واشنطن تتنصل وطهران ترفع السقف.. مضيق هرمز يتحول إلى ورقة مواجهة إقليمية

المسار : دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة من التصعيد السياسي والعسكري، بعدما ربطت طهران إعادة فتح مضيق هرمز بتنفيذ واشنطن التزاماتها الواردة في مذكرة التفاهم، في وقت أعلن فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عدم رغبته في تمديد المذكرة، بالتزامن مع تصاعد التهديدات والتحركات العسكرية في المنطقة.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن بلاده لن تعيد فتح مضيق هرمز قبل تنفيذ الولايات المتحدة كامل تعهداتها، وفي مقدمتها رفع الحصار والعقوبات النفطية، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء التهديدات والعمليات العسكرية على مختلف الجبهات.

وشدد قاليباف على أن زيادة الضغوط الاقتصادية والعسكرية على إيران لن تدفعها إلى تقديم تنازلات، معتبرًا أن الأزمة الراهنة جاءت نتيجة السياسات التي انتهجتها واشنطن تجاه طهران والمنطقة.

ويعكس الموقف الإيراني انتقال ملف مضيق هرمز من قضية مرتبطة بحرية الملاحة إلى ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة العقوبات والتهديدات الأمريكية، خصوصًا أن المضيق يشكل أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز والتجارة العالمية.

انتهاء المهلة دون اتفاق

جاء التصعيد عقب انتهاء المهلة المحددة للتوصل إلى اتفاق نهائي بين إيران والولايات المتحدة، وفق مذكرة التفاهم التي وُقعت في 17 يونيو/حزيران بهدف وضع مسار لإنهاء الحرب ومعالجة الملفات الخلافية بين الجانبين.

وحددت المذكرة مهلة مدتها 60 يومًا للتوصل إلى اتفاق أوسع يشمل مستقبل البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات الأمريكية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب عدد من القضايا الأمنية والسياسية المرتبطة بالمنطقة.

إلا أن المهلة انتهت من دون الإعلان عن اتفاق نهائي، وسط تبادل للاتهامات بشأن المسؤولية عن تعطيل تنفيذ المذكرة. وتؤكد طهران أن واشنطن لم تفِ بالتزاماتها، بينما تصر الإدارة الأمريكية على فرض شروط إضافية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني والسياسة الإقليمية لطهران.

ترامب يرفض تمديد مذكرة التفاهم

في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لا يسعى إلى تمديد مذكرة التفاهم مع إيران، مدعيًا أن طهران لا تريد التوصل إلى اتفاق بالصيغة التي تراها إدارته ضرورية.

وجدد ترامب حديثه عن منع إيران من امتلاك سلاح نووي، زاعمًا أن الضربات الأمريكية السابقة أبطأت قدرة طهران على تطوير برنامجها النووي.

وتكشف تصريحات الرئيس الأمريكي تمسك واشنطن بسياسة فرض الشروط والضغط العسكري والاقتصادي، بدل الالتزام بتفاهم متبادل يضمن إنهاء الحرب ورفع العقوبات وإزالة أسباب التوتر.

وقال المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إن الاتصالات التي تجريها واشنطن مع جهات مختلفة داخل الحكومة الإيرانية أصبحت أكثر أهمية من أي وقت مضى، لكنه أقر بأنها لم تؤدِ حتى الآن إلى تفاهم نهائي بين الطرفين.

طهران: لن نفتح هرمز قبل تنفيذ التعهدات

حددت إيران مجموعة من الشروط لإعادة فتح مضيق هرمز، تشمل:

  • رفع الحصار الاقتصادي المفروض عليها.
  • الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة.
  • رفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط.
  • وقف التهديدات والعمليات العسكرية الأمريكية.
  • تنفيذ واشنطن جميع البنود الواردة في مذكرة التفاهم.

وأكدت طهران أنها ستبلغ الولايات المتحدة ودول المنطقة، عبر الوسطاء، بالمهلة الزمنية المحددة لتنفيذ هذه الالتزامات.

ونُقل عن مسؤول إيراني كبير أن بلاده قد تتجه إلى تصعيد الضغط في مضيق هرمز والمنطقة إذا فشلت الجهود الدبلوماسية، مشيرًا إلى تحول في السياسة الإيرانية من الاكتفاء بالدفاع إلى اعتماد خيارات أكثر هجومية في مواجهة التهديدات.

عراقجي: إيران ما بعد الحرب مختلفة

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن السياسة الخارجية لبلاده بعد الحرب ستكون مختلفة بصورة كاملة، مؤكدًا أن التصور الذي حاولت واشنطن ودولة الاحتلال الإسرائيلي تكريسه بشأن ضعف إيران قد تلاشى.

ويشير موقف عراقجي إلى أن طهران تسعى إلى إعادة صياغة سياستها الإقليمية على أساس مواجهة الضغوط وعدم السماح باستخدام التفاوض غطاءً لفرض الإملاءات أو التمهيد لعدوان جديد.

وكان عراقجي قد حذّر من أن وقف إطلاق النار المؤقت لا يضمن إنهاء الحرب، بل قد يمنح الأطراف المعتدية فرصة للاستعداد لجولة جديدة، مؤكدًا أن المطلوب هو تسوية نهائية وعادلة تعالج جذور الصراع.

توتر صاروخي في مياه الخليج

ميدانيًا، أعلنت وزارة الدفاع الإماراتية رصد صاروخين باليستيين قادمين من إيران، وقالت إن أحدهما سقط خارج مياه الإمارات الإقليمية، بينما سقط الآخر داخلها.

وأوضحت الوزارة لاحقًا أن التقديرات أظهرت أن الصاروخين كانا يستهدفان حركة الملاحة البحرية، مؤكدة جاهزية الدفاعات الجوية للتعامل مع أي تهديد.

