المسار : في فضاء يجمع بين اللعب والتعلّم، وبين طفولة المخيم الصيفي وثقل الذاكرة الوطنية، يواصل التجمع الوطني الديمقراطي تنظيم الدورة الحادية والعشرين من “مخيم الهوية”، بمشاركة عشرات الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و11 عامًا، ضمن مشروع تربوي وترفيهي يمتد على مدار ثلاثة أيام.
ويمزج المخيم بين التربية الوطنية والفعاليات الترفيهية والتثقيفية، إلى جانب ورشات إبداعية وأنشطة تهدف إلى تنمية مواهب الأطفال وقدراتهم. وفي دورة هذا العام، تشكل القرى الفلسطينية المهجّرة محورًا أساسيًا في المضامين والأنشطة، إذ تتحول أسماء الفرق وموضوعات الورشات إلى مدخل لتعريف الأطفال بجزء من الذاكرة الفلسطينية.
وبينما يتنقل الأطفال بين الورشات والأنشطة، تحضر فكرة المخيم في تفاصيل صغيرة: اسم قرية مهجّرة، قصة تُروى، ومفتاح عودة يُصنع بأيدي الأطفال، ومصطلحات تدخل إلى عالمهم اليومي عبر اللعب والفن والحكاية.
أما الذين كانوا أطفالًا في المخيم قبل سنوات، فعادوا اليوم إلى المكان نفسه مرشدين، حاملين معهم تجربة شخصية امتدت، كما يقولون، من الطفولة إلى الوعي والمسؤولية.
القرى المهجّرة عنوانًا للدورة الحادية والعشرين
تحدث مدير “مخيم الهوية”، وسام علي الصالح ،عن الدورة الجديدة، مؤكدًا أن المخيم يقام للعام الحادي والعشرين على التوالي، وأنه يمثل أحد المشاريع التي يؤمن بها التجمع الوطني الديمقراطي ويواصل العمل عليها.
وقال الصالح إن عنوان المخيم هذا العام يتمحور حول القرى المهجّرة، موضحًا أن أسماء الفرق والمضامين التربوية خُصصت بما يتصل بهذا الموضوع.
وعن طبيعة الورشات والفعاليات، أشار إلى أن البرنامج بدأ بورشات تضمنت تسمية الفرق بأسماء قرى مهجّرة، اختار المشاركون بعضها، إلى جانب ورشات تربوية قدمها مركز الطفولة حول قصص مرتبطة بهذه القرى.
وأضاف أن إحدى الورشات الفنية تتناول “مفتاح العودة”، إذ يصنع الأطفال مفاتيح بأيديهم، في محاولة لإدخال مفاهيم مثل العودة والقرى المهجّرة إلى عالمهم بطريقة فنية وتفاعلية.
ويرى الصالح أن من المهم أن يسمع الأطفال هذه المصطلحات ويتعرفوا إليها، وأن المخيم يمثل إحدى المساحات التي تتيح لهم ذلك.
وشدد في الوقت ذاته على أن “المخيم لا يقتصر على المضمون الوطني والتربوي، فهو في النهاية مخيم صيفي للأطفال”، ولذلك يتضمن أنشطة ترفيهية وأيامًا للسباحة، “مثل أي مخيم صيفي آخر”، إلى جانب البرنامج الثقافي والتربوي.
أطفال الأمس مرشدون اليوم
ومن أكثر ما يلفت النظر في المخيم، بحسب الصالح، طبيعة الكادر وعلاقته بتاريخ المكان. ويشير إلى أن نحو 70% من المشاركين هم أبناء مشاركين سابقين في “مخيم الهوية”، فيما ينتمي جميع أفراد الطواقم المساعدة وطاقم الإرشاد، وفق قوله، إلى خريجي المخيم.
وهنا لا تبدو العلاقة بالمخيم مجرد مشاركة عابرة في نشاط صيفي؛ فالأطفال الذين مروا بتجربته قبل سنوات يعودون إليه بعد أن يكبروا، ولكن من الجهة الأخرى من التجربة، حاملين دور المرشد والمسؤول عن جيل جديد.
