المسار : رحّب الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان، واعتبرها «خطوة أولى كبيرة وجريئة ومهمة»، في موقف يسلط الضوء على أهمية الاتفاق في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
ووقعت الدول الثلاث في 7 أغسطس/آب الجاري اتفاقية مكة للدفاع المشترك، بهدف تعزيز الردع المشترك في مواجهة مختلف أشكال العدوان، وتنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الدول الأخرى.
ويأتي الاتفاق في مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة ترتيب لموازين القوى، وتصاعدًا في التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب استمرار الصراع حول أمن الملاحة في مضيق هرمز، وما يرتبط به من ملفات سياسية واقتصادية وأمنية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة من زاوية الاستقلال الوطني والقومي ورفض التبعية والهيمنة الخارجية، إذ تطرح اتفاقية مكة سؤالًا حول إمكانية بناء ترتيبات إقليمية تستند إلى قدرات دول المنطقة نفسها، بعيدًا عن الارتهان الكامل للقوى الدولية الكبرى.
وفي المقابل، يكشف موقف ترمب من كوريا الجنوبية جانبًا من طبيعة العلاقات التي تريدها واشنطن مع حلفائها، إذ وجّه بتقليص المناورات العسكرية المشتركة معها، في وقت تطالب فيه الولايات المتحدة حلفاءها بمواقف تتوافق مع سياساتها تجاه إيران وملفات المنطقة.
ولا يمكن فصل هذه التحولات عن القضية الفلسطينية، التي تبقى جوهر الصراع في المنطقة. فأي منظومة إقليمية جديدة تكتسب قيمتها السياسية بمدى إسهامها في حماية حقوق الشعوب، ومواجهة الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس.
كما أن حديث الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن إمكانية انضمام دول أخرى إلى الاتفاق، وتأكيده عدم التخلي عن سوريا وغزة، يفتح النقاش حول مستقبل هذا الترتيب ومدى قدرته على التحول إلى إطار إقليمي أوسع.
وبالنسبة للقوى الوطنية والديمقراطية الفلسطينية، فإن المعيار الأساسي في قراءة أي تحول إقليمي يجب أن يبقى حماية القرار الوطني المستقل، ورفض الهيمنة، ودعم القضية الفلسطينية، وتعزيز قدرة شعوب المنطقة على الدفاع عن حقوقها ومقدراتها.
ومن هنا، فإن اتفاق مكة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره اتفاقًا عسكريًا فحسب، بل باعتباره تطورًا يستحق المتابعة في سياق إعادة تشكيل العلاقات وموازين القوى في المنطقة، والسؤال المطروح اليوم هو:
هل تستطيع دول المنطقة بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة تحمي مصالح شعوبها وتدعم القضية الفلسطينية، أم ستبقى هذه الترتيبات محكومة بتوازنات القوى الدولية ومصالحها؟

