحركة المال نفسها، عندما غاب البنك، اتسع دور الصراف، عندما تعددت العملات، أصبح أكثر أهمية، عندما احتاج التجار إلى الدولار، دخل في قلب التجارة، وعندما احتاج المواطن إلى إرسال المال، أصبح جزءاً من شبكة الحوالات، وعندما كانت المعلومة عن السعر صعبة الوصول، أصبح الصراف نفسه مركزاً للمعلومة.
ثم جاء التنظيم، ثم البنوك، ثم الإنترنت، ثم الهاتف، ثم المدفوعات الإلكترونية، وفي كل مرحلة، تغير الصراف ولم يختفِ، واليوم، يقف أمام تحول جديد: بنوك أكثر تشدداً، رقمنة متسارعة، قيود على النقد، وفائض شيكل يضغط على النظام المالي الفلسطيني.
وبذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بعد نحو نصف قرن على دخول فضل عابدين المهنة ليس ما إذا كانت الصرافة ستختفي.
بل، ما الشكل الذي ستتخذه الصرافة عندما يصبح المال نفسه أقل اعتماداً على الورق؟
فالتاريخ يعطي إجابة واحدة حتى الآن، الصراف الفلسطيني لم يبقَ لأنه ظل كما كان، بل بقي لأنه عرف كيف يتغير كلما تغير الاقتصاد من حوله.
من الجنيه الفلسطيني إلى الدينار، ومن الليرة والشيكل إلى الدولار، ومن رويترز وBBC و”البيجر” إلى الهاتف الذكي، ومن الحوالة التي تسافر عبر شبكة من البشر إلى التحويل الإلكتروني، ومن محل صغير داخل متجر إلى شركات وفروع، بقي السؤال نفسه، كيف يتحرك المال؟
وربما يكون هذا هو السؤال الذي سيحدد مستقبل المهنة أيضاً.

فما دام الاقتصاد الفلسطيني يستخدم عدة عملات، وما دامت هناك حاجة إلى العملات الأجنبية والتحويلات، وما دام النقد لم يختفِ تماماً، فإن الصراف لن يختفي بسهولة.
لكن الصراف الذي عرفه فضل عابدين عام 1976 لن يكون هو الصراف الذي سيعرفه الجيل القادم، قد لا يبقى خلف مكتب يعدّ الدينار والشيكل والدولار، وقد يصبح خلف شاشة، يدير شبكة تحويلات، ويتعامل مع بنك، ومحفظة إلكترونية، وعميل في الخارج، وأنظمة رقابية دولية.
وهكذا قد لا تكون نهاية مهنة الصرافة هي اختفاؤها، بل ولادة نسخة جديدة منها.
المصدر …وكالة معا الاخباريه