ويقول الصالح إن الرسالة التي يأمل أن يحملها الأطفال معهم بعد انتهاء المخيم هي أن “يعرفوا من أين جاؤوا، وما الذي يعنيه هذا البلد بالنسبة إليهم”، وأن يتعرفوا إلى مفاهيم التربية الوطنية والهوية بصورة أوسع.
وأضاف أن الأهم هو أن يغادر الأطفال المخيم سعداء، وأن تكون سلامتهم محفوظة، لكن في الوقت ذاته “ألا ينسوا المكان الذي جاؤوا منه، وأن يعرفوا هويتهم بطريقة أوسع وأكثر عمقًا”.
أمير شما: “الأطفال يتذكرون أكثر مما نفكر”
من طمرة، جاء أمير نزار شما إلى المخيم مرشدًا، لكنه لا يتحدث عن المكان من موقع المرشد فقط. فهو، كما يقول ، كان طفلًا في “مخيم الهوية” قبل أكثر من عشرة أو خمسة عشر عامًا، ويعود اليوم لاستكمال مسيرة بدأت معه منذ طفولته.
ويرى شما أن أهمية المخيم تنبع أولًا من السياق الأوسع الذي يعيشه الفلسطينيون في الداخل، ومن تعدد أشكال العمل والسعي إلى التغيير، معتبرًا أن العمل مع الأجيال الصغيرة يمثل أحد أشكال العمل على المدى البعيد.
ويقول: “هناك كثير من الطرق التي يناضل ويغيّر ويسعى من خلالها الناس إلى الأفضل. واحد من هذه الأشياء هو أن نعمل على المدى البعيد، على أن نغيّر مجتمعنا وشعبنا إلى الأفضل، بتأثير دائم ومستدام، بحيث يكمل جيل ما بدأه جيل آخر، ويتغير اليوم والغد، ويظل الأثر مع الأجيال لسنوات وعقود إلى الأمام”.
ويضيف أن هذا “تحديدًا ما يفعله مخيم الهوية”، من خلال تثقيف الأطفال منذ سن مبكرة حول موضوعات قد لا تتاح لهم فرصة التعرف إليها في أماكن أخرى.
ويشير شما إلى أن هناك أفكارًا وموضوعات “لا يمكن أن يسمعوا عنها أو يصلوا إليها إلا في هذه المساحات والبيئات التي تطرح هذه الأفكار وتجعل الأطفال يتفكرون في أمور” قد لا تظهر في البيت، أو قد لا يشدد الأهل عليها.
ومن بين هذه الموضوعات النكبة، والقرى المهجّرة، وأهمية الوجود، واللغة. ويرى أن المخيم يترك أثرًا في الأطفال من خلال مساعدتهم على فهم أن لديهم هوية وثقافة وحضارة، وتعريفهم إليها وتشجيعهم على الاعتزاز بها، بما يشمل اللغة والتاريخ والعادات والثقافة، وهي عناصر تشكل جزءًا أساسيًا من هوية الطفل والمجتمع.
ويصف شما أثر المخيم في الأطفال بأنه “كبير جدًا”، مستندًا إلى تجربته الشخصية، ويعتبر وجوده اليوم كمرشد دليلًا على امتداد هذه التجربة.
ويقول إن المخيم لعب، بالنسبة إليه، دورًا كبيرًا في بناء الوعي السياسي ووعي المجتمع والقضية التي ينتمي إليها، وإن أثره لم يكن محصورًا في مرحلة الطفولة أو في اليوم والغد.
ميار عناية: “لازم نُثمر جيل ورا جيل”
المرشدة في “مخيم الهوية”، ميار عناية من أم الفحم، شاركت في المخيم طفلة قبل أن تعود إليه اليوم ضمن طاقم الإرشاد. وتقول إن تجربتها الشخصية فيه كانت الدافع الأساسي لعودتها.
وتوضح أن وجودها في المخيم يحمّلها مسؤولية تجاه الأطفال، تتمثل في تعريفهم إلى هويتهم وتزويدهم بالمعلومات وتعزيز ثقافتهم، إلى جانب توفير مساحة للإبداع والترفيه.
وتقول: “أشعر إن عندي مسؤولية للعطاء وأسعى لتحقيق هدف بأن يعيش الأطفال تجربة ممتعة وآمنة، وأن يعودوا إلى بيوتهم سعداء، بعيدًا عن الملل”.