وكانت السلطات الإماراتية قد دعت السكان لفترة مؤقتة إلى اتخاذ إجراءات احترازية عقب رصد تهديد صاروخي، قبل أن تعلن أن الوضع أصبح آمنًا وتطلب استئناف الأنشطة المعتادة.

ولا تزال تفاصيل الحادثة مرتبطة بالرواية الرسمية الإماراتية، في ظل غياب إعلان إيراني مفصل يوضح طبيعة الهدف المقصود ومسار الصاروخين.

استهداف سفينة قبالة اليمن

وفي تطور متصل بأمن الملاحة، تعرضت سفينة شحن لقصف بقذائف مجهولة على بعد نحو 40 ميلًا بحريًا جنوب شرقي مدينة المخا، غربي اليمن، ما أدى إلى إلحاق أضرار بها.

وأفادت هيئة التجارة البحرية البريطانية بأن السفينة كانت خالية من طاقمها عند وقوع الهجوم، من دون تسجيل إصابات، مشيرة إلى فتح تحقيق لتحديد الجهة المسؤولة عن الحادث.

ويأتي ذلك في ظل ارتفاع مستوى المخاطر التي تواجه حركة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، مع اتساع تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران واستمرار العدوان على قطاع غزة.

تهديدات أمريكية توسّع دائرة الأزمة

ترافقت التطورات مع تصعيد لافت في خطاب ترامب، الذي لوّح باستخدام القوة ضد أي طرف يعرقل خطته للتوصل إلى اتفاق وفق الشروط الأمريكية.

كما نشر ترامب خريطة لمضيق هرمز وقدمها بطريقة توحي باعتباره منطقة خاضعة للنفوذ الأمريكي، في خطوة تحمل دلالات استفزازية وتمس سيادة دول المنطقة وحقوقها في إدارة ممراتها ومياهها الإقليمية.

ويعكس هذا الخطاب استمرار النظرة الأمريكية إلى المنطقة بوصفها مساحة مفتوحة للهيمنة العسكرية والتحكم بمصادر الطاقة والممرات البحرية، بعيدًا عن قواعد السيادة الوطنية والأمن الإقليمي المشترك.

حراك إقليمي لاحتواء التصعيد

أمام خطر اتساع المواجهة، تكثفت الاتصالات السياسية بين دول المنطقة. وبحث وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان سبل احتواء التصعيد والعودة إلى المفاوضات، محذرين من انعكاس التوتر على أمن دول المنطقة واستقرارها.

كما أجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالات مع مسؤولين في قطر وسورية وإيران، تناولت التطورات الإقليمية والوضع في مضيق هرمز.

وبحث ترامب، من جانبه، مع رئيس الإمارات محمد بن زايد تطورات المنطقة والعلاقات الثنائية، في أعقاب رصد التهديد الصاروخي في المياه المحيطة بالإمارات.

العقوبات في قلب المواجهة

لا تنفصل الأزمة الحالية عن سياسة العقوبات التي اعتمدتها واشنطن للضغط على طهران، إذ تسببت القيود على صادرات النفط وتجميد الأموال الإيرانية وإضعاف النشاط الصناعي في تفاقم الصعوبات الاقتصادية داخل إيران.

وتراهن الإدارة الأمريكية على الجمع بين الضغط الاقتصادي والتهديد العسكري لإجبار طهران على قبول شروطها، بينما تؤكد إيران أن رفع العقوبات وإنهاء التهديدات يمثلان شرطًا أساسيًا لأي اتفاق قابل للاستمرار.

وتواجه الجهود الدبلوماسية اختبارًا حاسمًا؛ فإما الانتقال إلى اتفاق متوازن ينهي الحرب ويرفع العقوبات ويحمي سيادة دول المنطقة، وإما استمرار سياسة الضغط والتهديد بما يفتح الباب أمام مواجهة أوسع قد تطاول الملاحة الدولية وأسواق الطاقة ودول الخليج.

خلفية الأزمة

تصاعدت المواجهة بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما أعقبها من ردود إيرانية استهدفت مواقع مرتبطة بالوجود العسكري الأمريكي ودولة الاحتلال الإسرائيلي في المنطقة.

وبعد جولات من القتال والضربات المتبادلة، أُبرمت مذكرة تفاهم لتوفير إطار سياسي لإنهاء الحرب، إلا أن الخلافات حول العقوبات والبرنامج النووي وأمن مضيق هرمز حالت دون تحويلها إلى اتفاق نهائي.

وتتهم طهران واشنطن بمحاولة استخدام المفاوضات لانتزاع تنازلات من دون تنفيذ التزاماتها، في حين تواصل الولايات المتحدة فرض الضغوط والتهديد بالعودة إلى الخيار العسكري.

خلاصة المشهد

تقف المنطقة أمام مفترق بالغ الخطورة: طهران تتمسك برفع العقوبات وتنفيذ التعهدات قبل فتح مضيق هرمز، بينما ترفض واشنطن تمديد مذكرة التفاهم وتواصل التهديد والتصعيد.

وبين الموقفين، تتزايد المخاوف من انتقال الأزمة من مواجهة بين إيران والولايات المتحدة إلى صراع إقليمي واسع يهدد دول الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، ويضع إمدادات الطاقة وحركة التجارة العالمية أمام مخاطر غير مسبوقة.

ويبقى نجاح الوساطات مرهونًا بقدرتها على وقف التهديدات العسكرية وإلزام واشنطن بتنفيذ تعهداتها، بدل استخدام الحوار السياسي وسيلة لفرض الهيمنة أو كسب الوقت استعدادًا لجولة جديدة من الحرب.

Share This Article