بقلم” فراس صالح”الانتخابات الفلسطينية… من مطلب خارجي إلى فرصة وطنية لاستنهاض القوة الفلسطينية

المسار :في اللحظة الراهنة، يمكن أن تشكل الانتخابات مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، وتجديد شرعية مؤسساته، واستعادة الوحدة الداخلية، وإعادة تنظيم العلاقة بين الداخل والشتات، واستنهاض عوامل القوة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال ومشاريعه.

وتكتسب هذه المسألة أهميتها من حقيقة أن الفلسطينيين جربوا خلال السنوات الماضية معظم الصيغ الممكنة لإنهاء الانقسام: الحوارات، والاتفاقات، والوساطات، واللجان والتفاهمات. ومع ذلك بقي الانقسام قائماً، بل تحول إلى بنية سياسية ومؤسساتية أكثر رسوخاً، في الوقت الذي واصل فيه الاحتلال الاستيطان والضم وتهويد القدس وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية. وهكذا أصبحت الأزمة الفلسطينية الداخلية تجري في الوقت الذي يتحرك فيه الاحتلال بسرعة لحسم الوقائع على الأرض.

لذلك، فإن المطلوب ليس تكرار الصيغ السابقة، وإنما الانتقال إلى إعادة بناء النظام السياسي من قاعدته الشعبية، وجعل الانتخابات إحدى أدوات هذه العملية.

وقد يقول قائل إن الانتخابات اليوم تحظى بدفع أمريكي وأوروبي وعربي، وإنها قد تكون جزءاً من ترتيبات دولية وإقليمية لإعادة صياغة المشهد الفلسطيني. وهذا أمر ينبغي أخذه بجدية، لكن التعامل معه لا يجب أن يقود إلى رفض الانتخابات لمجرد أن الخارج يريدها، كما لا يجوز قبولها بالشروط التي يريدها الخارج.

السؤال الحقيقي ليس: من يريد الانتخابات؟ بل: ماذا سيفعل الفلسطينيون بهذه الانتخابات؟

فحتى لو كانت الانتخابات مطلباً أمريكياً أو أوروبياً أو عربياً، يستطيع الشعب الفلسطيني أن يحولها من مطلب خارجي إلى فرصة وطنية، إذا امتلك قرارها وحدد قواعدها وأهدافها ومخرجاتها. يمكن أن تصبح الانتخابات أداة لاستعادة القرار الوطني، وتجديد شرعية المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإعادة بناء منظمة التحرير على قاعدة الشراكة، وتوحيد الداخل والشتات، بدلاً من أن تكون مدخلاً لإعادة ترتيب الساحة الفلسطينية وفق حسابات خارجية.

 

وهنا تكمن المفارقة السياسية: قد يريد الخارج الانتخابات لأهدافه، لكن الفلسطينيين يستطيعون استخدام الانتخابات لتحقيق أهدافهم.

فالانتخابات المطلوبة ليست انتخابات لتجديد المقاعد والمواقع، وإنما انتخابات لإعادة بناء النظام السياسي. وهذا يعني تجديد المؤسسات التشريعية والرقابية والتنفيذية، وإنهاء حالة التفرد، وإعادة الاعتبار للفصل بين السلطات، وإعادة الثقة بين المواطن والمؤسسة، وإدخال أجيال جديدة إلى الحياة السياسية.

وفي المقدمة تأتي منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. ولذلك يجب ألا تؤدي الانتخابات إلى تكريس الفصل بين الداخل والخارج، بل إلى إعادة وصل الشعب الفلسطيني بمؤسساته الوطنية، وضمان تمثيل اللاجئين والجاليات والتجمعات الفلسطينية في مختلف أماكن وجودها.

كما أن الانتخابات لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الحوار الوطني، وإنما ثمرة لحوار وطني يحدد قواعدها وشروطها ويضمن مشاركة الجميع واحترام نتائجها. فالمطلوب الانتقال بالحوار من محاولة إدارة الانقسام بين أطرافه إلى بناء نظام سياسي يجعل التعددية السياسية جزءاً من الشراكة الوطنية، لا سبباً للانقسام الجغرافي والمؤسساتي.

والأهم أن إصلاح النظام السياسي لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع مع الاحتلال. فالفلسطينيون يخوضون معركة تحرر وطني في مواجهة مشروع استيطاني يعمل على الضم وفرض الأمر الواقع. وبالتالي فإن تجديد المؤسسات يجب أن يخدم القدرة على المواجهة، وتنظيم الصمود والمقاومة الشعبية، وحشد الطاقات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية والإعلامية، لا أن يتحول إلى بديل عن هذه المواجهة.

فالقوة الفلسطينية موجودة، لكنها موزعة ومجزأة. هناك قوة شعبية، وقوة سياسية، وقوة اجتماعية، وقوة الشتات، وقوة اللاجئين، وطاقات الشباب والنساء والنقابات والاتحادات والمجتمع المدني. والمشكلة ليست في غياب عناصر القوة، وإنما في غياب الإطار الوطني القادر على جمعها وتحويلها إلى قوة سياسية منظمة.

وهنا يمكن للانتخابات أن تصبح مدخلاً لاستنهاض هذه العناصر، عبر إعادة الشعب إلى قلب العملية السياسية، وتجديد الشرعية، وتوسيع المشاركة، وفتح المجال أمام التعددية والقيادات والطاقات الجديدة.

 

لقد جرب الفلسطينيون تقريباً كل شيء لإنهاء الانقسام. جربوا الاتفاقات والوساطات والحوارات، لكن الانقسام بقي، فيما تغيرت الوقائع على الأرض لمصلحة الاحتلال. لذلك لم يعد كافياً البحث عن اتفاق جديد بين أطراف الانقسام؛ المطلوب إعادة بناء النظام السياسي الذي سمح للانقسام بأن يستمر.

من هنا، لا ينبغي النظر إلى الانتخابات باعتبارها نهاية الطريق، بل باعتبارها بداية لإعادة بناء البيت الوطني: بداية لتجديد المؤسسات، وإعادة بناء منظمة التحرير، واستعادة الوحدة، وتوحيد المرجعيات، وتجديد الشرعية، واستنهاض عوامل القوة الفلسطينية.

فالانتخابات ليست حلاً سحرياً، لكنها يمكن أن تكون نقطة تحول إذا امتلك الفلسطينيون قرارها.

والخلاصة أن المعركة ليست فقط حول إجراء الانتخابات، وإنما حول وظيفتها السياسية: هل تكون أداة لإعادة إنتاج الواقع القائم، أم فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

إذا امتلك الشعب الفلسطيني قراره، يستطيع أن يحول الانتخابات من مطلب خارجي إلى استحقاق وطني، ومن وسيلة لإدارة الأزمة إلى أداة لتجاوزها، ومن تجديد للهيئات إلى تجديد للحركة الوطنية، ومن حالة استنزاف للقوة الفلسطينية إلى استنهاضها.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية للانتخابات: أن تعيد القرار إلى الشعب، والمؤسسات إلى دورها الوطني، والوحدة إلى مضمونها السياسي، والقضية إلى مسارها التحرري.

Share This Article