وعن الدافع الذي يجعلها تستمر في العمل مع الأطفال، تختصر عناية فلسفتها في فكرة انتقال المعرفة والتجربة بين الأجيال، قائلة: “يجب أن نُثمر جيل ورا جيل؛ أنا أعطي جيل، ويأتي جيل وراء جيل بالأخذ والعطاء”.
محاميد: “مخيم الهوية يعزز الانضباط والمسؤولية والوعي بالهوية”
قال المرشد محمد محاميد من أم الفحم إنه يحرص على المشاركة في المخيم سنويًا رغم التزاماته الجامعية، مشيرًا إلى أنه يدرس الهندسة المعمارية في إسطنبول بتركيا.
وأوضح محاميد أنه انضم إلى المخيم مرشدًا منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره، وأن التجربة أصبحت جزءًا أساسيًا من حياته، قائلًا إن المخيم لا يقتصر على المشاركين فحسب، بل يسهم أيضًا في بناء شخصية المرشدين وتعزيز قيم الانضباط والمسؤولية لديهم.
وأضاف أن المرشدين يبذلون جهدًا كبيرًا في تنظيم المخيم والمشاركة فيه، رغم انشغالهم بالدراسة والامتحانات والعمل، مؤكدًا أن أهمية المخيم بالنسبة لهم تكمن في دوره في تعليم الأطفال وتعزيز وعيهم بهويتهم، خصوصًا في ظل ما وصفه بمحاولات طمس الهوية.
وأشار محاميد إلى أن التجمع الوطني الديمقراطي يحرص على تنظيم المخيم سنويًا بهدف العمل مع هذه الفئة العمرية وتعزيز ارتباطها بهويتها، معتبرًا أن المدارس والمؤسسات التعليمية لا توفر، برأيه، مساحة كافية للعمل على قضايا الهوية وتعريف الأطفال بذواتهم وانتمائهم.
ولفت إلى أن التعب الذي يرافق أيام المخيم يتلاشى أمام ردود فعل الأهالي والأطفال بعد انتهائه، موضحًا أنه يحتفظ برسائل الأهالي التي تصله كل عام، باعتبارها دليلًا على الأثر الذي يتركه المخيم في المشاركين، وعلى نجاح المرشدين في غرس القيم التي يسعون إلى تعزيزها.
أبو شحادة: “مخيم الهوية ذاكرة وطنية تصنع قيادات المستقبل”
قال رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، سامي أبو شحادة، إن مخيمات الهوية تشكل أحد أبرز مشاريع التجمع منذ تأسيسه، وتهدف إلى الحفاظ على الهوية والتاريخ والثقافة والجذور، إلى جانب بناء جيل شاب يمتلك وعيًا وطنيًا وثقة بالذات.
وأوضح أبو شحادة أن التجمع نظم أكثر من 21 مخيمًا منذ تأسيسه، مشيرًا إلى أن ما يميز هذه المخيمات اليوم هو مشاركة مرشدين كانوا أطفالًا فيها، ويعودون إليها الآن برفقة أطفالهم، ما يعكس، بحسبه، استمرارية المشروع وانتقاله بين الأجيال.
وأضاف أن “مخيم الهوية” يتناول قضايا ومحاور متعددة، أبرزها قضية العودة والقرى المهجّرة، إلا أن الهوية تبقى الأساس الذي تقوم عليه هذه المخيمات، باعتبارها “البوصلة التي توجه المجتمع والإنسان”.
وقال أبو شحادة إن الحفاظ على الهوية يشكل مواجهة لمحاولات سلخ المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل عن تاريخه وثقافته وحضارته، مؤكدًا أن الهدف هو بناء جيل جديد لديه هوية واضحة وثقة بنفسه، وقادر على مواجهة تحدياته، وأن يكون نواة لقيادات شابة في المستقبل.
وهكذا، لا تبدو ذاكرة القرى المهجّرة في “مخيم الهوية” مادة تعليمية عابرة، بل جزءًا من تجربة تتناقلها الأجيال؛ أطفال يتعرفون إلى الحكاية من خلال اللعب والفن، ثم يعود بعضهم بعد سنوات ليحملها إلى أطفال آخرين، في دورة متواصلة من الذاكرة والتجربة والمسؤولية.

